قصة اصحاب الجنة

السبت 16 مارس 2019 - 18:48 بتوقيت طهران

الحلقة 19

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسَّلام على رسوله وحبيبه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
في هذا اللقاء سنتعرف على حكاية معبّرة أخرى هي حكاية أَصْحَابُ الْجَنَّةِ الدنيوية - كما نسّميها - والتي ذكرت في سورة القلم من الآية ۱۷ حتى الآية ۳۲.
رافقونا في هذا البرنامج مع حكاية أَصْحَابُ الْجَنَّةِ الدنيوية ضمن المحطات التالية:
بعد مقدّمة عن الحكاية ننصت معاً الى تلاوة مرتلة لهذه الآيات، ثم نقف عند معاني المفردات والعبارات القرآنية التى وردت فيها.
نستمع الى الحوار الذي أجرى مع خبير هذا اللقاء بشأن الحكاية، لننتقل بعد ذلك الى زملائنا وهم يحكون لنا حكاية اصحاب الجنه.
ونستمّر في تقديم البرنامج بفقرة من هدى الائمة (عليه السَّلام) وروايات عن الإمامين الباقر والصادق (عليه السَّلام)، واخيراً مع باقة من الدروس المستفادة من قصة أَصْحَابُ الْجَنَّةِ الدنيوية.

*******

في هذه الآيات يستعرض لنا القرآن الكريم قصّة أَصْحَابُ الْجَنَّةِ بمعنى البستان المثمر بكثافة كنموذج لذوي المال الذين غرقوا في أنانيتهم، فأصابهم الغرور، وتخلّوا عن القيم الإنسانية الخيّرة، وأعماهم حبّ المال عن كثير من الفضائل.. فالآيات الكريمة تذكر لنا قصّة مجموعة من الأغنياء كانت لهم بستان كثيرة الثمار والاشجار (بستان مثمر) إلا أنهم فقدوها فجأة، وذلك لعتوّهم وغرورهم وتكبّرهم على فقراء زمانهم.
ويبدو أنّها قصّة معروفة في ذلك الزمان بين الناس، ولهذا السبب استشهد بها القرآن الكريم فإلى الآيات ۱۷ الى ۳۲ من سورة القلم.

*******

من هدي الآيات

يقول الله في بداية هذه الحكاية: «إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ».
المشهور أنّ الجنة المشار اليها في الاية كانت في أرض اليمن أمّا مفردة البلاء تعنى الاختبار وإصابة المصيبة إذ أقسموا ليصرمنّها مصبحين: الصرم هو قطع الثمار من الاشجار، ليصرمنها مصبحين اي ليقطعنّ ثمار الجنة في بدايات الصباح «وَلا يَسْتَثْنُونَ»، أي لا يتركون منها شيئاً للمحتاجين فإنّ ذلك ناشيء عن البخل وضعف الإيمان وليس الفقر «فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ»والطائف هو العذاب الذي يأتي بالليل، فمفردة طائف من مادّة (طواف)، وهي في الأصل بمعنى الشخص الذي يدور حول شيء معيّن، كما تستعمل أحياناً كناية عن البلاء والمصيبة التي تحلّ في الليل، وهذا المعنى هو المقصود هنا.
فأصبحت كالصريم: الصريم من مادّة (صرم) بمعنى (القطع) وهنا بمعنى (الليل المظلم) أو (الشجر بدون الثمار) أو (الرماد الأسود) لأنّ الليل يقطع عند مجيء النهار، كما أنّ النهار يقطع عند مجيء الليل، ولذا يقال أحياناً لليل والنهار (صريمان)، والمقصود بذلك هو: البلاء السماوي الذي تمثل بصاعقة عظيمة – فيما يبدو- أحالت البستان إلى فحم ورماد أسود.
فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ: فإنّ اصحاب البستان كانوا على تصوّرهم أنّ أشجار جنتهم المملوءة بالثمر، جاهزة للقطف: «فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ»:
(أغدوا) من مادّة (غدوة) بمعنى بداية اليوم، وكلمة صارمين بمعنى عازمين على الصرم أي القطع.
وعلى ضوء المقدّمات السابقة: «فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ» فهم كانوا يتكلمون بهدوء حتى لا يصل صوتهم إلى الآخرين، ولا يسمعهم مسكين، كى لا يأتي لمشاركتهم في عملية جني الثمر أو تناول شيء من الفاكهة.
وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ: حرد على بمعنى الممانعة التي تكون توأماً مع الشدّة والغضب، نعم إنهم كانوا في حالة عصبية وإنفعالية من حاجة الفقراء لهم وإنتظار عطاياهم، ولذا كان القرار بتصميم أكيد على منعهم من ذلك، عبارة إنا لضالون تعنى عدم إهتدائهم إلى طريق البستان أو الجنة.
ثمّ أضافوا: «بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» أي أردنا أن نحرم الفقراء والمحتاجين من العطاء إلاّ أننا حرمنا أكثر من الجميع.
«قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ»، اي ألم أقل لكم اذكروا الله بالتعظيم وتجنبوا مخالفته واشكروا نعمته وامنحوا المحتاجين شيئاً ممّا تفضّل الله به عليكم.
تستمّر الآيات فتقول «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ»، اي أنّ كلّ واحد منهم في الوقت الذي يعترف بذنبه، فإنّه يلقي بأصل الذنب على عاتق الآخر، ويوبّخه بشدّة.

*******

اسئلة الخبير

نقف بإزاء الحديث عن أَصْحَابُ الْجَنَّةِ التي جاءت في سورة القلم المباركة. 
اعزائي استضيف في محطة هذا البرنامج فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين خبير البرنامج، فضيلة السيد ما هو المقصود من عدم الاستثناء في قوله تعالى: «وَلا يَسْتَثْنُونَ» هل هو عدم ذكرهم عبارة ان شاء الله ام انهم كانوا غافلين عن مشيئة الله تعالى؟ 
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً يحتمل الاثنين بعض المفسرين ذهب الى الاول يعني «وَلا يَسْتَثْنُونَ، إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا» يعني بَلَوْنَا المشركين يعني مشركي قريش «كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا» الصرم يعني القطع، مصبحين يعني عند الصباح وَلا يَسْتَثْنُونَ ممكن لا يَسْتَثْنُونَ ان لا يقولوا ان شاء الله يعني اعتمدوا امكاناتهم وهذا لون من الوان الشرك طبعاً، شرك الاسباب، ممكن لا يَسْتَثْنُونَ بهذا المعنى لأن بعد ذلك نراهم يقولون: «قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ» هنا يبدو وقعوا في الشرك، شرك الاسباب: «قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ، قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ» ممكن يكون لا يَسْتَثْنُونَ يعني لن يقولوا ان شاء الله واعتمدوا على طاقتهم وعلى قوتهم ومن طبيعة الانسان «إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى» يعني ان رأى نفسه اسْتَغْنَى، الانسان حينما يرى نفسه قوياً سوى كان قوى المال او قوى الجمال او السلطة يعني يطغى ويولد الطغيان يعني القوة تولد امكانية الطغيان فهؤلاء اصحاب الجنة حينما رأوا انفسهم طبعاً الجنة سميت جنة حينما تكون الاشجار كثيفة تجن اشعة الشمس يعني من كثافة الاشجار بحيث تحجز اشعة الشمس من ان تسقط على الارض، الجنة يعني البستان الكثيف بحيث الاشجار تغطي اشعة الشمس فهؤلاء حينما توفي والدهم كما جاء في الروايات والدهم كان طيباً يعطي الفقراء، يستثني الفقراء من الحصة لأن في اموالهم حق للسائل والمحروم كما نقرأ في سورة المعارج يقول: «إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا» هؤلاء مسهم الخير فأصبحوا منوعين «إِلاَّ الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ» كما في سورة المعارج، بعضهم قال يَسْتَثْنُونَ يعني لم يستثنوا الفقراء لأن أباهم كان يستثني الفقراء يعني يعطي الفقراء الحصة، الحق المعلوم في ماله كزكاة هؤلاء حينما ورثوا هذا الاب الطيب قالوا ان ابانا قد خرف وكبر في السن ولهذا هو يهدر اموالنا يعني بدون مناسبة او بدون داعي فطغوا وبغوا ولم يستثنوا الفقراء وقرروا ان يخرجوا صباحاً مبكراً حتى لا يشعر الفقراء انظر هنا القرآن يصور تصويراً رائعاً جداً «إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا» يعني بَلَوْنَا قريش المشركون «كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلا يَسْتَثْنُونَ» ممكن لا يَسْتَثْنُونَ يعني الفقراء ممكن ان لا يقولوا ان شاء الله تعالى، «فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ»، الصَّرِيمِ يعني الليل او الشيء المحترق «فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ»، اغدوا يعني من الصباح، من الغدوة «إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ، فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ، أَن لّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ»هنا قد يؤيد هذا السياق ان لا يَسْتَثْنُونَ يعني لا يَسْتَثْنُونَ الفقراء يعني «أَن لّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ، وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ»، الحرد هو المنع يعني منع الفقراء «فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ، قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ» ممكن يعني بعض السياق يؤيد المعنى الاول وبعض السياق يؤيد المعنى الثاني. 
المحاور: طيب فضيلة السيد في ظل ما تشير اليه الايات هل هناك علاقة بين تصرفات الانسان واعمال الانسان وبين رزقه المقدم؟
السيد عبد السلام زين العابدين: قطعاً يعني هذه من الادلة القرآنية الواضحة حتى ان روايات اهل البيت اكدت على هذا المعنى في سورة القلم ولا سيما في هذه القصة، انظر ماذا قالوا «وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» يعني هذه النية السيئة، نية عدم استثناء الفقراء او عدم اعطاء شيء للفقراء في هذا الحق المعلوم، عدم الاعطاء من الحق المعلوم، مجرد هذه النية، تبييت هذه النية ادى الى فساد هذه الجنة الرائعة الجميلة وتحولت كالصريم لأنهم بيتوا نية سيئة بعدم استثناء او بعدم اعطاء الفقراء حصة من المال ولهذا هذا من الاثار التكوينية اخ سيد مصطفى، يعني نحن قد لا ننظر الى الاثار التكوينية للذنوب، للذنوب آثار تشريعية يعني عقوبات مثلاً تشريعية في الدنيا وفي الاخرة وهناك عقوبات تكوينية، نقرأ في دعاء كميل مثلاً اعطاء الامام علي في دعاء كميل الذي نقرأه كل ليلة جمعة مستحب هناك: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء، اللهم اغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء" هناك تأثيرات تكوينية دنيوية للذنوب كما ان هناك تأثيرات تكوينية دنيوية للاعمال الصالحة مثلاً: "اما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحاً فأردنا ان يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة" انظر يعني لأن الاب صالح، هؤلاء ايتام او مثلاً قضية السفينة، اما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر، انظر مسكين حينما يعمل ويكد لعياله الله عزوجل يسدده ولهذا خرقها العبد الصالح فالذنوب او الاعمال سواء كانت سيئة او صالحة لها آثار تكوينية طبعاً هنا حينما حرموا الفقراء الله سبحانه وتعالى حرمهم، الذي يحرم الفقراء كما الذي يهتك اعراض الناس يهتك، انظر «وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ، الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ، يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ، َلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ» السورة الوحيدة التي عبرت عن النار بالحطمة سورة الهمزة، لماذا؟ لأن الحطمة من التحطيم، لأن هؤلاء يحطمون اعراض الناس، الهمزة اللمزة يعني العياب المغتاب الذي يحطم اعراض الناس فكان سورة الهمزة تقول الذي يحطم اعراض الناس يحطم في الاخرة. 

*******

قصة أَصْحَابُ الْجَنَّةِ

كان في قديم الزمان رجل صالح وله بضعة أولاد... قصّ الله علينا قصتهم في سورة القلم.
كان لذلك الشيخ الصالح بستان جميل عامر بمختلف أنواع الأشجار المثمرة، وجداول الماء العذب تسقيها، فتعطي تلك الأشجار فواكة لذيذة وكثيرة ومتنوعة.
وكان ذلك الشيخ قد جعل نصيباً من تلك الثمار للفقراء والمساكين، الذين كانوا يتوافدون أيام قطافها إلى البستان، ليأخذوا نصيبهم منها، وكان الشيخ يعطيهم ممّا رزقه الله بنفس طيبة وقلب سعيد، لأنه كان يعرف أنه بذلك يرضي الله تعالى، ويدخل السعادة على قلوب أولئك المعذّبين.
وكان جميع أولاد الشيخ الصالح - إلاّ واحداً منهم - يكرهون فعل أبيهم، ويعتبرونه تبذير أو إنفاقاً في غير موضعه حتى إذا ما مات أبوهم الشيخ، قرّروا أن يحتكروا ثمرات البستان لأنفسهم، ليكثروا مالهم، ويسعدوا أنفسهم وأولادهم، وليذهب الفقراء إلى حال سبيلهم.
قال أحدهم: لقد صار البستان لنا، وسوف نجني منه الكثير.
وقال الثاني: ولن ندع الفقراء يقتربون منه.
وقال الثالث: ولن يطمع الفقراء بعد اليوم بشيء منه.
قال أوسط الإخوة، وكان معجباً بأبيه وبكرمه وإنفاقه على الفقراء وَالْمَسَاكِينِ: أنصحكم أن تسيروا على ما كان يسير عليه أبوكم، فالله سبحانه وتعالى قد جعل للفقراء والمحتاجين حقاً في هذا المال.
قال كبيرهم: إنه مالنا... وليس لأحد حق فيه.
قال أوسطهم: بل إنه - كما كان يقول أبونا - إنه مال الله، وقد استودعنا الله إياه، وللفقراء نصيب فيه.
إشتدّ الجدال وطال الحوار، وغلب الأخ الأوسط على أمره، وائتمر الإخوة فيما بينهم، أن يبكروا إلى تلك الجنة الدانية القطوف، وأن يأخذوا كل ما فيها من فواكه وثمار قبل أن ينتبه الفقراء والمساكين ويأتوا - كعادتهم أيام أبيهم - ليأخذوا حصتهم ونصيبهم منها.
نام الإخوة الأشحّاء على أحكام الغد الممتلىء بالغنى والثروة، واستيقظوا في الجزء الأخير من الليل، وبادروا إلى بستانهم، وعندما وصلوا إليه وقفوا ذاهلين، فقد كان البستان قاعاً صفصفاً، فقد احترق بأكمله.
قال كبيرهم: لا... لا... هذا ليس بستاننا.
قل الآخر: إنّ بستاننا جنة تجري من تحتها الأنهار، وهذا خراب.
قال أوسطهم: بل إنه بستانكم ... قد أرسل الله عليه طائفاً من البلاء جعله كما ترون، لأنكم لم تفعلوا كما كان يفعل أبوكم، ولم ترضوا بما أعطاكم، لم تعطوا الفقراء حقهم الذي فرضه الله لهم في بستانكم .. ولقد نصحتكم، ولكنكم لا تحبّون الناصحين.

*******

من هدي الائمة (عليه السلام)

ورد في حديث عن الإمام الباقر (عليه السَّلام) أنه قال: إنّ الرجل ليذنب الذنب، فيدرأ عنه الرزق، وتلا (عليه السَّلام) هذه الآية: «إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَلا يَسْتَثْنُونَ، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ».
وعن الامام الصادق (عليه السَّلام): كنت آمر إذا أدركت الثمرة ان يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس ويأكلوا، وكنت آمر في كل يوم أن يوضع عشر بنيات يقعد على كل بنية عشرة كلّما أكل عشرة جاء عشرة أخرى يلقى لكلّ نفس منهم مدّ من رطب، وكنت آمر لجيران الضيعة كلّهم الشيخ والعجوز والصبي، والمريض والمرأة ومن لا يقدر أن يجيء فيأكل منها لكلّ إنسان منهم مدّا.

*******

دروس وعبر

جُبِلَ الإنسان وطبع على حبّ المال، ويمثل هذا الحبّ غريزة في نفسه، لأنّ له فوائد شتى، وهذا الحبّ غير مذموم إذا كان في حدّ الإعتدال، وجعل نصيباً منه للمحتاجين، وهذا لا يعني الإقتصار على أداء الحقوق الشرعية فقط، بل أداء بعض الإنفاقات المستحبّة.
فالتعلّق بالمال حينما يكون بصورة مفرطة وجشعة فهو يأخذ شكلاً منحرفاً وأنانياً، وقد لا يكون بحاجة إليه، فحرمان الآخرين والإستئثار بالأموال والتلذّذ بحيازة النعم والمواهب الإلهية دون سواه، مرض وبلاء كما نلاحظ في حياتنا المعاصرة، مفردات ونماذج كثيرة في مجتمعاتنا البشرية تعيش هذه الحالة.
البلاء والعذاب والمرض والمشاكل الاجتماعية والفردية والغلاء والتضخم وما شابه، كلّ ذلك ليس عقوبة دائماً فإنّ الله قد يستهدف من العذاب تربية الانسان وإيقاضه من غفلته.
مثل العذاب الذي أنزل على أَصْحَابُ الْجَنَّةِ الدينوية هذه، بناءً على رأي اولئك الذين يرون أنّ توبتهم قد قبلت، بعدما أعربوا عن ندمهم، لينتهجوا بعدها نهج أبيهم في الانفاق على الفقراء والمساكين، ممّا وفر الأرضية لأن يرزقهم الله الجنة مرة اخرى.
اجل قصّة «أَصْحَابُ الْجَنَّةِ»، هي كشف وتعرية واضحة لنفسيات مريضة لأصحاب الأموال الذين يستأثرون بالخير والنعم والهبات الإلهية، ويؤكدون ذلك بحصرها فيهم دون سواهم ... ويتجسّد هذا المعنى في الخطّة التي أعدّت من جانب أَصْحَابُ الْجَنَّةِ في حرمان المحتاجين، بالتفصيل الذي ذكرته الآيات الكريمة.
وهذا مثل ضربه الله لكفار قريش، فيما أنعم به عليهم من إرسال الرسول الكريم إليهم، فقابلوه بالتكذيب والمخالفة، «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ».

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم