البث المباشر

رجل ذو ألف عام (18)

الثلاثاء 9 يونيو 2026 - 15:23 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الثامنة عشرة- ابن سينا رجلٌ تُضيء شمعته للأبد، وتخترق ظلمات الجهل والفكر المُنحرف.

مرّ أكثر من عامين على مرض بو علي المُميت، وخلال هذه الفترة، تعافى من مرضه ونهض من فراشه. الآن، أصبح بإمكانه استقبال طلابه وأقاربه، والمشاركة في دروس ومناقشات قصيرة، وإنهاء كتبه ورسائله غير المُكتملة، لكنه لم يكن يملك القوة والطاقة الكافية لمواصلة العمل في إنشاء المرصد، ومساعدة وتوجيه أبي عبيد ومساعديه، والمشاركة في تركيب الأدوات والأجهزة التي صنعها لهذا العمل أو الإشراف عليها.

قبل عشر سنوات، بدأ ابن سينا ​​بناء هذا المرصد بناءً على طلب علاء الدولة. لما رأى علاء الدولة أن التقاويم المتداولة بين الناس غير دقيقة، وأن ذلك يُسبب فوضى في العمل، طلب من ابن سينا ​​حلّ هذه المشاكل بإنشاء مرصد وكتابة تقويم دقيق، ولتحقيق ذلك، قدّم نصف جزية همدان السنوية إلى بو علي.

احتاج بو علي إلى مساعد مجتهد ورياضي بارع للقيام بهذه المهمة الجليلة. ورأى أن أبو عبيد الجوزجاني وحده من يستطيع مساعدته في هذه المهمة. انطلق أبو عبيد، بتعليمات وتوجيه أستاذه أبو علي سينا، في العمل بحماس كبير، مستخدمًا أطروحات بو علي وزيج بطليموس وعلماء الفلك الإيرانيين الكبار في رصد النجوم، واستعان بعمال مهرة وحرفيين لبناء المرصد.

لكن سلسلة من الأحداث والوقائع حالت دون ذلك. كان من أهم هذه الأحداث حروب علاء الدولة مع قوات مسعود الغزنوي. كانت نتيجة هذه الحروب رحلات حاكم أصفهان المتوالية، الذي اصطحب معه شيخ الرئيس أبو علي سينا ​​في جميع هذه الرحلات والغزوات. وكان أبو عبيد دائمًا برفقة سيده، إلا في حالة واحدة. كان بور سينا، الذي رسم العديد من الخطط والخرائط وكتب الكتب والرسائل لإنشاء هذا المرصد، مستاءً للغاية من هذا التأخير وتوقف العمل.

ولأول مرة، ظهر أبو عبيد الجوزجاني وحيدًا ودون صحبة سيده في بلاط الأمير علاء الدولة الكاكويه ليُطلع الأمير على نتائج العمل وسبب توقف بناء المرصد. كان مكتئبًا للغاية ومشتاقًا إلى الوطن بسبب هذه الوحدة، وتذكر الأيام التي كان يتبع فيها سيده إلى البلاط ويحظى باحترام كبير لوجوده، أما الآن فقد جاء وحيدًا ودون أي ترحيب أو مراسم إلى قلب حديقة الملك الخاصة. كان أبو عبيد غارقًا في أفكاره حين جاء فجأة أحد أصدقاء علاء الدولة المقربين ليرحب به ويرافقه إلى الملك.

سأل علاء الدولة عن سبب مجيئه وحيدًا، فأخبره أبو عبيد بمرض أستاذه ومعاناته، وعن جهوده اليومية لإعادة كتابة الكتب التي ضاعت في هجوم مسعود الغزنوي. كان بور سينا ​​شديد التعلق بكتبه، وخاصة كتابيه العظيمين "الإنصاف" و"الحكمة المشرقية". قال:

"ما كتبته قبل هذا كان آراء وأفكارًا من الآخرين، جمعتها بترتيب ومنطق، لكن هذين الكتابين سيغيران أساس الحكمة والفلسفة. من هذين الكتابين، ستجد الأجيال القادمة استقلالية وحرية الفكر، فلا تكون مجرد تابعين ومقلدين للماضي".

تنهد علاء الدولة وسأل:

"ما الكتاب الذي يكتبه الآن؟".

أجاب أبو عبيد:

"إنه مشغول بإعادة كتابة كتابين يُدعى "النجاة" و"الإشارات"، وكلاهما مكتوب في مواضيع فلسفية وعلم الوجود وعلم النفس وعلم الكلام، وهما من بين الكتب التي نُهبت".

وبينما كان يضع الكتب واللفائف التي كان يحملها على منصة أمام علاء الدولة، تابع: كما يعلم الأمير العظيم، كان من مساوئ تلك الحروب والهروب تعطيل عمل المرصد، الذي لم يُكمل بعد، ومن أسباب حزن سيدنا وندمه هو عدم جدوى عمل المرصد.

هذه هي نفس الكتب والجداول والخرائط التي كُتبت في بداية العمل وأُوكلت إليّ. لقد كنت أعمل على هذا العمل لمدة ثماني سنوات. ثماني سنوات، قضيت معظمها في الحروب والأسفار، بصحبة السيد، وللأسف، لم تسمح لنا الحوادث والعقبات بإكمال عمل المرصد. والآن، أهدى شيخ الرئيس أبو علي سينا ​​هذه الجداول والخرائط للأمير العظيم لتكون دليلاً ومرشداً لمن استطاع إتمام هذا العمل بكرامة.

فكّر علاء الدولة وتمتم:

"لا أعرف أحداً غيره في هذا المجال. من المؤسف أن يبقى هذا البناء العظيم غير مكتمل وغير ذي فائدة، وإن لم يصل إلى أي مكان، فسيصبح قريباً ملجأً للصوص والمتمردين. لكن لو أُكمل هذا العمل، لكان بناءً عظيماً ومشهوراً، ولبقي خالداً باسم مرصد العلائي".

قال أبو عبيد، الذي وقف يستأذن بالعودة، بتواضع:

"أيها الأمير العظيم! كل بناء سيُهدم ويُنسى يوماً ما، ولكن ما دام اسم أبي علي سينا ​​باقياً في الدنيا، فسيبقى اسم الأمير علاء الدولة الكاكويه خالداً لحبه للعلم ونشره".

نهض علاء الدولة راضيًا، وبينما كان يرافق أبا عبيد بضع خطوات، قال: "واسمك يا أبو عبيد الجوزجاني، وهو اسم أبي علي سينا ​​دائمًا، سيبقى خالدًا".

قال أبو عبيد:

"أنا ظل هذه الشمس، والظل لا اسم له ولا عنوان".

في عام ٤٢٨ هـ، توجه علاء الدولة إلى همدان لطلب العون من القوات التركية والكردية التابعة لحاكم همدان لصد هجوم مسعود الغزنوي الذي كان يهدده باستمرار، ولتعزيز جيشه. في هذه الرحلة، كما في غيرها من الرحلات والغزوات، رافقه شيخ الرئيس أيضًا. ورغم التسهيلات الكافية ومراعاة حالة بو علي في الرحلة، لم يصل همدان بمفرده، بل أُحضر إلى المدينة في قافلة، ومتأخراً لعدة أيام.

عند وصوله إلى همدان، كانت حالة بو علي الصحية حرجة لدرجة أنه تخلى عن الدنيا. توقف عن العلاج، وظل يردد أن مدير المستشفى قد توقف عن العمل، وأن العلاج والشفاء لا جدوى منهما. أعتق جميع عبيده، وأعطى كل واحد منهم مالًا. وهب جزءًا من أملاكه للفقراء والمحتاجين، ورغم ضعفه، كان يختم القرآن كل ثلاثة أيام. من حين لآخر، أثناء الصلاة وتلاوة القرآن، كان يُسمع أنينه وتوبته.

بعد أسبوعين، انتشر خبر شفاء بو علي النسبي المفاجئ في المدينة، وأسعد أصدقاءه ومحبيه. ازدادت حركة الزيارة في منزل بو علي، لكن قلّما كان الناس يتحدثون إليه. كان يفكر كثيرًا ويتكلم قليلًا، ويرغب في الصمت والعزلة، لكن عندما التقى علاء الدولة، الذي سارع شخصيًا لزيارته والاطمئنان عليه، لم يتردد في التعبير عن شكره وامتنانه.

شكرٌ للملك الذي سانده وواساه لأكثر من أربعة عشر عامًا، ووفر له الأمن والراحة. وفي منتصف حديثه، ذكر بو علي الماضي الذي أحسن إليه وكرمه، وساعده على طريق العلم والمعرفة، وقال إن من نعم الله عليّ هم العلماء والشيوخ الذين أعانوني على طلب العلم والمعرفة، وأني أكرم ذكراهم.

نظر علاء الدولة إلى وجه بو علي سينا، فقال: "أضف إلى هذه النعمة دهاءك وذكاءك واجتهادك الدؤوب. من أتقن علوم عصره وهو في الثامنة عشرة من عمره؟".

وفي هذه الأثناء، وقعت عينا علاء الدولة على عدة كتب بجانب بو علي، فقال: "هل ألّفتَ كتابًا جديدًا؟!

يبدو أنك لم تزل تعمل منذ يومين أو ثلاثة أيام منذ أن استيقظت!". مدّ بو علي يده والتقط الكتب غير المُجلّدة، وكانت على شكل كراسات، وأجاب: "هناك ثلاثة أو أربعة كتب ورسائل كتبتها بالفارسية في أصفهان بناءً على طلب الأمير المحب للعلم. في هذين اليومين أو الثلاثة من حياتي، حاولتُ فصل كل منها وترتيبها، وأنا سعيدٌ لأنني نجحتُ في هذه المهمة بعون الله. رسالة المعراج، والعلم الأول والأسمى، وكتاب القيامة (المبدأ والمعاد)، وكتاب علم الأوعية".

بعد أيام قليلة من هذا الشفاء المفاجئ والمعجز، دعا بو علي أخاه محمود وتلميذه أبو عبيد، وقال لهما: "أغلقا باب المنزل ولا تستقبلا أحدًا. أعطيا كل ما لديّ اليوم من ذهب وفضة وثياب وأشياء أخرى للفقراء والمحتاجين، ولا تتركا شيئًا ليوم آخر. غدًا هو بداية شهر الصيام؛ أريد أن أصوم صيامًا مُقتصدًا... جزاكم الله خيرًا أيها الرفاق الشرفاء... ما أصعب وداعكم، ولكن عليكم بالصبر!

ولما خرج محمود وأبو عبيد من عند بورسينا، كانا يبكيان بكاءً لا يُطاق، ولا يكادان يُمسكان عن الأنين والتأوه. كانا يعلمان أن بو علي يتحدث عن موته، لكن كلماته كانت مُطمئنة، ووجهه مُنيراً و مُشرقًا.

استعانا بقاضي المدينة في تنفيذ طلب بو علي. فحدد القاضي قيمة ممتلكات أبو علي سينا، ووزعها على الفقراء والمساكين من دفتر بيت المال والصدقات، الذي كُتبت فيه أسماء الفقراء ومقدار ما يستحقه كل فرد. وقبل أن يُؤذن الظهر، أصبح منزل الشيخ الرئيس أبو علي سينا ​​نظيفًا طاهرًا كالمسجد، خاليًا من أي زينة أو زخارف، لا يُرى فيه إلا حصيرة بالية وثلاثة أسرّة لا قيمة لها.

قضى محمود وأبو عبيد ذلك اليوم والليلة كلها في الذكر والصلاة والدعاء. كانا يستعدان للصيام، لكن قلقهما واضطرابهما كانا يزدادان في كل لحظة. أخيرًا، طلع الفجر، فنادى أبو علي رفاقه المحزونين وقال: "إن استطعتم، فأحضروا بعض الماء والخبز وجذوة نار لأشعل الشمعة". حمل محمود وأبو عبيد الماء والخبز والتمر الذي أعدّوه إلى الغرفة بسرعة، وأعطوه ولاعة ليشعل الشمعة بنفسه. في ضوء الشمعة الخافت، ارتسمت على وجه أبو علي طمأنينة الحياة وفرحها، وما لم يُرَ قط كان علامة الموت.

امتلأ قلب هذين الرفيقين الدائمين بالفرح والأمل، وأملوا مجددًا بحياته وصحته. ومع ذلك، حتى صلاة الفجر، كانا يريان ظله يصلي على ضوء الشمعة على الحائط من خلال الباب المفتوح.

تدريجيًا، غلب عليهما طمأنينة البال والتعب وسهر الأيام. وناموا خلف باب الغرفة، وكان نومًا قصيراً وخفيفًا. كانت الشمس قد أشرقت لتوها من وراء سلسلة الجبال الشرقية عندما استيقظوا.

أولًا، نظر أبو عبيد إلى الغرفة من الباب المفتوح، لكنه لم يرَ شيئًا سوى الشمعة التي كانت لا تزال مضاءة. نادى محمودًا وقال: "لا أرى شيئًا. ربما نام الشيخ". لا أملك شجاعة لفتح الباب... فأنت أخوه في النهاية..."

نهض محمود وفتح الباب ببطء وحذر، ودخلا الغرفة كلاهما خائفين وقلقين. كانت الشمعة التي أشعلها بورسينا قبل ساعة لا تزال بجانب سريره تتلألأ، لكن شمعة حياة شيخ الرئيس، شرف الملك، حجة الحق، إمام الحكمة، أبو علي، الحسين بن عبد الله ابن سينا" قد انطفأت فجر الجمعة، أول أيام رمضان عام ٤٢٨ هـ.

شمعة وجوده، التي أضاءت ثمانية وخمسين عامًا عند قدم الشمعة التي أشعلها بنفسه، انطفأت إلى الأبد، لكن الشموع والمصابيح التي أشعلها في حياته المزدحمة ووضعها أمام أقدام العالم استمرت في التألق، تخترق ظلمات الجهل والفكر الخاطئ. نعم... إنه... شمعة لا تنطفئ أبدًا.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة