تُعدّ هضبة إيران مهد أقدم الحضارات في العالم. وقد أثارت الحضارة العيلامية، والمدينة المحروقة، وحضارة طريق الحرير، وغيرها الكثير، اهتمام عشاق التاريخ والثقافة بإيران.
في الحلقة السابقة ومن خلال كلمات الرحالة اليونانية صوفيا أكوتلاكي تحدثنا عن العائلة والأصدقاء ودائرة الأرحام بين الإيرانيين.
تابعونا لنتعرف على كمية الحياة مقارنة بجودتها، ومكانة وأهمية التسلسل الهرمي في المجتمع الإيراني، وثقافة الهيبة والشرف بين الإيرانيين في هذه الحلقة وهي الثالثة من بودكاست "بين الإيرانيين".
لقد ذكرت صوفيا أكوتلاكي بعض النقاط المثيرة للاهتمام في كتابها حول هذه المسائل سنتعرف على بعض كلماتها عن الثقافة الإيرانية.
تلعب مكانة الأسرة وأهميتها دورًا بالغ الأهمية في سلوك الإيرانيين وقراراتهم. إذ تؤثر العلاقات الشخصية على حياتهم اليومية، وعادةً ما تؤثر أيضًا على عمل الفرد وحياته المهنية. على سبيل المثال، قد يدفع مرض أحد أفراد الأسرة أو انشغاله بعمل عاجل أفراد الأسرة الآخرين إلى إلغاء مواعيد العمل، أو يتسبب في تفويت الشخص لاجتماعه الخاص، مما قد يؤدي إلى اعتذاره. لكن النقطة المهمة هنا هي تفهم الطرف الآخر وتعاطفه في هذه الحالات. ويتجلى هذا التفهم والتعاطف أيضًا بين الزوجين في الأمور المتعلقة بالمنزل والأسرة.
ربما كانت مهام مثل الطبخ والاستحمام وتجهيز الأطفال للنوم تُعتبر من أعمال المرأة في الثقافة الإيرانية سابقًا، أما اليوم، فيقوم العديد من الرجال بالأعمال المنزلية في حياتهم المشتركة، ويشاركون في أمور تتعلق برعاية الأطفال.
من السمات البارزة الأخرى للأسر الإيرانية هي البساطة. لطالما حظيت البساطة، ولا تزال، بمكانة بالغة الأهمية في الثقافة الإيرانية، وقد أوصى بها الإسلام والثقافة الإيرانية على حد سواء.
البساطة مفيدة للنمو الروحي للأفراد، ولطالما حظيت بالدعم. اليوم، ومع دخولنا إلى العالم الحديث، قد لا يعيش الإيرانيون حياةً بسيطة كما كانوا في الماضي، ولكن هناك العديد من العائلات التي تعيش حياةً بسيطة رغم امتلاكها ثروةً طائلة.
فيما يتعلق بالثروة، تجدر الإشارة إلى أنها لطالما اعتُبرت هبةً من الله ووسيلةً لمساعدة الفقراء. العائلات الإيرانية رائدة في مساعدة أفرادها المحتاجين، ويمكن رؤية روح المساعدة والإيثار هذه في جوانب أوسع أيضًا. تُعد الأحداث الطبيعية والكوارث شائعةً جدًا في إيران، ودائمًا ما تكون مساعدة الايرانيين لاقرانهم وإخوانهم أكثر من المتوقع.
لنبتعد قليلاً عن العلاقات الشخصية ونتابع معًا إلى رأي السيدة صوفيا في التسلسل الهرمي بين الإيرانيين!
- للوهلة الأولى، تبدو الثقافة الإيرانية أكثر ميلًا إلى فارق في القوة و السلطة.
لكن إذا دققنا النظر، ندرك أن هذا التفاوت موجود في إيران إلى حد ما.
ماذا يعني الفارق في القوة ؟
بعد اكتساب الخبرات والتعلم في الأسرة والمدرسة يدخل معظم الناس الي سوق العمل وغالبًا في سن مبكرة.
تتمثل العلاقة بين الوالد والأولاد، والمعلم والطالب، في سياق دور الرئيس والمرؤوس، إذ ليس من المستغرب أن ينتقل سلوك الأفراد تجاه الكبار وخاصة الآباء والمعلمين، والذي يُعد جزءًا من برمجتنا العقلية، إلى نمط سلوكنا مع رؤسائنا و مدرينا أيضًا.
يتفاوت مستوى القوة أوالسلطة من شخص لاخر، فلا يكون الرؤساء والمرؤوسون متساوين وجوديًا. يستند نظام التصنيف إلى هذا التفاوت القائم. تُركّز المنظمات القوة ومدى السلطة في أيدي أشخاص محددين قدر الإمكان. وتُملي على المرؤوسين ما يجب عليهم فعله. يُعيَّن بعض الموظفين كمشرفين على امتداد التسلسل الهرمي الرأسي الذي يتسم باختيارات وصلاحيات متعددة، ليتبادلوا التقارير حول الأداء والنشاط.
هناك نوعان من العلاقات العملية والمعاملاتية:
الأول هو أن يقدم الرئيس مزايا ومكافآت لمرؤوسيه، ويطلب منه في المقابل تقديم منتجات أو خدمات. يقدم المرؤوسون خدمات لرؤسائهم ويحترمونهم.
أما النوع الثاني، وهو مختلف عن الأول، فهو الذي لا يوجد فيه فرق في المكانة والوضع، حيث يساعد ويدعم الطرفان بعضهما البعض دون الحاجة إلى أوامر أو طلبات. كلا النوعين من العلاقات يُقدَّر في الثقافة الإيرانية.
يُقر الإيرانيون بأن بعض أفراد الأسرة والفئات الاجتماعية يتمتعون بسلطة ذاتية، ولديهم نوع من فارق في القوة والسلطة، وبالتالي يُصدرون أوامر أكثر ويطالبون بالمزيد. في هذه الحالة، يكون لعمر الشخص أو معرفته تأثير كبير. ومع ذلك، يُوصي الإسلام بشدة بمراعاة التوافق والتشاور بين الأفراد والجماعات.
ويمكن ملاحظة الشيء نفسه في العلاقات بين الإيرانيين إذ تُعدّ المشاركة في صنع القرار في المجموعات الاجتماعية والأسر أمرًا إيجابيًا ومرغوبًا فيه. ويُعدّ إرضاء أعضاء المجموعة، أو على الأقل مراعاة آرائهم، شرطًا أساسيًا لصنع القرار.
وعادةً ما يكون الإيرانيون مستعدين للتعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم وانتقاداتهم ومقترحاتهم في المنزل أو المدرسة أو الجامعة أو العمل، وغالبًا ما يسعى صانعو القرار إلى اتخاذ قرارات تُراعي رضا غالبية الناس. كما يسعى أعضاء المجموعة إلى التحلي بالليونة والمرونة لتحقيق رغبات غالبية الناس.
إن أغلب الناس ينظرون إلى الهيبة من خلال مراعاة وضعهم الاجتماعي، والتصرف بما يتناسب مع وضعهم، وتجنب الأفعال التي تتعارض معه، وحتى القيام بمهام أكثر صعوبة من واجباتهم.
لكن الإيرانيين، بالإضافة إلى حماية مكانتهم، يهتمون أيضًا بمشاعر الآخرين ويساعدونهم على تعزيز مكانتهم، لأنهم يشعرون بالتعاطف معهم. قد يبدو أن النزعة الجماعية أفقدت هوية الفرد الإيراني بريقَها بين الجماعة والجمهور، إذ إن الهوية الفردية تنمو من خلال تنمية مواهب الفرد وقدراته وعلاقاته ضمن الدائرة الاجتماعية.
بهذه الطريقة، يصبح الفرد عضوًا فعالًا ومفيدًا في الجماعة. ولأن كل فرد يندمج في الجماعة ويمثل جماعته، فإن مسؤوليته في سلوكه وأفعاله بالغة الأهمية والحاسمة. الإيرانيون مسؤولون عن مصيرهم، ويتحملون مسؤولية تعزيز مكانتهم، بل وحتى مكانة الأسرة والجماعة التي ينتمون إليها.
ونتيجة لذلك، فإن خطر فقدان الصورة والسمعة أكبر من أي شيء آخر، لأن فقدان مكانة الفرد يؤثر سلبًا على مكانة الجماعة والأسرة وهذا أحد المبادئ المهمة للإيرانيين.
دعونا نلقي نظرة على الجانبين الرئيسيين للمكانة الإجتماعية في الثقافة الإيرانية.
الجانب الأول المتعلق بالمكانة هو أن شخصية كل شخص ترتبط أيضًا بسمعته، والتي تشمل الشخصية والطباع واحترام الذات والمكانة الاجتماعية. أما الجانب الآخر من الاحترام فيتعلق بكرامة الأفراد، والتي تشمل الاحترام والكرامة والكفاءة. بشكل عام، تتشكل شخصية الفرد وهويته نتيجة وعيه وتربيته. في المقابل، يتجلى الاحترام من خلال مبادئ الآداب والمجاملة والمبادئ الأخلاقية مثل تقديم اقتراح أو دعوة.
مع أن الشخصية ثابتة والاحترام متغير، إلا أن تمثيلهما يرتبط ارتباطًا وثيقًا ببعضهما البعض، لأن الناس يُظهرون شخصياتهم من خلال سلوكهم. على سبيل المثال، يتصرفون وفقًا لآداب اجتماعية معينة ويُظهرون قدرًا مناسبًا من الاحترام لجمهورهم. فمثلاً، نرى استخدامًا واسعًا لهذه المكانة في الإعلانات.
في هذه الإعلانات، يُوظَّف شعور الإيرانيين بالانتماء إلى الأسرة والمجتمع. نظراً لأهمية تعزيز الشخصية لدى الإيرانيين، تتجلى أهميته وفعاليته في تشجيعهم على مراعاة مبادئ السلامة والواجبات المدنية.
على سبيل المثال، في مترو الأنفاق بطهران العاصمة المزدحم للغاية خلال ساعات الذروة، تُعلق لافتة فوق المدخل كُتب عليها: عزيزي الراكب، بالصعود والنزول بالترتيب، تُظهر ثقافتك وشخصيتك الرفيعة. كما كُتب على ظهر الحافلات بين المدن أن تقديم الإقرار الضريبي في الوقت المحدد يُظهر شخصيتك الاجتماعية.
تضيف الرحالة اليونانية صوفيا أكوتلاكي:
"لاحظتُ أيضاً أهمية هذه القضية في إنتاج الرسوم المتحركة خلال زيارتي لإيران. على سبيل المثال، أُنتج فيلم كرتوني قصير حول موضوع القيادة الآمنة، يُظهر رجلاً متشككاً في منتصف العمر مع ابنته المُقبلة على الزواج.
في هذا الفيلم، يُطارد هذا الرجل وابنته سيارة العريس لفهم شخصيته بشكل أدق من خلال مُشاهدة قيادته. يدّعي الأب أنه يُمكن معرفة الكثير من الناس عبر مُشاهدة طريقة قيادتهم. إلا أن الأب نفسه لم يُحافظ على المسافة المسموحة والآمنة، فاصطدم بسيارة العريس عند إشارة مرور الحمراء. بينما ينزل العريس بهدوء وسكينة من السيارة لمعاينة الأضرار، يقول مازحا إنه لا بأس بها، وإن هذه الأمور تحدث أثناء القيادة.
مطاردة والد العروس للعريس، وعدم احترام والد العروس للقواعد، يُوحيان بأن القيادة المسؤولة وردود الفعل الهادئة لا تكشفان فقط عن شخصية العريس، بل تكشفان أيضًا عن شخصية السائق المُسنّ الذي خرج إلى الشارع ليتحقق مما إذا كان العريس يُخالف القواعد".
لو أردتُ أن أُحدّثكم قليلاً عن الأمور التي تُسيء إلى سمعة الإيرانيين، لقلتُ إن الإيراني يشعر بأن سمعته ومكانته في خطر عند الكشف عن أي معلومات سرية عن حياته الشخصية التي لا يُريد أن يعرفها أحد، أو عند تصرفه بطريقة لا تُناسب شخصيته أو عند عدم احترامه لسنه ومكانته الاجتماعية.
يعتقد الإيرانيون عمومًا أن أسلوب التربية فعال في غرس السلوكيات الحميدة، بينما تؤدي التربية المهينة إلى سحق شخصية الطفل مع مرور الوقت. ولتجنب هذه المشكلة وحماية الأطفال أو الشباب من هذه السلوكيات الشاذة، لا بد من معاملتهم باحترام وحسن التعامل معهم. كما أن منحهم المسؤولية ومعاملتهم باحترام سيجعلهم يعتبرون أنفسهم أفرادًا نافعين في المجتمع، وستنمو هويتهم الاجتماعية بما يمكنهم من اعتبار أنفسهم أفرادًا نافعين فيه.
ومن القضايا الأخرى المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفقدان السمعة والشرف في الثقافة الإيرانية، والتي يحرمها الإسلام تحريمًا قاطعًا، الغيبة.
ففي القرآن الكريم، تُعتبر الغيبة كأكل لحم أخيك ميتًا، ويقول الله تعالى في هذا الشأن: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُم أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرْهَتْهُمْوه﴾. لذلك، يحاول الإيرانيون تجنب الغيبة، والتحدث بسوء عن الآخرين في غيابهم.
بشكل عام، قد يفقد الإيرانيون سمعتهم عند كشف سر أو نشر حقيقة سلبية عن شخص أو جهة ما بين الناس. إن الحفاظ على المظهر، وكتمان الأسرار، وعدم الإفصاح عن معلومات تسيء إلى مكانة الشخص أمام العامة، كلها جزء من مكانة الأفراد وجماعاتهم. لهذه الأمور تأثير كبير على سلوك الإيرانيين وأخلاقهم وعلاقاتهم.
حسنًا، أصدقائي الأعزاء، هكذا نختم الحلقة الرابعة من بودكاست "بين الإيرانيين"، والذي تناول موضوع "الحياة بين الكمية والجودة"، التسلسل الهرمي، المساواة، وثقافة الاحترام والتقدير في إيران.
في الحلقة القادمة، سنتحدث عن العلاقات الرسمية وغير الرسمية بين الإيرانيين من خلال كلمات الرحالة صوفيا أكوتلاكي.
يسعدنا أن نرافقكم في الحلقات القادمة، وإذا أعجبكم محتواه، شاركوه مع أصدقائكم.
شكرًا جزيلًا لدعمكم
وفي أمان الله