البث المباشر

الحكيم الخيام ورباعيات الزهد والعرفان -۲

الإثنين 23 سبتمبر 2019 - 14:34 بتوقيت طهران
الحكيم الخيام ورباعيات الزهد والعرفان -۲

اذاعة طهران - برنامج : عبارات و اشارات - فقرة : الحكيم الخيام ورباعيات الزهد والعرفان -۲

 

حيث العبارات البليغة الرصينة، والاشارات المعمقة الطريقة من روائع الادب الفارسي.
والتي اشرنا الى انها تختلف عن الرباعيات الشهيرة المنسوبة اليه، وانها تتناسب اكثر مع شخصية هذا العالم والحكيم الشهيرة التي اشاد بزهدها وورعها واستقامها جميع معاصريها.
ففي باب ضرورة التسليم لحكم الله جل وعلا، وحكمته في خلقه، ووضعه كل شيء في موضعه دونما زيادة او نقصان يقول حكيمنا عمر الخيام:
(لايوجد حَكَمٌ يستحق الحُكَم غير الله
ولا يوجد حُكْمٌ افضل من حكم الله
وكل شيء (من الموجودات) هو كما ينبغي ان يكون
ولا يوجد شيء هو ليس كما ينبغي ان يكون...).
ويقرر الخيام في رباعية اخرى ان الانسان لايمكنه بمداركه المحدودة، ومعلوماته التي توصل اليها بالحس، ان يدرك سر الحياة وحكمتها، كيف وهو لا يعلم اسرار ما بعد هذه الحياة؟!
يقول الخيام في هذا الصدد:
(لو كان القلب عَلِمَ سرّ الحياة كما هي
لَعَلِمَ الاسرار الالهية في الموت ايضاً
ما عرَفتَ شيئاً ايّها الانسان وأنت صاحٍ
فماذا ستعرف اذا ذهلت غداً؟!...).
ويدعو الحكيم عمر الخيام في رباعياته الارشادية والزهدية الانسان الى التفكر في خلق الله سبحانه والى تثبيت وتدعيم ايمانه من خلال هذا التفكر قائلا:
(انظر الى الوردِ وقد تمزّق جلبابه من تأثير الصّبا
وطربِ البلبلِ من جماله
اجلسْ في ظلّ شجرته
مظالما طلع من التراب وعاد الى التراب
وقال الورد: لا وجه اجمل من مُحيّاي
فلماذا هذا الجَوْر الذي ألاقيه مِنْ عاصِر الورد الظالم؟!
فكان البلبل يجبيه بلسان الحال قائلا:
من الذي ضحك يوماً، ولم يبكِ عاماً؟!).
ويخلص الخيام من ذلك الى هذه النتيجة وهي ان يغتنم الانسان فرصة عمره القصيرة معتمداً في ذلك على ما يمليه عليه عقله ومنطقه، ومختزناً من زاد الاعمال الصالحة، والصفات الحميدة ما يبيّض به وجهه في يوم الحشر والجزاء، فلنستمع الى الخيام وهو يهمس في آذاننا بلسان الوعظ والارشاد:
(انّ هذا العقل الذي يسير في طريق السعادة
يقول لك كلّ يوم مائة مرّة:
ادركْ واغتنم هذه الفرصة القصيرة لعمرك
فانك لستَ عشباً يحصدونه فينبت ثانياً؟!
في اليوم الذي يُجازى فيه مقابل كل عمل
سيُحدّد قدرك بقدر معرفتك
فاجهد في سبيل الحصول على العمل الصالح
لانك ستُحْشر يوم الجزاء بصورة العمل).
ويطلب الخيام من الانسان ان يكون موضوعياً وواقعياً، وان لا يُغلَّ نفسه وعقله بقيود الخرافات، والاوهام المريضة الواهنة، فلاينسب الامور التي تُعرض له في حياته الى كائنات لا وجود لها كالفَلَك، والزمان، والدهر:

لاتعزوا الى الفلك الخير والشرَّ

اللذين هما في طبيعة البشر

ولا الفرح والغمّ اللذين هما في شؤون القضاء والقدر
لان الفلك في سبيل العقل اعجزُ منك الفّ مرّة
فهو مخلوق وفوقه الخالق عزوجل يديره كيف يشاء.
وعلى فان الاولى بالانسان الذي يُحَكَمُ عقله ان لا يتبع الهوى لانه سبيل الهلاك، وان يفكر في مبدئه، ومحياه، ومماته، والمصير الذي سيؤول اليه، كما يحدثنا الخيام بذلك قائلا:
(اذا اتّبعت شهوتك وهواك فستهلك لا مُحاله
انظر من انت؟ ومن اين جئت؟
واعلم ماذا تعملْ، واين تذهب؟).
وفي باب المؤاخاة، واتخاذ الاصدقاء يبدو الخيام سيئ الظن بالزمان واهله متشائماً بعض الشيء، فهو يوصي بالاقتصاد والاعتدال في ذلك محذراً من العدو الذي ربما يستبطنه الصديق، فيعلن محذراً:
(الافضل ان لاتتخذ الخليل في هذا الزمان الا قليلاً
والاحسان ان تكون الصحبة مع اهل الزمان من بعيد
فالذي تتّكئ عليه بالكلّية، وتعتمد على خلّته
ربما يظهر عدوّاً لك حينما تفتح عينَ العقل).
ويلتفت الخيام في رباعية اخرى الى الشباب فيوصيهم بان لا ينخدعوا بالدنيا، ولا يركنوا اليها معتمدين في ذلك على شبابهم، وطراوتهم، وحيويتهم، فلطالما كان الشباب مدعاة الى الهلاك، ولربما عصفت الرياح بالورود قبل تفتحها فاقتلعتها، ونثرتها على التراب:
(ربّ دماءٍ للناس سفكها الفلَكُ الذي لا يبالي
وربّ وردٍ طلع من التراب، وتناثرت اوراقه تماماً
لاتغترّ ايّها الشاب بحسنك وشبابك
فربّ كمةٍ تناثرت على التراب غير متفتحة!).

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة