البث المباشر

الثالث عشر من رمضان

الثلاثاء 31 ديسمبر 2019 - 08:24 بتوقيت طهران
الثالث عشر من رمضان

إذاعة طهران- وقايع رمضانية: الحلقة 1

قلنا فيما سبق يا اعزائنا ان شهر رمضان على ما يحمل من معاني معنوية سامية بل فيه كل هذه المعاني، ويحبذ فيه التفرغ لعبادة الله سبحانه وتعالى، لكن مع ذلك ينبغي للمسلم الذي يقتفي خطى محمد وآل محمد صلوات الله عليهم ان لا يتصور ان هذا الشهر مقتصر على عبادة الصلاة والدعاء والصوم وتلاوة القرآن الكريم فقط، وترك باقي امور الامة والحياة على حبل غاربها فهذا تصور خاطئ ولا يحمل شيئا من مفاهيم الاسلام. ولذلك نرى في هذا الشهر المبارك، حدثت وقائع مهمة جداً على مستوى خطير وحساس جداً ينبغي ان نتتبعها من اجل مواصلة طريق ذات الشوكة، وطريق البناء والسلم، وردع العدوان والمعتدين كل حسب موقعه وحسب التعاليم التي رسمها لنا النبي والائمة المعصومون من ولده عليهم السلام.
فيما سبق كنا قد ذكرنا في وقائع اليوم الثالث عشر من رمضان دخول الامام علي الهادي (عليه السلام)، وهو الامام العاشر من ائمة اهل البيت ال مدينة سامراء، عنوة وقسرا من المدينة المنورة بأمر المتوكل العباسي الذي كان يحقد حقدا بالغا على ذرية الرسول وآله عليهم السلام ومحاولاته الفاشلة معروفة في طمس ودرس اثر قبر الامام الحسين عليه السلام، وكانت آخر حياته ان قتله ولده المستنصر طمعا في السلطة ولكن بحجة انه سبّ السيدة فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) فاصبح قتله واجبا. وقد اخبره الامام الهادي بقصر عمره اذا قتل اباه رغم استحقاقه وقد وجدنا ان هناك بعض المؤرخين ذكروا تاريخ ورود الامام الهادي عليه السلام الى سامراء هو في اليوم الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك.
عاصر الامام الهادي عليه السلام ستة ملوك من بني العباس، وهم المعتصم والواثق والمتوكل والمستنصر والمستعين والمعتز وكانت ايامه ايام عُسر وشدة وضيق منهم (اي الملوك الستة)، وسُعي به يوما الى المتوكل فأحضره الى سامراء وابقياه فيها (بما يشبه ما يسمى اليوم بالاقامة الجبرية) خوفا على ملكه منه لما رأى ميل الناس اليه لفضله وعلمه وكان المتوكل شديدا على آل ابي طالب.
وكان الامام الهادي عليه السلام افضل اهل زمانه واعلمهم، وكانت مدة امامته عليه السلام 33 سنة يضاف الى ذلك سنوات اقامته مع والده عليه السلام، وهي ست سنين ونصف السنة فيكون عمره الشريف يوم استشهد بالسّم 40 او 41 سنة في سنة 254 للهجرة.
كان من شدة بغض المتوكل لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وللامام الهادي عليه السلام، ان انزله حين قدومه الى سامراء في دار الصعاليك نكاية به، وايغالا في بغضه ظنا منه ان ذلك ينتقص من شأن الامام عليه السلام.
ومن طريف ما نقل التاريخ ان المتوكل امر في ليلة من الليالي وقد اخذ منه السُّكر مأخذاً، أمر ان ياتوه بالامام الهادي نصف الليل على الحالة التي يحدونه عليها ويفتشوا بيته خشية ان يوجد فيه سلاح لقلب نظام الحكم، فدخلوا على الامام على حين غفلة، ووجدوه متوجها الى الله تعالى يتلو آيات من الكتاب الحكيم ولم يجدوا اي شيء غير الحصى والرمل الذي كان يجلس عليهما الامام وعليه مدرعة صوف، فأُخِذ اليه واُدخل على المتوكل العباسي الذي جلس على مائدة الشراب وقد ثمل من شدة السكر.
فما كان من المتوكل الا ان قدم كأس الشراب للامام فقال عليه السلام: والله ما يخامر لحمي ودمي قط فاعفني فأعفاه.
فقال: أنشدني شعراً.
فقال عليه السلام: اني قليل الرواية للشعر فقال المتوتكل: لابد من ذلك، فأنشده الامام عليه السلام هذه الابيات المعروفة:

باتوا على قُلَلِ الاجبال تحرسُهُم

غُلْبُ الرجالِ فلم تنعهُمُ القُلَلُ

واستنزلوا بعد عِزٍّ عن معاقلهم

واُسكنوال حُفراً يا بِئٍٍٍْس ما نزلوا

ناداهُم صارخٌ من بَعْدِ دفنهم

اين الاسرّة والتيجان والحُلَلُ

اين الوجوهُ التي كانت منعّمةَ

من دونها تُضرَبُ الاستارُ والكُلَلُ

فأصبح القبرُ عنهم حين ساءلهم

تلك الوجوهُ عليها الدودُ يقتتلُ

قد طالما أكلوا دهراً وقد شربوا

فأصبحوا اليوم بعد الاكل قد اُكِلوا

وطالما عمّروا دوراً لِتُسكِنَهم

ففارقوا الدور والاهلين وانتقلوا

وطالما كنزوا الاموال وادّخروا

ففرّقوها على الاعداء وارتحلوا

واضحت منازلهم قَفْراً معطّلة

وساكنوها الى الاجداث قد نزلوا

فبكى المتوكل حتى بلّت لحيته دموع عينيه، وبكى الحاضرون وردّ الامام الى منزله مكرّماً.
من طريف ما يقال: ما اشبه الليلة بالبارحة، لايخفى ان الشيخ ابا عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد قد انتهت اليه رئاسة الامامية وثنيت له الوسادة وذلك في القرن الرابع الهجري، وكان يتردد عليه كبار علماء المذاهب الاسلامية الاخرى، الا ان اعداء الدين وخصماء الحقيقة والمتحجرين كانوا يغلون حقدا على الشيخ المفيد وطائفته لمكانته ونفوذ كلمته عند المذاهب فكانوا يفتعلون بين فترة واخرى اضطرابات وفتن طائفية ليبرروا اعمالهم بالقتل والنهب وكانوا يلجأون الى غطاء السياسة الجائرة التي كانت متسلطة على بغداد آنذاك لتدعمهم وتقف الى جانبهم. وكانت حصيلة هذه الاعمال الارهابية نفي الشيخ المفيد رحمه الله من بغداد ووضعه في منفاه تحت الاقامة الجبرية، حصل ذلك لاول مرة في الثالث والعشرين من شهر رمضان عام 393هـ حيث اُخرج الشيخ المفيد من بغداد عنوة ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان، وتكرر هذا العمل التعسفي الارهابي بعد خمس سنوات في رجب عام 389 للهجرة فما أشبه الليلة بالبارحة.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة