البث المباشر

وصف الحمى للمتنبي

الأحد 21 يوليو 2019 - 11:45 بتوقيت طهران

خبير البرنامج: الدكتور سعد الشحمان
المحاورة: بسم الله الرحمن الرحيم وبه تبارك وتعالى نستعين أيها الأخوة والأخوات في كل مكان السلام عليكم
أحبتنا الكرام من دواعي سرورنا أن نلتقيكم من جديد في هذه الدورة الجديدة من برنامجكم الأسبوعي المتجدد سير القصائد الذي نحرص ونسعى دوماً من خلاله الى تقديم كل ما هو مفيد وممتع الى حضراتكم من روائع القريض العربي الحافل بالمعاني السامية والقيم الأخلاقية والتربوية الإنسانية التي تعمل على تهذيب النفوس وتقويم السلوك فضلاً عن تزويد المستمع الكريم بالمعلومات الأدبية القيمة. تابعونا أيها الأحبة.
المحاورة: سوف نخصص أيها الكرام حلقتنا لهذا الأسبوع للحديث عن رائعة من روائع شاعر العربية الأكبر المتنبي ونعني بها قصيدته التي وصف من خلالها بأسلوب فني رائع حمى ألمّت به وهو خلال إقامته في مصر حيث تعد هذه القصيدة من عجائب ما أجادت به قرائح الشعراء في مجال الوصف الدقيق والصورة الفنية الرائعة والطريفة وقد إستضفنا لهذا الغرض خبير البرنامج الأستاذ الدكتور سعد الشحمان ليحدثنا ويسلط الضوء على الشاعر أولاً ومقدرته الفنية في هذا المجال ثم عن القصيدة نفسها والسر الذي كمن وراء خلودها وذيوعها. دكتور سعد الشحمان اهلاً ومرحباً بك في هذه الحلقة الجديدة.
الشحمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وعلى المستمعين الكرام
المحاورة: وعليكم السلام ورحمة الله
الشحمان: يسرني أن ألتقيكم من جديد في هذه الدورة الجديدة من البرنامج
المحاورة: شكراً لحضوركم
الشحمان: بالنسبة الى شاعر هذه الحلقة او قصيدة هذه الحلقة وهي القصيدة التي نظمها المتنبي
المحاورة: في وصف الحمى
الشحمان: نعم طبعاً القصيدة والمرض الذي ألمّ بالشاعر هو يعتبر موضوعاً من المواضيع التي تطرق اليها في القصيدة وإلا فإن القصيدة تدور حول موضوع آخر يتعلق بسيف الدولة. في البداية نقول المتنبي في غنى عن التعريف ولانريد أن نتحدث عن ولادته وأين ولد وأين توفي وما الى ذلك فالجميع يعرف هذه المعلومات حول هذا الشاعر الكبير ولكن نريد أن نسلط الضوء على جوانب ربما كانت مجهولة او ربما كانت المعلومات التي يمتلكها معظم الناس حول هذا الشاعر تكون قليلة في هذا المجال. نقول إن الشاعر المتنبي كان من ضمن المزايا والخصوصيات التي تميز بها أنه كان عالماً لغوياً وربما هذه الحقيقة يجهلها الكثيرون، كان متمكناً بشكل كامل من قواعد اللغة العربية ومن مفرداتها وألفاظها بشهادة العلماء في هذا المجال ومن ضمن الخصوصيات الأخرى التي تميز بها المتنبي أنه كان صاحب كبرياء ورجلاً شجاعاً وطموحاً ومحباً للمغامرات وكان أفضل شعره ذلك الشعر الذي وصف فيه المعارك ومدح فيه الحكام والملوك وروعة شعره في هذا المجال ليست كامنة في وصف المعارك نفسها او في مدح الملوك أنفسهم إنما في الأشعار الحكمية التي ضمنها هذه الأشعار والرؤى التي ضمنها الشاعر حول الحياة وفلسفته في الحياة فلاشك في أن المتنبي هو صاحب الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة. وشعره على عكس الكثير من الشعراء لايقوم على التكلف والصنائع والمتنبي أبعد ما يكون عن التكلف والصنعة في نظم أشعاره لأنه كان متفجر الأحاسيس وكان بالإضافة الى ذلك ممتلكاً لناصية اللغة والبيان.
المحاورة: نعم شكراً جزيلاً لكم أستاذ على هذه الإيضاحات، نستأذنكم الآن في فاصل قصير نستعرض بعده بعض الأبيات لنعود بعد ذلك لنكمل الحوار معكم، تابعونا مستمعينا الكرام.
المحاورة: أيها الأحبة القصيدة طويلة وموضوع وصف الحمى جزء منها حيث وصف المتنبي هذا المرض الذي أصيب به في أربعة عشر بيتاً بدأها بقوله:

فزائرتي كأن بها حياءاً

فليس تزور إلا في الظلام

بذلت لها المطارف والحشايا

فعافتها وباتت في العظام

يضيق الجلد عن نفسي وعنها

فتوسعه بأنواع السقام


المحاورة: نعم مستمعينا الكرام هكذا يصف المتنبي الحمى فهي لاتزوره إلا ليلاً وكأنها فتاة يمنعها الخجل والحياء من أن تزور محبوبها إلا تحت جنح الظلام وبعيداً عن أعين الرقباء وهي من شدة ولهها وعشقها للشاعر فإنها تأبى أن تتخذ لها سكناً ومحل إقامة إلا في نخاع عظام الشاعر لتعبر بذلك عن حبها الشديد له وشغفها به رغم أن الشاعر أغراها بأنواع الوسائد كي تكف عن الولوج في جسده وتجريعه أنواع التباريح والآلام واذا بالشاعر يضيق ذرعاً بنفسه حتى بالسقام والأمراض تنهال عليه فضلاً عن الآلام الروحية والنفسية التي يعاني منها الأمرين وهو يقيم حالياً في دار الغربة في مصر التي لم ترتح لها نفسه في يوم من الأيام في أنه لم يعامل فيها بما يستحقه وهو على ماهو عليه من عظيم المنزلة وجليلها. ويمضي الشاعر مستمعينا الكرام في وصف هذه الحمى فيقدم لنا أبياتاً رائعة اخرى في وصفها ووصف حاله معها لاتقل روعة عن الأبيات السابقة فلقد عمد الى وصف عرق الحمى الذي يتصبب من الإنسان المحموم، وعندما يحل الصبح يبدو أن هذه الزائرة غير المرحب بها تولي هاربة خشية ضوء النهار ولكن على كره منها وكأنها تكره فراق المتنبي فتعبر عن فراقها له بالبكاء الذي عبر عنه الشاعر بالعرق المتصبب من جبينه كأنه الدموع السجام الغزيرة. ومن الطريف أيها الأحبة أننا نرى الشاعر وهو يرقب موعد زيارة هذه الزائرة ذات الخفر والحياء ليلاً لكن خوفاً لا تشوقاً لزيارتها وهي التي تشبعه إيلاماً وتسقيه أنواع الأوجاع والآلام ومن سوء حظ الشاعر أن هذه الزائرة صادقة الوعد دوماً في مواعيدها. ومن الصدق ماهو شر وبلية للإنسان كمن يوعد ثم يُصدق في وعيده فلنستمع أيها الكرام الى الشاعر الملقى على فراشه وهو يتجرع الغصص والآلام هاتفاً من شدة الألم نادباً حظه الذي إبتلاه بعاشقة ليس من وراءها سوى التباريح والأوجاع.

أراقب وقتها من غير شوق

مراقبة المشوق المستهام

ويصدق وعدها والصدق شر

اذا ألقاك في الكرب العظام

أبنت الدهر عندي كل بنت

فكيف وصلت أنت من الزحام

جرحت مجرحاً لم يبق فيه

مكان للسيوف ولا للسهام


المحاورة: تحية طيبة لحضراتكم من جديد مستمعينا الكرام وأنتم برفقة هذه الحلقة من برنامج سير القصائد. اعود الآن الى ضيفنا الكريم في الأستوديو الأستاذ الدكتور سعد الشحمان، اهلاً ومرحباً بكم مجدداً، نرجو منكم دكتور أن تكملوا لنا حديثكم حول شاعرنا المتنبي وقصيدته الطريفة في وصف الحمى التي هي موضوع حلقتنا لهذا الأسبوع.
الشحمان: أهلاً وسهلاً بكم من جديد. في الحقيقة من الملاحظات المهمة التي ينبغي أن تقال حول الشاعر المتنبي وحول العناصر التي أسهمت في تكوين شخصيته وأفكاره أن الفترة التي نشأ فيها هذا الشاعر كانت فترة مميزة في تاريخ الحضارة الإسلامية فقد شهد تفكك الدولة العباسية وتناثر الدويلات الإسلامية في هذا المكان وذاك وكان في نفس الوقت الذي إنحطت فيه الخلافة من الناحية السياسية كان الأمر على العكس من ذلك من الناحية الفكرية والثقافية، شهدت فترة نضج حضاري وخصوبة في الشعر إزدهار في الأدب كما شهدت في نفس الوقت ظهور بعض الحركات السياسية الهدامة في ذلك الوقت من مثل القرامطة وكان الوزراء والأمراء يتنافسون فيما بينهم في إستقطاب الشعراء والعلماء، كل واحد منهم يتخذ من العالم الفلاني او الشاعر الفلاني وسيلة للدعاية والإفتخار بنفسه وكان المتنبي يعيش مثل هذه الظروف التي أثرت تأثيراً مباشراً في حياته.
المحاورة: وأيضاً في طبعه الشعري
الشحمان: نعم في شعره حتى أنه عكس بعض الأفكار يعني كان يتمنى لو أن السلطة تعود الى أصحابها يعني هو نفسه كان يبحث عن امنية وعن هدف لم يصرّح به ولكن أشار اليه تلميحاً في بعض من أشعاره ولو أن في ذلك شيء من المبالغة، يقول:

أنا في أمة تداركها الله

غريب كصالح في ثمود


ويقول في موضع آخر:

ما مقامي بأرض نخلة إلا

كمقام المسيح بين اليهود


المحاورة: شكراً جزيلاً لكم أستاذ الشحمان على هذه الإيضاحات القيمة التي تفضلتم بها والتي جعلتنا حقيقة نستمتع بالقصيدة وصورها الفنية، شكراً جزيلاً.
الشحمان: حياكم الله وحيا مستمعينا الكرام إن شاء الله نلتقيكم في الحلقة القادمة.
المحاورة: إن شاء الله شكراً جزيلاً لكم ونشكر مستمعينا الكرام لحسن متابعتكم لهذه الحلقة من برنامج سير القصائد حتى الملتقى أطيب المنى ودمتم في أمان الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة