إذا كان معيار الديمقراطية هو أصوات الشعب، فلماذا يصافح الغرب الدكتاتوريين ويحارب الحكومات التي يتم التصويت عليها بصورة مستقلة؟.
لم تعد الديمقراطية في الخطاب الغربي السائد مقتصرة على معناها البسيط والكلاسيكي المتمثل في "سيادة الشعب على مصيره".
فقد أصبح هذا المفهوم بشكل عملي، نموذجا انتقائيا يستمد شرعيته لا من أصوات الشعب، بل من مدى توافقه مع النظام السياسي والاقتصادي المهيمن.
في هذا الإطار، لا تُعدّ الديمقراطية مبدأً ثابتاً، بل هو مفهوم مرن يُمكن إعلان صحته أو بطلانه تبعا لنتيجة الانتخابات.
لفهم هذا المنطق، لسنا بحاجة إلى اللجوء إلى تحليلات معقدة؛ يكفي النظر إلى معاملة الغرب لحلفائه.
في مصر، وصل عبد الفتاح السيسي إلى السلطة بانقلاب عسكري. أصبحت الانتخابات عديمة الجدوى تقريبا، أُغلقت وسائل الإعلام، وسُجن آلاف المعارضين السياسيين.
ومع ذلك، لم يُعترف بهذا الوضع على أنه انتهاك للديمقراطية فحسب، بل أصبحت مصر أحد الشركاء الرئيسيين لواشنطن.
استمر الدعم العسكري، ووُصف السيسي في الأدبيات الغربية الرسمية بأنه "عامل الاستقرار".
هنا، لم يكن التصويت الشعبي هو القضية، بل الولاء السياسي والأمني.
عندما نقارن هذا النمط بأمثلة أخرى، تتضح الصورة أكثر.
ففي دول مثل فنزويلا، تُجرى الانتخابات بمشاركة شعبية، ولكن بما أن النتيجة لا تتماشى مع المسار الذي يرغب فيه الغرب، يُفقد التصويت الشعبي مصداقيته سريعا.
تحل العقوبات، الضغوط السياسية ومحاولات تغيير الحكومة محل "احترام اختيار الشعب".
الرسالة واضحة:
"يُحترم تصويت الشعب بقدر ما يمكن التحكم في نتيجته. هذا السلوك ليس عشوائيا أو عرضيا".
فالديمقراطية الغربية، في تعريفها الحديث، ابتعدت عن العدالة الاجتماعية ومسؤولية السيادة، وأصبحت مرتبطة بالحقوق الفردية، السوق الحرة والحكومة المحدودة.
في مثل هذا النمط، يُفضّل الاستقرار المتوافق مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية على الإرادة الحقيقية للشعب. ولا يُقبل تصويت الأغلبية إلا بقدر ما لا يُشكّل تحديا للقوى العظمى.
عندما يمكن للدكتاتوريين الخاضعين أن يصبحوا شركاء شرعيين، وتُصبح الحكومات التي تختار مسارا مستقلا عامل تهديد حتى مع أصوات الشعب،
يتضح أن القضية الأساسية ليست "السيادة الشعبية". القضية، هي السيطرة على النتيجة.
وفي مثل هذه الحالة، لم تعد الديمقراطية حقا عاما، بل هي وسيلة لإضفاء الشرعية على نظام تم تخطيطه مسبقا.
والسؤال الذي يطرح هنا هو:
"إذا كان اختيار الشعب لا يكون معتمدا إلا عندما يكون قابلا للتنبؤ به مسبقا، فهل يُمكن تسميته الديمقراطية"؟.