البث المباشر

أنشودة المطر لبدر شاكر السياب ۲

الأحد 21 يوليو 2019 - 11:43 بتوقيت طهران

خبير البرنامج: الدكتور سعد الشحمان
المحاورة: بسم الله الرحمن الرحيم أعزتنا المستمعين الأكارم سلام من الله عليكم ورحمته وبركاته في هذه الحلقة الجديدة التي يسرنا أن تجمعنا معكم عبر برنامجكم الأسبوعي المتجدد سير القصائد الذي يعده ويقدمه لكم قسم الثقافة والأدب في اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران.
المحاورة: مستمعينا الكرام شرفنا الأستاذ الدكتور سعد الشحمان في الأستوديو ليفي ما وعدنا به من إكمال لحديثه الشيق حول شخصية الشاعر العراقي بدر شاكر السياب وسيركز حديثه في هذا اللقاء إن شاء الله حول شعر السياب وخاصة ملحمته الشعرية الخالدة أنشودة المطر، اهلاً بكم أستاذ
الشحمان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المحاورة: وعليكم السلام
الشحمان: سوف نحاول إن شاء الله أن نكمل حديثنا حول الشاعر العراقي بدر شاكر السياب وملحمته المطرية إن صح التعبير والتي كتبها في عام ۱۹٥۲ ميلادية وهذه المرحلة من تاريخ العراق تعتبر مرحلة حاسمة او مرحلة إنتقالية من نظام الى نظام آخر لذلك شهدت قصيدته انشودة المطر يعني عكس الشاعر هذه التحولات في قصيدته هذه اذ أن بدأت إهتمامته السياسية إعتباراً من هذه المرحلة وفي الحقيقة قصيدة انشودة المطر التي تعتبر من روائع الشعر العربي في عصرنا الحديث وخاصة في مجال الشعر الذي يستعين بالأساطير والرموز في إيصال رسالة الشاعر وتعتبر هذه القصيدة بداية تحول مهم في رؤية السياب الشعرية وفي أسلوبه التعبيري، يوظف في هذه القصيدة وإن كان هذا التوظيف بشكل غير صريح، يوظف أسطورة الموت والإنبعاث التي نلاحظها في تراث الأمم والشعوب وخاصة في تراث الشعوب التي عاشت في وادي الرافدين. هذه الأسطورة تتمثل في إله الخصب الذي ينبعث والذي يرمز موته الى إندحار القوى المولدة في الطبيعة أمام مدّ العقم والجفاف. هذان الرمزان يعني رمز إله الخصب الميت وأسطورة الموت والإنبعاث وكذلك أسطورة الإلهة الأم الكبرى. هذا الرمزان يمثلان الرمزين المحوريين اللذين ترتكز عليهما قصيدة السياب اما بالنسبة الى رموز الخصب الأخرى فترتبطان بشكل او بآخر بهذين الرمزين المحوريين ويتظافران معاً ليقدمان لنا قصيدة متكاملة من ناحية البناء العضوي الأسطوري. هذا التوظيف للأساطير والرموز جاء بشكل واضح في هذه القصيدة أكثر من قصائد السياب الأخرى إعتباراً من بداية القصيدة التي يخاطب فيها امرأة مجهولة لايسميها ولايطلق عليها إسماً معيناً ولكن يعين هويتها من خلال مخاطبتها عندما يقول: عيناك غابتا نخيل ساعة السحر
فهو يعلن منذ البدأ أن هذا الرمز هو رمز للمرأة وللأنثى بشكل عام وعندما يقول غابتا نخيل نستطيع أن نستعين بهذا التعبير في كشف هوية هذا الرمز. فنستطيع أن نقول إنه رمز من خلال هذه المرأة الى ارضه والى وطنه والى المنطقة التي عاش فيها بشكل خاص وهي منطقة البصرة والتي تشتهر ببساتين النخيل. وهذه الأم هي رمز للفرح ورمز للخصب ورمز للعطاء، يعلن ذلك الشاعر من خلال قوله: عيناك حين تبسمان تورق الكروم
يعني الكروم او أشجار العنب تخضر وتكتسي بالأوراق وتعد بثمار وتعد بغد مثقل بالعطاء والخصب حتى أننا نرى أن أضواء القمر تتراقص على صفحة النهر ويتمايل المجذاف وهو يداعب برفق صفحة القمر عند المساء. وبعد ذلك نلاحظ زخات الامطر يعني يبدأ المطر بالإنهمار وكما نعلم أن المطر هو رمز للبركة ورمز للخصب والخير والعطاء وهو ابن الأم يعني نقصد بالأم هنا الأرض فهو يخصب الأرض ويضع في أحشاءها بذرة الحياة تماماً كما يفعل المطر بالأرض لذلك نلاحظ هذا التوظيف الناجح للرموز والأساطير في التعبير عن المفاهيم والمعاني التي اراد الشاعر أن ينقلها الى متلقيه.
المحاورة: نعم طيب شكراً لك أستاذ نحن ممتنون لك على هذه الصورة الجامعة والشاملة التي قدمتها لنا وللمستمعين الأفاضل حول الأسلوب الشعري الذي تميز به السياب. نشكرك مرة اخرى
الشحمان: حياكم الله طبعاً الحديث يطول عن هذه القصيدة
المحاورة: طبعاً لكن الوقت مع الأسف لايسمح، شكراً لكم ونستودعك الله حتى حلقة اخرى.
الشحمان حياكم الله وحيا الله المستمعين الكرام
المحاورة: شكراً والآن نتواصل مع المستمعين الأعزة لنكمل جولتنا عبر الأنشودة السيابية حول مطر الثورة الذي عم بلاده بعد السنوات العجاف من الظلم والعبودية. تابعونا
المحاورة: مستمعينا الأعزة ولكن الشاعر لايظل متوقعاً في صدفة ذاته متلقياً إنهمارات المطر فمن خلال قطرات المطر وأصوات وقعها على الأرض يحاول أن يسترق السمع كأنه الكاهن ليستشف المستقبل وليرى هل من نهاية لهذا الطوفان الهائج؟ وهل ستنبلج تباشير الفجر، فجر الثورة والحرية؟ وهل من نهاية لهذا الجوع المخيم على وطنه العراق بعد هذه الزخات المبشرة بالخير والخصب وإخضرار الربوع؟ هذه هي نبوءة الشاعر.

أكاد أسمع العراق يذخر الرعود

ويخزن البروق في السهول والجبال

حتى اذا ما فض عنها ختمها الرجال

لم تترك الرياح من ثمود

في الواد من أثر

أكاد أسمع النخيل يشرب المطر

وأسمع القرى تأن، والمهاجرين

يصارعون بالمجاذيف وبالقلوع

منشدين

مطر، مطر، مطر

وفي العراق جوع

وينثر الغلال فيه موسم الحصاد

لتشبع الغربان والجراد

وتطحن الشوان والحجر

رحى تدور في الحقول... حولها بشر

مطر، مطر، مطر


المحاورة: وما تلبث إخوتنا المستمعين أن تتصاعد وتيرة التفاؤل لدى الشاعر مع تصاعد وتيرة هطول المطر، المطر المبشر بإخضرار الأرض وبنهاية الجوع والجفاف. المطر الذي يحمل اجنة الزهر على حد تعبير الشاعر، المطر الذي سيضع فصل الختام لمأساة العبيد المعذبين، المؤذن بإنبلاج الفجر، فجر الحرية. هكذا يرسل الشاعر ترنيمته المفعمة بالأمل والتفاؤل بمستقبل وطنه. فلنستمع اخوتنا المستمعين الى هذه الترنيمة:

وكم ذرفنا ليلة الرحيل من دموع

ثم إعتللنا - خوف أن نلام - بالمطر

مطر، مطر، مطر

ومنذ أن كنا صغاراً، كانت السماء

تغيم في الشتاء

ويهطل المطر

وكل عام - حين يعشب الثرى - نجوع

مامرّ عام والعراق ليس فيه جوع

مطر، مطر، مطر

في كل قطرة من المطر

حمراء او صفراء من أجنة الزهر

وكل دمعة من الجياع والعراة

وكل قطرة تراق من دم العبيد

فهي إبتسام في إنتظار مبسم جديد

في عالم الغد الفتي واهب الحياة

مطر، مطر، مطر

سيعشب العراق بالمطر


المحاورة: وهكذا أيها الأحبة نختتم جولتنا في رحاب المطر والخصب والإخضرار مع ملحمة الشاعر بدر شاكر السياب في أنشودته المطرية الخالدة التي يبدو فيها الشاعر كاهناً يستشرف المستقبل بحسه المرهف. وحتى نلتقيكم مع شاعر آخر وقصيدة اخرى نستودعكم الرعاية الإلهية والى الملتقى.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة