همسات في شغاف القلب- الاحسان الى الناس

الأحد 10 نوفمبر 2019 - 09:58 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- همسات في شغاف القلب: الحلقة 28

الحمد لله المحسن المجمل، المنعم المفضل، والصلاة والسلام على المصطفى الهادي الامين، وعلى آله الميامين.
ايها الاخوة المستمعون الاكارم... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم في هذا اللقاء الطيب معكم، وحديث آخر يدور حول «الاحسان» الذي يعبر عن الانسانية‌ والايمان معاً، وعن مستوىً رفيع من الاخلاق الفاضلة يقول امير المومنين علي (عليه السلام): الاحسان غريزة الاخيار. الاحسان محبة. افضل الايمان، الاحسان. رأس الايمان، الاحسان الى الناس، أجل فان الله تبارك وتعالى أمر بهذه الخصلة الطيبة، لتسود المحبة والوئام في المجتمع، فقال جل وعلا: «ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى...» (سورة النحل، ۹۰).
فاذا كان العدل هو الانصاف، فالاحسان هو التفضل، وقد خاطب الله عزوجل نبيه الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً له: «قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم، للذين احسنوا في هذه الدنيا حسنة..» (الزمر، ۱۰).
ويكفي المحسن شرفاً وفخراً ان الله تعالى معه، وانه سبحانه يحبه... وهو القائل عز من قائل: «ان الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون» (النحل، ۱۲۸)، «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وان الله لمع المحسنين». (العنكبوت، ٦۹) «واحسنوا ان الله يحب المحسنين» (سورة البقرة، ۱۹٥).
والى هذا التكريم، فان المحسن مثاب، لأن احسانه يعود عليه بالخير، في الدنيا والآخرة، فالله تعالى يقول: «ان احسنتم احسنتم لأنفسكم» (الاسراء، ۷) ويقول امير المومنين (عليه السلام): «انك ان احسنت فنفسك تكرم، واليها تحسن»، .. يروى ان رجلاً جاء الى الامام علي (عليه السلام) فقال له: يا أمير المومنين، ان لي اليك حاجة، قال: اكتبها في الأرض، فاني أرى الضر فيك بيناً. فكتب في الأرض: انا فقير محتاج. فقال الامام علي (عليه السلام) لقنبر خادمه: يا قنبر، اكسه حلتين، فأنشأ الفقير يقول:

كسوتني حلةً تبلى محاسنها

فسوف اكسوك من حسن الثنا حللا

ان نلت حسن ثنائي نلت مكرمةً

ولست تبغي بما قد نلته بدلا

ان الثناء ليحيي ذكر صاحبه

كالغيث يحيي نداه السهل والجبلا

لا تزهد الدهر في عرف بدأت به

فكل عبد سيجزى بالذي فعلا

فقال (عليه السلام): أعطوه مئة دينار، فقيل: يا أمير المومنين، لقد أغنيته، فقال: اني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنزل الناس منازلهم. ثم قال (عليه السلام): «اني لأعجب من أقوام يشترون المماليك بأموالهم، ولا يشترون الاحرار بمعروفهم!».
وقد يسهل الاحسان في موارد ومواضع - ايها الاخوة الافاضل- ولكنه يصعب احياناً، لا سيما مع المسيء، فالنبي (صلى الله عليه وآله) يأمر قائلاً: «احسن الى من أساء اليك»، ولعل ذلك يثقل على كثير من النفوس، لكن المرء اذا ارتقى ايمانه، وآثر طاعة الله ورسوله على طاعة نوازع نفسه، وعرف فضيلة ذلك الاحسان، قدم عليه بطيب قلب ونال خيرا... تعالوا - اخوتنا الاعزة- نتأمل في كلمات الامام علي (عليه السلام) هذه، حيث يقول: «الاحسان الى المسيء، يستصلح العدو. اجعل جزاء النعمة عليك، الاحسان الى من أساء اليك. احسن الى المسيء تملكه. لا يجوز الغفران، الا من قابل الاساءة بالاحسان».
اجل ... فكلنا نحتاج الى احسان الله تعالى علينا، وهذا انما يتأتى اذا احسنا الى الآخرين، ارحم من في الارض يرحمك من في السماء، وفي كتاب الله العزيز: «احسن كما أحسن الله اليك» (القصص، ۷۷)، فالله «جل وعلا» من اخلاقه العظمى: الاحسان، ابتداءً وانتهاءً، حيث جاء بنا الى الوجود ولم نكن شيئاً مذكوراً، وذلك منه تعالى تكريم، ثم خلق لنا العقل والحواس، وخلقنا في احسن تقويم، وبعث لنا انبياءه ورسله، وانزل لنا كتبه وصحفه، ودعانا الى هدايته ورحمته، ثم رغبنا في نعيمه وجنته... فلنتعلم هذا الخلق الالهي، وهو الاحسان الذي وعد الله تعالى عليه كل خير... وهو القائل جل من قائل: «ان رحمت الله قريب من المحسنين» (الاعراف، ٥٦)، «للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين» (سورة النحل: ۳۰)، «ان المتقين في ظلال وعيون / وفواكه مما يشتهون / كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون / انا كذلك نجزي المحسنين» (سورة المرسلات، ٤۱-٤٤).
واي جزاء ذلك وهو من الله المنعم الكريم! يقول الامام جعفر الصادق (عليه السلام): اذا احسن العبد المومن، ضاعف الله له عمله، لكل حسنة سبعمائة ضعف، وذلك قول الله عزوجل: «مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم» (البقرة ۲٦۱).
في احدى كلماته الحكيمة ... قال امير المومنين (عليه السلام): «لو رأيتم الاحسان شخصاً، لرأيتموه شكلاً جميلاً يفوق العالمين».. ونحن نعلم - أيها الاخوة الأحبة ـ أن الاشياء الجميلة تجذب القلوب، كذلك الاحسان، فانه سبب للمودة والاخاء، بل سبب لإبدال العداوة بالمحبة والانسجام...
قال تعالى: «ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم / وما يلقاها الا الذين صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم» (سورة فصلت، ۳٤-۳٥).
وجاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: «جبلت القلوب على حب من احسن اليها»، وعن الامام علي (عليه السلام) قوله: «بالاحسان تملك القلوب».
روي أن رجلاً بالمدينة كان يؤذي الامام الكاظم (عليه السلام) ويسبه اذا راه ويشتم علي بن ابي طالب (عليه السلام)، فقال أصحاب الكاظم (عليه السلام) له: دعنا نقتل هذا الفاجر، فنهاهم عن ذلك وزجرهم اشد الزجر، ثم سأل (عليه السلام) عن الرجل فأخبر انه خرج الى ‌زرع له، فدخل عليه واكرمه الامام (عليه السلام) بصلة وهدية.. ثم ذهب الى المسجد فوجد الرجل جالساً هناك، فلما راه الرجل قال: الله اعلم حيث يجعل رسالته، فوثب اصحاب الامام الكاظم (عليه السلام) وقالوا للرجل: ما قصتك؟! قد كنت تقول غير هذا! فأخذ يدعو للامام الكاظم (عليه السلام)، فلما رجع الامام الى ‌داره قال لأصحابه الذين اشاروا بقتل الرجل: كيف رأيتم؟! اصلحت امره، وكفيت شره.
الراوي: الاحسان الى الناس'>الاحسان الى الناس خلق سام، ويسمو الاحسان اذا كان الى ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو القائل: من اكرم اولادي فقد اكرمني. وقد وعد (صلى الله عليه وآله) - ووعده الصدق- أن يكافىء المحسنين الى ذريته...
روي أن رجلاً رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامه وهو يقول له: امض الى فلان المجوسي وقل له: قد أجيبت الدعوة. فتردد الرجل أن يبلغ المجوسي بما أمره النبي (صلى الله عليه وآله) في المنام، خشية ان يظن المجوسي به سوءاً، فرأى الرجل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرةً ثانيةً وثالثةً في الرؤيا وهو يأمره بابلاغ عبارته الى ‌المجوسي.. فقرر الرجل الذهاب الى المجوسي وابلاغه له.
المجوسي: اتعرفني يا رجل؟! فانا مجوسي، وانكر دين الاسلام.
الرجل: اجل ... أعرف ذلك، ولكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي ارسلني اليك، وكرر علي ذلك... فها انا ابلغتك قوله: قد اجيبت الدعوة.
المجوسي (بخشوع): أشهد ان لا اله الا الله، وان محمداً رسول الله.
المجوسي: يا اعزتي، لقد كنت على ضلال، وها انا على الحق، فاسلموا كما اسلمت انا، ومن اسلم فقد وهبته ما عندي في يده، ومن أبى فلينزع ما لي عنده من يده.
المجوسي: يا أخي، أتدري ما الدعوة التي أبلغك رسول الله انها قد اجيبت؟
الرجل: لا والله، واني اردت ان اسالك عنها ثم استحييت.
المجوسي: اني لما زوجت ابنتي صنعت طعاماً ودعوت الناس فلبوا، وكان الى جانبنا قوم اشراف فقراء، قيل هم من ذرية النبي محمد، فأمرت غلماني ان يبسطوا في وسط الدار حصيراً، فسمعت صبياً من بيت جارنا الاشراف يقول لامه:
الصبي: يا اماه لقد آذانا جارنا المجوسي برائحة طعامه، فجعلنا نشتهيه وحالنا لا يسع ان نقتنيه!
المجوسي: فأرسلت الى بيت جارنا ذرية رسول الله بطعام كثير، ودنانير، فلما نظروا الى ذلك قال الصبي لاخوته: والله ما نأكل من طعام المجوسي حتى ندعو له.
المجوسي: فرفعوا ايديهم وقالوا حشرك الله مع جدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله). آمين... يا رب العالمين.
المجوسي: فتلك هي الدعوة التي قد أجيبت،‌ والحمد لله على نعمائه.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم