البث المباشر

الإمام الصادق (عليه السلام) والفن

السبت 10 يوليو 2021 - 20:07 بتوقيت طهران
الإمام الصادق (عليه السلام) والفن

إذاعة طهران-أدب الإمام الصادق:

قلنا، ان هذا العصر شهد تطورات ثقافية ومنها: العناية بتعريف البلاغة وتحديدها بصفة ان مصطلح (البلاغة) كان هو السائد عصرئذ، فضلاً عن تسرب بعض مفهوماتها (من خلال الترجمة) الى ألسنة وأقلام الخطباء والكتاب حيث بدأ التدوين في هذا العصر نسبياً،... طبيعياً، ان الامام (عليه السلام) وسائر المعصومين فيما كررنا بأن ما يعنون به هو: الهدف الفكري في المقام الأول، وتوظيف (الفن) من أجله: حسب متطلبات الموقف وليس مطلقاً في (المقام التالي)... لذلك: عندما يحدد (عليه السلام) مفهوماً عن الفن أو التعبير أو البلاغة: انما يحدده في ضوء ما هو ضروري ونهائي وليس ما هو ينتسب الى الترف ونحوه... فمثلاً ورد عنه (عليه السلام): «ثلاثة فيهن البلاغة: التقرب من معنى البغية، والتبعد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير»(۱).
وورد عنه (عليه السلام) قوله:
«ليست البلاغة بحدة اللسان، ولا بكثرة الهذيان، ولكنها اصابة المعنى وقصد الحجة»(۲).
وورد عنه قوله (عليه السلام):
«ثلاث خصال من رزقها كان كاملاً: العقل والجمال والفصاحة»(۳).
الملاحظ هنا: ان الامام (عليه السلام) يشير الى ان الفصاحة هي واحدة من سمات الكمال للشخصية، والفصاحة تعني «المقدرة البيانية» كما هو واضح،... وهذا يعني انه (عليه السلام) اكسب اللغة الفصيحة قيمة لها خطورتها مادامت تنسب الى الكمال... اننا نجده في نص آخر يقول: «ثلاثة يستدل بها على اصابة الرأي: حسن اللقاء وحسن الاستماع وحسن الجواب»(٤). ان الجواب الحسن يسنتسب دون ادنى شك الى سمة الفصاحة ايضاً، كل ما في الامر ان مفهوم الفصاحة او المقدرة لا ينحصر في انتقاء العبارة من حيث ايقاعها او احكام تركيبها او اخضاعها لعنصر (صوري) و(بنائي) فحسب، بل يتجاوز ذلك الى صياغة (الدلالة) ذاتها، ولذلك اكتفى (عليه السلام) في عرضه للمعايير البلاغية بتقديم ثلاثة معايير، قال بأن فيهن البلاغة، وليس ان البلاغة منحصرة في هذه المعايير، والمعايير هي: العمق والتركيز والاقتصاد: التقرب من معنى، التبعد من حشو الكلام، الدلالة بالقليل على الكثير... هذه المعايير الثلاثة تظل مرتبطة بـ (الدلالة) كما هو واضح،... مما يعني أن تصور المعصوم (عليه السلام) للبلاغة يختلف عن التصور العادي لدى‌ الآخرين، فالآخرون يعنون - في حالات كثيرة- بما هو ثانوي او زخرف او ترف، مع أن فيها عنصراً من البلاغة او الفصاحة ايضاً،... لكن الفارق بين التصور الشرعي والتصور العادي هو ان التصور الشرعي يعنى - في المقام الاول- بالمضمون، بدليل قوله في تعريف البلاغة بأنها (اصابة المعنى وقصد الحجة)، فقصد الحجة هو: المضمون او الدلالة، اي: يعنى بما هو جوهري، واصيل، وضروري، دون ان ينفي (جمالية) ما هو شكلي و(صوري)... الخ، لكنها تظل (ثانوية) من حيث القيمة النهائية بالقياس الى (الافكار) و(الدلالات)... وهذا ما يفسر لنا السر الكامن وراء ذكر الامام (عليه السلام) لمعايير ثلاثة ترتبط بالدلالة دون ان يذكر المعايير الأخرى التي لا ينكرها، بدليل تثمينه لسمة (الفصاحة) كما لحظنا...
والواقع أن المعايير الثلاثة التي ركز الامام (عليه السلام) عليها، تظل معايير (ثابتة) وليست (نسبية) تخص جيلاً ادبياً دون آخر،.. وهذا ما يكسبها قيمة ضخمة‌ دون ادنى شك،... فالاقتصاد اللغوي يظل معياراً فنياً لدى القدامى والمحدثين ايضاً، ولا ادل على ذلك من اعتماد المعاصرين على عنصر (الرمز) الذي يختصر الدلالات ذات الايحاء المتعدد في عبارة واحدة او اكثر مثلاً، كذلك نجد ان معياري: العمق، والتركيز يظلان قديماً وحديثاً ايضاً معيارين لا يختلف اي منظر ادبي او فنان عن التسليم بأهميتهما،... ولعل الامام (عليه السلام) قد جسد دلالة (العمق والتركيز) عملياً حينما عرف الأول بقوله: «التقرب من معنى البغية»، فهو (عليه السلام) لم يقل (التطابق مع معنى البغية). ان القواعد الفنية المرتبطة باللغة، تقرر بان الألفاظ لا يمكن ان تطابق الدلالات التي يستهدفها الفنان بقدر ما تحوم وتقترب من الدلالات وهذا ما نبه الامام عليه حينما قال: «التقرب من معنى البغية» ولم يقل (التطابق مع معنى البغية) مما يكشف مثل هذا التحديد عن عمق المعايير التي نسجها الامام (عليه السلام)... والأمر كذلك بالنسبة الى تحديده (عليه السلام) للمعيار الثالث‌ (التركيز او التبعد عن حشو الكلام) حيث ان هذا التحديد يظل موضع اجماع لدى المعنيين بشؤون الفن قديماً وحديثاً...
ومهما يكن، فان ما نستهدفه في هذا الميدان هو ان نشير الى تصور الامام (عليه السلام) لمفهوم الفن ومعاييره البلاغية‌ فيما مارس (عليه السلام) تطبيقاً عملياً لها من خلال تنظيره الأدبي الذي لحظناه ومن خلال ما نلحظه في النتاج الفني الذي صدر عنه،... وهو ما نحاول الوقوف عند بعض نماذجه التي تتوزع في اشكال متنوعة من: الخطب والأحاديث، والرسائل والمقالات والمقابلات والمناظرات، وسواها مما نعرض له... ونبدأ ذلك بالحديث اولاً عن:

*******


(۱) نفس المصدر: ص ۳۳۰.
(۲) نفس المصدر: ص ۳۲٤.
(۳) نفس المصدر: ص ۳۳٤.
(٤) نفس المصدر: ص ۳۳۸.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة