البث المباشر

إستحباب الجزع على مصاب الحسين عليه السلام

الأربعاء 29 مايو 2019 - 14:13 بتوقيت طهران

أأسبلتَ دمع العين بالعبرات

وبت تقاسي شدة الزفرات؟!

وتبكي لآثار لآل محمد

فقد ضاق منك الصدر بالحسرات

ألا فابكهم حقاً وبلّ عليهم

عيوناً، لريب الدهر منسكبات

ولا تنس في يوم الطفوف مصابهم

وداهية من أعظم النكبات

سقى الله أجداثاً على أرض كربلا

مرابيع أمطار من المزنات

وصلى على روح الحسين حبيبه

قتيلاً لدى النهرين بالفلوات

إخوتنا الأعزة المؤمنين.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن قضية الإمام الحسين عليه السلام قضية خاصة في الإسلام، لم تشبهها أية قضية أخرى، فهي ملحمة مفجعة ومعركة حاسمة، إنتصر فيها الدين في مقطع زماني خطير، فكانت التضحيات الجسيمة للإمام أبي عبد الله عليه السلام، إنقاذاً لشرعة الحق وإيقاظاً للأمة من حالاتها الهابطة بل الساقطة، وكانت رفعةً للإسلام الحنيف بعد أن كاد بنو أمية أن يشوهوه ويحرفوه، ويحرفوا الناس عن طريقه ويمسخوهم ويرتدوا بهم إلى الجاهلية الأولى.
وفي هذا المفصل التاريخي الحساس، كان الإسلام يحتاج إلى مهج غيورة وإلى دماء شهداء ساخنة وإلى نفوس فداء شجاعة.. فقام لله سبط رسول الله، وهو الأجدر لذلك، وتقدم ليصدع بكلمات الحق ناصحاً، حتى إذا أبوا إلّا قتاله وقتله، رأوا منه ما أذهلهم وانتصر عليهم انتصار عزة وشرف وعقيدة ومبدأ إلهي شامخ لا يتنازل.. ومن هنا بلغنا الإسلام من جديد، ومن هنا فهم البعض قول رسول الله صلى الله عليه وآله: "حسين مني وأنا من حسين"... فحق لكل مؤمن بعد ذلك أن يفتخر أنه يحب الحسين ويوالي الحسين، كما يحق له أن يحزن على الحسين، فليس مثل ظليمته ظليمة وليس مثل مصيبته مصيبة عظيمة.
روى الشيخ الكليني أعلى الله مقامه في (الكافي) الشريف، أن الإمام الصادق عليه السلام سأل أحد أصحابه وهو مسمع بن عبد الملك: "يا مسمع، أفما تذكر ما صنع به؟! " أي بالإمام الحسين صلوات الله عليه، قال: قلت بلى، قال عليه السلام: (فتجزع؟!) قلت اي والله، وأستعبر لذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك علي، فأمتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي. فقال عليه السلام: "رحم الله دمعتك، أما إنك من الذين يعدون في أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويأمنون إذا أمنا".
كما روي عن إمامنا الصادق – صلوات الله عليه – أن الجزع مكروه إلا على الحسين – عليه السلام – فما هو السر في ذلك، أي أن يتحول الجزع على المصاب والمكروه شرعاً إلى أمر مستحب تدعونا الأحاديث الشريفة له؟
أعزائي الكرام نستمع معاً لما يقوله في الإجابة عن هذا السؤال الباحث الاسلامي فضيلة الشيخ حسن التريكي من لندن
التريكي: بسم الله الرحمن الرحيم عظم الله أجورنا وأجوركم بمصاب مولانا الامام الحسين عليه السلام. هذا الحديث الشريف الوارد عن الامام الصادق عليه السلام يدخل تحت عناوين أن لبعض الأمور أحكام تعم كل الأفراد في هذا الحكم إلا ما خرج بدليل، ومن هذه الأمور الجزع في المصيبة على المصيبة وعلى الميت يتراوح بين الحرمة والكراهة فالانسان اذا مات له عزيز هناك امور محرمة تحرم على الانسان أن يقوم بها جزعاً على فقد هذا العزيز وهناك امور مكروهة ولكن المكروهات في الجزع على فقد الانسان العزيز تستثنى في قضية الامام الحسين عليه السلام إنطلاقاً من هذا الحديث الشريف حيث أن المصيبة التي حلت بالأمة الاسلامية بل حلت على البشرية بإنتهاك الحرمة من الامام الحسين عليه السلام لاتقابلها ولاتماثلها مصيبة عبر التاريخ. فالمصيبة التي حدثت على الامام الحسين عليه السلام هي مصيبة حلت على الانسانية وعلى البشرية. هذا الامام العظيم الامام الحسين عليه السلام هو الذي يمثل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في وقته وهو مصداق حديث النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم "حسين مني وأنا من حسين" هذا الامام العظيم كان يدافع عن انسانية الانسان وعن حقوق الانسان في كل زمان ومكان، كان يريد للإنسان الكرامة والعزة والحرية والعدالة وضحى هذه التضحية منقطعة النظير من أجل هذه المبادئ والقيم الانسانية التي ينشدها كل انسان في العالم. لهذا جاز أن يذكر الامام الصادق عليه السلام هذا المعنى بأن الجزع اذا كان مكروهاً على الانسان وعلى الميت والعزيز الذي نفقده فإنه لايكره على الامام الحسين عليه السلام لأن القيم التي ضحى من أجلها الامام الحسين هي قيم انسانية عالية والتضحية التي ضحاها الامام الحسين عليه السلام هي تضحية لاتماثلها تضحية عبر التاريخ البشري لهذا جاز للانسان أن يبكي الامام الحسين عليه السلام ويجزع للامام الحسين عليه السلام لما قدمه الامام الحسين من تضحية للانسانية. لهذا ورد في بعض الزيارات وبعض الأحاديث الواردة عن الأئمة عليهم السلام "على مثل الحسين فليبكي الباكون ولتذرف الدموع". هذه التضحية التي ضحى بها الامام الحسين عليه السلام لايسمع بها انسان حر حتى من غير المسلمين إلا وتأثر ودمعت عيناه وبكى لمصاب الامام الحسين عليه السلام وأدرك أن ماقام به الامام الحسين عليه السلام لايختص بمذهب او ملة او فريق معين وإنما ما قام به الامام الحسين عليه السلام هو تضحية من أجل كل البشرية ويحق للبشرية أن تحزن لمصابه وتجزع لما حدث عليه من إنتهاك لحرمته وقتل لأولاده وإخوانه وأصحابه وسبي لنساءه وذراريه وهذا الذي يبين أهمية الموقف الذي وقفه الامام الحسين والتضحية التي ضحاها الامام الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
كانت هذه مستمعينا الأفاضل توضيحات ضيف حلقة اليوم من برنامجكم الحسين في الوجدان فضيلة الشيخ حسن التريكي فشكراً له وشكراً لكم على طيب المتابعة لهذا البرنامج نواصل تقديمه من اذاعة طهران صوت الجمهورية الاسلامية في ايران.

أيها الإخوة الأحبة، كان أهل البيت (عليهم السلام) يباركون أحزان الموالين على الحسين الشهيد، ويشجعون على التفجع بالبكاء وإقامة مجالس العزاء وقراءة أدب الرثاء ويؤكدون للراثين أن يذكروا للناس ما جرى على أهل بيت النبوة من الظلم والقتل والحبس والتشريد، ودس السموم والتضييق وأنواع الإيذاء والتنكيل بالأسر والإحضار والنفي.
وأما قصة كربلاء، فهي – أيها الإخوة الأكارم – لوحة خاصة تجلس عندها الأجيال لتنظر إليها بعيون دامعة، ومآتم كئيبة، وذلك ما حققه أهل البيت عليهم السلام، ودعوا إليه وندبوا إليه وشجعوا عليه تحت عناوين متعددة، منها: "رحم الله من أحيا أمرنا" وقد عقدوا لسيد الشهداء صلوات الله عليه مآتم، خاصةً أيام عاشوراء وفي أوقات أخر، إحياءً لذكر الحسين وبياناً لما جرى وتحقق وتعظيماً لشعائر الإسلام.
وقد أقام الإمام علي بن الحسين عليه السلام طوال حياته الشريفة بعد شهادة أبيه عشرات المآتم والمجالس على تلك المصيبة الفاجعة، وكان هو المشوق والمحرض لذلك.. وقد أورد التاريخ روايات كثيرة في ذلك.
إخوتنا الأفاضل، بعد خطبه الحزينة المعرفة وعودته من أسر الشام وآلامه، دعا الإمام السجاد علي بن الحسين بشر بن حذلم قائلاً له: "يا بشر، رحم الله أباك، لقد كان شاعراً، فهل تقدر على شيء منه؟" قال: بلى يا ابن رسول الله، إني لشاعر. فقال عليه السلام له:"فادخل المدينة وانع أبا عبدالله".
وكان الإمام السجاد قد حط رحله على مشارف المدينة، وضرب فسطاطه هناك وأنزل العيال حتى يتهيأ دخولهم بعد مأتم عظيم يرويه بشر قائلاً: فركبت فرسي، وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي صلى الله عليه وآله، رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

قتل الحسين فأدمعي مدرار

ألجسم منه بكربلاء مضرج

والرأس منه على القناة يدار


ثم قلت: هذا علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم أعرفكم مكانه. قال: فما بقيت بالمدينة مخدرة إلا برزن من خدورهن، ضاربات خدودهن، فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم، ولا يوماً أمر على المسلمين منه، فتركوني وبادروا. ثم دخل علي بن الحسين عليه السلام يمسح دموعه وهو لا يتمالك عبرته، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء وحنين النساء، والناس من كل ناحية يعزونه، فضجت تلك البقعة ضجة شديدة، ووضع للإمام كرسي فجلس، ثم أومأ بيده أن اسكتوا، فسكنت فورتهم فخطب خطبة عظيمة جاء فيها:
"الحمد لله رب العالمين، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور وألم الفجائع ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء وعظيم المصائب الفاظعة الفادحة الجائحة.. أيها الناس! إن الله – وله الحمد – إبتلانا بمصائب جليلة وثلمة في الإسلام عظيمة، قتل أبوعبدالله عليه السلام وعترته، وسبي نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عالي السنان، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية! أيها الناس! أي قلب لا يتصدع لقتله؟! أم أي فؤاد لا يحن إليه؟! أم أي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ولا يصم؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أعظمها وأفجعها وأكظها وأفظعها وأمضها وأمرها وأفدحها! فعند الله نحتسب فيما أصابنا وما بلغ بنا ،إنه عزيز ذوانتقام".
أجل.. أيها الإخوة الكرام، هكذا شرعت سنة المأتم الحسيني بعد الشهادة، ثم تواصلت في بيوت الأئمة الهداة، وواصلها الحسينيون المخلصون، ونحن نواصلها إن شاء الله تعالى لنبقى في الدنيا ونبعث في الآخرة مع الحسين.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة