البث المباشر

الشاعر دعبل بن علي الخزاعي

السبت 28 سبتمبر 2019 - 14:59 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- نور من كربلاء: الحلقة 4

السلام عليكم إخوة الإيمان ورحمة الله وبركاته.. تقبل الله أعمالكم وتقربكم إليه عزوجل بإحياء الشعائر الحسينية القدسية وهي من زاكيات مصاديق نصرة الله وأوليائه عليهم السلام.
نور الإعداد والتعبئة لنصرة الله وأوليائه وإقامة قيم العدالة الإلهية الشاملة هو من الأنوار الرئيسة التي يبعثها في قلب صدق التفجع لمظلوميات شهداء كربلاء وسباياها عليهم جميعاً سلام الله.
وهذا، مستمعينا الأفاضل، ما نجده متجلياً في العديد من نتاجات الأديب الحسيني الحمامي ومنها النموذج الذي يحدثنا عنه في هذا اللقاء أستاذنا الأديب الحاج إبراهيم رفاعة حيث كتب تحت عنوان: مرثية.. في محضر الإمام الرضا عليه السلام يقول:
دعبل بن علي الخزاعي شعره في آل محمد صلوات الله عليهم شعر متميز، متميز بالفن، ومتميز بالموقف.
في الفن هو من كبار شعراء القرن الثاني والثالث، وهو في الموقف من الثابتين على الولاء لأهل البيت سلام الله عليهم، ومن الشاهرين ألسنتهم للبراءة من أعدائهم والطعن على ظالميهم، هذه الجرأة التي عرف بها دعبل وجسارته في المواجهة لابد أن يدفع لها ثمناً غير قليل، وكان بغض المعتصم العباسي له وعزمه على قتله قبل أن يفر دعبل ويتوارى في الجبال.. واحدة من صور الإضطهاد الذي لقيه هذا الشاعر الفحل النبيل، دعبل نفسه عرفنا بمكابدته الإيذاء لجهره بما يعتقد إذ قال: أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة، فلا أجد من يصلبني عليها!
وشعره الذي قاله في أهل البيت وفيما وقع عليهم من ظلم المسلمين شعر كثير، أخفي جله وبقي منه قليل، لكنه – على قلته – دال على وثيق إيمانه وشديد محبته لآل محمد الذين يفتخر – بملء فمه – بانتمائه إليهم وبمشايعتهم وتائيته الطويلة الخالدة معلم بارز وعلامة كبيرة مضيئة، كافية – وحدها – لتعرفنا بموقف هذا الشاعر الكبير.. يوم أنشدها في محضر الإمام علي بن موسى الرضا – صلوات الله عليه – في مرو من إقليم خراسان.
عدد دعبل أشهر الظلامات الواقعة على آل محمد الهداة الطاهرين، واللافت أنه لم يكن يكتفي بتعداد هذه الظلامات تعداد متفرج غريب همه وصف ما يشاهد، بل إن مشاعره الإيمانية المحزونة الغاضبة تمازج وصفه وتصبغ بلونها الدافق الغيور صور النعت والتصوير، إذا تحدث إجمالاً عن الرزايا التي تجرعها أهل البيت من الحكام المتسلطين.. قال:

رزايا أرتنا خضرة الأفق حمرة

وردت أجاجاً طعم كل فرات


علناً يرتفع صوته الجهير بحب أهل البيت الإلهيين المحمديين، في نوع من التحدي البين لمناوئيهم، ولون من الإلتزام المصيري الغالي التكاليف:

ملامك في آل النبي، فإنهم

أحباي ما عاشوا وأهل ثقاتي

تخيرتهم رشداً لنفسي، إنهم

- على كل حال – خيرة الخيرات

نبذت إليهم بالمودة صادقاً

وسلمت نفسي طائعاً لولاتي

فيارب، زدني في هواي بصية

وزد حبهم – يا رب – في حسناتي

سأبكيهم ما حج لله راكب

وما ناح قمري على الشجرات

وإني لمولاهم وقال عدوهم

وإني لمحزون بطول حياتي


القصيدة التائية من روعتها أن كل بيت من أبياتها جوهرة منفردة، وهي في مجموعها قلادة نفيسة متكاملة تشع رونقاً وبهاء، وقد فاز كثيرون بحفظها عن ظهر قلب، وأوصى بعض عارفي قدرها أن توضع معه في قبره؛ إستمداداً من نورها، وطلباً للأمن في البرزخ؛ فإن صاحبها قد نال الأمان بدعاء الإمام الرضا عليه السلام، لما بلغ في إنشادها بمحضره قوله:

لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها

وإني لأرجو الأمن بعد وفائي


قال له إمام الرأفة والحنان: آمنك الله يا دعبل، وهكذا كان.
كثيرة هي الرزايا التي أوقعها ضلال الناس وعداؤهم بذرية النبي وأهله الأنوار الأقربين. وكثيرة هي آلام القلب التي تحرق لها قلب دعبل من هذه الرزايا، وتبرز مقتلة كربلاء من بينها ذات مذاق ملوع خاص.. وكل رزاياهم مفجعة ملوعة تشحذ قلب ذاكرها بوارق غضب قدسي مستنير.
استحضر الشاعر فاجعة أبي عبدالله الحسين في قصيدته استحضاراً باكياً نادباً ممزوجاً بمشاعره التي تقطر حباً علوياً وفيض مودة وموالاة، منها قوله الراثي يحدث الصديقة المفجوعة بنت حبيب الله محمد وأم الحسين الشهيد:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً

وقد مات عطشاناً بشط فرات

إذن للطمت الخد فاطم عنده

وأجريت دمع العين في الوجنات

أفاطم قومي يا ابنة الخير واندبي

نجوم سماوات بأرض فلاة


كل مصائب آل محمد التي اجترحها الناس وباءوا بجناياتها.. ممض مؤلم، وأمضها في قلب المؤمن مصائب عاشوراء، يتوقف دعبل عندها ليصف ما حدث.. فما تواتيه قدرته على الوصف، فإن مصاب أبي عبدالله الحسين فوق ما يحتمل الوصف وفوق طاقة اللغة والبيان:

فأما الممضات التي لست بالغاً

مبالغها مني بكنه صفات

قبور بجنب النهر من أرض كربلا

معرسهم فيها بشط فرات

توفوا عطاشاً بالفرات.. فليتني

توفيت فيهم قبل يوم وفاتي


هذا الشوق التواق العارم.. هو ما يجده دعبل في داخل الفؤاد، الشوق الفوار لا يدعه يهدأ ويستريح، فماذا يفعل إذن؟! إنه يفكر في زيارة بقعة القدس والشهادة في كربلاء الحسين حيث وقعت الواقعة.
لكنه سرعان ما يحجم ويقلع عن هذا التفكير، إن زيارة كربلاء ما تزيده إلا شوقاً على شوق ووجداً فوق وجد ولوعة في إثر لوعة، كيف يقدر أن يبصر بعينيه المواضع التي صرعوا فيها وتدفقت من أبدانهم النورانية حمر الدماء؟!

أخاف بأن أزدارهم فتشوقني

مصارعهم بالجزع فالنخلات


البكاء هو ما يهيمن، وهو ما يهز قلبه وكينونته ويجري من عينيه بلا انقطاع أحرّ الدموع:

سأبكيهم ما ذر في الأرض شارق

ونادى منادي الخير بالصلوات

وما طلعت شمس وحان غروبها

وبالليل أبكيهم وبالغدوات


إن شيئاً مهماً يمسكه عن الموت لوعة وحسرة، ففي الأفق أمل كمبير ورجاء متألق يسبغ على النفس طمأنينة لأخذ الثأر، ولإعادة العدل المفقود الذي أضاعه – بما جنت أيديهم – المسلمون:

فلو لا الذي أرجوه في اليوم أو غد

تقطع نفسي إثرهم حسرات

خروج إمام – لا محالة – خارج

يقوم على اسم الله والبركات

يميز فينا كل حق وباطل

ويجزي على النعماء والنقمات

فيا نفس طيبي، ثم يا نفس أبشري

فغير بعيد كل ما هو آت


وسيكون دعبل – إذا قدر الله له ذلك – في طلب الثأر من المشاركين:

فإن قرب الرحمن من تلك مدتي

وأخر من عمري ووقت وفاتي

شفيت – ولم أترك – لنفسي غصة

ورويت منهم منصلي وقناتي


رحم الله دعبلاً الخزاعي، وبلغه في نصرة أحبائه آل محمد ما يتمناه.. وفوق ما يتمناه...
وبهذا نصل مستمعينا الأكارم إلى ختام حلقة أخرى من برنامجكم نور من كربلاء قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران..
شكراً لكم وفي أمان الله. 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة