البث المباشر

الرايات الكاذبة

الخميس 8 أكتوبر 2026 - 10:16 بتوقيت طهران
تنزيل

إذاعة طهران- فيديوكاست: فيديوكاست يتحدث عن أحد أخطر أشكال التضليل في الحروب وألا هي تسمى «عملية الراية الكاذبة» وهذه تعني أن أحد أطراف الحرب يخطط لعملية عسكرية أو يُدبّرها بطريقة توحي بأن الطرف الآخر هو الذي نفّذها.

لا تبدأ بعض الحروب بطلقة أولى؛ بل تبدأ بالرواية الأولى.

تبدأ بصورةٍ، أو انفجار، أو اتهام، ثم موجة من الخوف والغضب تدفع الرأي العام نحو الوجهة التي تريدها القوة المهيمنة.

في الأدبيات السياسية والأمنية، يُطلق على أحد أخطر أشكال هذا التضليل مصطلح: «عملية الراية الكاذبة».

وتعني أن أحد أطراف الحرب يخطط لعملية عسكرية أو يُدبّرها بطريقة توحي بأن الطرف الآخر هو الذي نفّذها.

فما الهدف من ذلك؟

صناعة ذريعة للهجوم، وإضفاء الشرعية على الحرب، وتحويل قرارٍ سياسيٍ إلى ما يشبه «الضرورة الوطنية».

لكن السؤال الجوهري هو:

"لماذا تلجأ أطراف النزاع إلى تصميم مثل هذه العمليات؟"

هنا تبرز رؤية بريجنسكي؛ حيث يوضح في كتابه «رقعة الشطرنج الكبرى» أن الولايات المتحدة تواجه قيداً حقيقياً في تشكيل إجماعٍ داخلي حول سياستها الخارجية، لا سيما في الإجراءات المكلفة كالحروب. فالمجتمع الأمريكي لا يصطف خلف الحرب إلا إذا واجه تهديداً خارجياً عظيماً يُشعر الرأي العام بالخوف.

هذا القول ليس اعترافاً مباشراً بالعمليات تحت «الراية الكاذبة»، لكنه يكشف منطق النظام. فلكي تدخل أمريكا الحرب، لا تكفي الدبابات والأساطيل؛ بل يجب أن يُقنع المجتمع أيضاً. يجب أن يبدو التهديد عظيماً وفورياً وحقيقياً لدرجة تجعل الحرب ليست «خياراً»، بل «إجباراً».

إذن، القضية ليست مجرد قوة عسكرية؛ بل هي قضية إقناع الرأي العام باستهلاك تلك القوة. أي أنه قبل تحليق القاذفات، يجب أن يكون ذهن المجتمع قد جُهِّز مسبقاً.

في تاريخ الولايات المتحدة، لم يكن هذا المنطق مجرد تحليلٍ نظري أو مجرّد طرحٍ تجريدي. فهناك وثيقة موجودة بالفعل تُعرف باسم «عملية نورثوودز» (Operation Northwoods).

ففي عام 1962، طرحت الأجهزة الأمنية الأمريكية مقترحاتٍ لافتعال ذرائع ضد كوبا، من خلال تنفيذ أعمال يمكن تحميل مسؤوليتها لكوبا، ثم استغلال التغطية الإعلامية والصدمة التي قد تُحدثها هذه الأعمال في المجتمع للتأثير في الرأي العام وتحفيزه.

لم تُنفَّذ هذه الخطة، لكنها أثبتت شيئًا واحدًا:

"أن فكرة اختلاق ذريعة للحرب كانت، على المستوى الرسمي، موضع تفكير وتصميم وتخطيط".

وفي حرب العراق عام 2003، شهدنا نمطاً آخر من هذا المنطق؛ حيث تم تضخيم التهديد المزعوم بـ «أسلحة الدمار الشامل» أكثر بكثير من الواقع. وفي أجواء ما بعد 11 سبتمبر، تم ربط العراق بالإرهاب وانعدام الأمن بشكلٍ جعل الهجوم يبدو طبيعياً لجزءٍ كبير من الأمريكيين.

وفي ليبيا عام 2011، تكرر النمط ذاته؛ عُرض التهديد باعتباره أكثر فوريةً وقطعيةً مما كان عليه في الواقع، وبِيعت الحرب للرأي العام تحت ذرائع إنسانية، لتكون النتيجة للشعب الليبي: الفوضى، والفقر، وضياع الثروات الوطنية.

هذا هو النمط ذاته:

"اصنع أولاً إدراك التهديد، ثم شرعن الحرب".

والآن، يمكن رؤية هذا المنطق في الحرب الراهنة بين إيران والولايات المتحدة. في الداخل الأمريكي، لا يزال هناك انقسام حول توسيع نطاق الحرب.

ووفقاً لاستطلاعات الرأي، يعارض 6 من كل 10 أمريكيين إرسال قوات برية، ويرى 59% منهم أن العمل العسكري الأمريكي ضد إيران كان مفرطاً.

هذه الأرقام ذات أهمية قصوى للسياسيين الداعين للحرب؛ لأنها تعني أن تهديد إيران لم يُرسخ في ذهن المواطن الأمريكي بعد.

وفقاً لرأي بريجنسكي، يجب على السياسي الأمريكي أن يجرَّ الرأي العام معه عندما يكون المجتمع لا يزال متردداً. لذا، تكتسب كل حادثةٍ غامضة، وكل ضربةٍ صادمة، وكل روايةٍ عاطفية فورية، قيمةً سياسيةً مضاعفة. لأن المعركة ليست في الميدان فحسب؛ بل في: مَن يستطيع إقناع الرأي العام بأننا بحاجة لرفع مستوى الحرب درجةً أخرى؟.

النتيجة واضحة:

"«الراية الكاذبة» ليست مجرد عملية سرية؛ بل هي تقنية لصناعة «إدراك التهديد»".

في عصر حروب الروايات، ساحة المعركة الأولى هي عقل الإنسان. تُغزى العقول أولاً، ثم تُغزى الميادين.

وربما يكون هذا هو الدرس الأهم:

"الحروب لا تبدأ دائماً بالصواريخ؛ بل تبدأ أحياناً بصورة، أو اتهام، أو كذبة، أو بعمليةٍ تحت «راية كاذبة» تهدف إلى إقناع الشعوب بأن الحرب هي الخيار الوحيد المتبقي".

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة