البث المباشر

الشاعر ابن حمديس الأندلسي

الأحد 21 يوليو 2019 - 11:40 بتوقيت طهران

خبير البرنامج: الدكتور سعد الشحمان
المحاورة: بسم الله الرحمن الرحيم وبه تبارك وتعالى نستعين، مستمعينا مستمعاتنا أينما كنتم سلام من الله عليكم ورحمته وبركات وكل المراحب بكم في هذه الحلقة الجديدة التي تجمعنا معكم تحت أفياء واحة اخرى من واحات القصائد العربية الخالدة حيث الجمال في الصياغة والقوة والتأثير في المعاني والصور وحيث اللحظات التي تتسامى فيها أرواح الشعراء لتنتج الكلام المؤثر الذي يهز النفس ويدعوها الى الإشادة والإعجاب بهذا الكلام. ندعوكم للمتابعة
المحاورة: أيها الأحبة كثيراً ما يتذكر الشعراء الدهر وصروفه وتقلباته وكثيراً ما يستحضرون ذكرى الموت والمنايا التي تخبط خبط عشواء فلاتكاد تفرق بين صغير وكبير وبين فقير وغني وذلك عندما يجرون اللسان برثاء أحباءهم والأعزة على قلوبهم فما بالك اذا كان هذا المرثي أباً عطوفاً زخر بالمفاخر وغدت اخلاقه الكريمة مطرباً للأمثال وتعطرت الأجواء بذكر سيرته الحسنة بين العباد، هذا ما فعله الشاعر الأندلسي المبدع ابن حمديس وهو يطلق اللسان برثاء والد حنون رحيم إختطفته المنايا وإغتالته يد الدهر ليترك الإبن يحس بلوعة الفراق الأبدي ويتلفت يمنة وشمالاً ليرى مكان الأب خالياً فما يكون منه وهو شاعر إلا أن يطلق صرخات اللوعة المؤطرة بإطار الزهد والإعتبار من الدنيا الفانية بأسلوب فيه من الروعة الجمالية الشيء الكثير حيث نرى الشاعر يجمع بين المتناقضات بسبك يشي بقدرته الفنية.

يد الدهر جارحة آسية

ودنياك مفنية فانية

وربك وارث أربابها

ومحي عظامهم البالية

رأيت الحِمام يبيد الأنام

ولدغته مالها راقية

وأرواحنا ثمرات له

يمد اليها يداً جانية

وكل أمرئ قد رأى سمعه

ذهاباً من الأمم الماضية

وعارية في الفتى روحه

ولابد من رثه العارية


المحاورة: أطيب التحيات لكم مستمعينا الكرام وأنتم برفقة برنامجكم سير القصائد. قصيدة اكثر من رائعة، نعم كانت هذه قصيدة الشاعر الأندلسي ابن حمديس. بداية أرحب بضيفي الكريم في الستوديو الأستاذ الدكتور سعدي الشحمان، السلام عليكم دكتور وأهلاً ومرحباً بكم في هذا اللقاء الجديد الذي يجمعنا بكم في هذه الحلقة من سير القصائد.
الشحمان: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وعلى المستمعين الكرام، في هذا اللقاء الذي يجمعنا على أجواء الشعر اللطيفة العامرة بالمعاني والمغازي. نعم كما قلتم أشعار ابن حمديس هذا الشاعر الأندلسي هي رائعة وأكثر من رائعة...
المحاورة: نعم دكتور قيل عن هذا الشاعر إنه شاعر ماهر ويقرطس أغراض المعاني البديعة اذا صح التعبير وايضاً يعبر عنها بالألفاظ النفيسة الرائعة والرفيعة وايضاً يتصرف بالتشبيه المصيب ويغوص في بحر الكلم على در المعنى الغريب، نرجو منك أن تسلط الضوء على المراد من هذا الوصف لأسلوب شاعرنا وخصائصه الشعرية.
الشحمان: نعم حقاً ما قاله هذا الناقد الأدبي واللغوي حول الخصائص الشعرية التي يتميز بها الشاعر ابن حمديس ولكن إسمحي لي أولاً أن أقدم بعض اللمحات عن حياته.
المحاورة: نعم تفضلوا
الشحمان: والتي تركت أعمق الآثار في شعره. ابن حمديس ويكنى بأبي محمد المنحدر من أصول عربية من قبيلة الأزد اليمنية، يعتبر من ألمع شعراء اواخر حكم المسلمين للأندلس يعني في عصر دول الطوائف فهو يعتبر من اواخر الفرسان في مجال حلبة الشعر في منطقة الأندلس. هو لم يولد في الأندلس وإنما ولد في جزيرة صقلية في جنوب ايطاليا في البحر الأبيض المتوسط خلال الأيام الأخيرة من الحكم الاسلامي لهذه الجزيرة ولكن ما إن أبصرت عيناه النور وشبّ ونشأ حتى أبتلي هو ومواطنوه بمحنة الهجوم والغزو الذي قام به النورمنديون على هذه الجزيرة وتسببوا في نكبة كبيرة لسكانها مما إنعكست فيما بعد على أشعار الشاعر مما أضطر هذا الشاعر الى أن يعاني مرارة الغربة وهو في مقتبل شبابه فشدّ الرحال الى الأندلس في عام ٤۷۱ للهجرة قاصداً بلاط الحاكم المعتمد بن عباد في أشبيلية.
المحاورة: طبعاً دكتور اذا صح التعبير ظاهرة الغربة نلمسها ونراها في حياة أكثر الشعراء وايضاً هذه الظاهرة لها طابع مؤثر على نفسية الشاعر وعلى أحاسيسه وكأنما تؤجج المشاعر الجياشة في الشعراء.
الشحمان: نعم نعم، هي بعض الأحيان تكون سر إبداع الشاعر وسر عبقريته. في بعض الأحيان يتعرض العظماء وبعض الشعراء لبعض المحن والمصائب التي تعود عليهم بالخير يعني تحولهم الى اناس نوابغ وعباقرة وكما يقال فإن الألم والمحنة تصقل النفوس وتوصلها الى مرحلة النضج وهكذا كان شاعرنا الذي نتحدث عنه، ابن حمديس إضافة الى أنه عانى من مرارة الغربة فكان شاعراً رقيق الحس وهكذا كان حال معظم شعراء الأندلس بسبب نشأتهم في أحضان الطبيعة الجميلة في تلك المناطق، مناطق جنوب اوربا وفي منطقة الأندلس حيث الطبيعة الساحرة وايضاً الطبيعة الخلابة التي عاشها في جزيرته حيث عاش طفولته في جزيرته صقلية مما أدى أن تشحذ لديه براءة الوصف في شعره. وبالمناسبة بالإضافة الى أشعار الغربة والحنين الى الوطن التي يزدحم بها ديوانه نجد ايضاً أنه كان بارعاً في وصفه للطبيعة سواء كانت هذه الطبيعة فطرية وبكراً او كانت إصطناعية. وحقيقة هذه الظاهرة إنتشرت وعرف بها شعراء الأندلس لذلك نستطيع القول إن هذين النوعين من الأغراض الشعرية يعني التعبير عن الحنين الى الوطن ووصف الطبيعة ونستطيع أن نضيف الى ذلك المدح الذي خصصه للحاكم إبن عباد الذي أضمر له الشاعر كل الحب وكل الوفاء حتى بعد سقوط دولة ابن عباد، الشاعر ايضاً تبعه وإستقر معه في غربته ومنفاه وظل ينشد له أجمل الأشعار. وسوف أكمل حديثي إن شاء الله في القسم الثاني.
المحاورة: نعم شكراً لكم، معلومات حقاً قيمة تفضلت بها ضيفنا الكريم ونشكرك على هذه المعلومات وإن شاء الله في القسم الثاني من البرنامج ستتحدث لنا أكثر عن خصائص هذا الشاعر الشعرية وايضاً عن أسلوبه الخاص، نأخذ فاصل قصير ثم نواصل الحديث.
المحاورة: أيها الأحبة بعد تلك المقدمة الزهدية التي بدأ بها الشاعر قصيدته الرثائية نراه يعمد في الأبيات التالية الى وصف الجانب الأخلاقي من شخصية والده:

سقى الله قبر أبي رحمة

فسقياه رحمة غادية

وسير عن جسمه روحه

الى الروح والعيشة الراضية

فكم فيه من خلق طاهر

ومن همة في العلى سامية

ومن كرم في العلى أول

وشمس النهار له ثانية

ولو أن أخلاقه للزمان

لكانت موارده صافية

أتاني بدار النوى نعيه

فياروعة السامع بالداهية

فحمّر ما إبيض من عبرتي

وبيّض لمتي الداجية

بدار إغتراب كأن الحياة

لذكر الغريب بها ناسية

فمثلت في خلدي شخصه

وقربت تربته القاصية

ونحت كثكلى على ماجد

ولامسعد لي سوى القافية

بكيت أبي حقبة والأسى

عليّ شواهده بادية

وما خمدت لوعة تلتظي

ولاجمدت عبرة جارية

ونفسي وإن مدّ في عمرها

لما لقيت نفسه لاقية


المحاورة: تحية طيبة لكم من جديد مستمعينا الكرام وأنتم تستمعون الى برنامجكم سير القصائد. أعود الى ضيفي الكريم في الستوديو الدكتور سعدي الشحمان ليوضح لنا اكثر ويتحدث لنا عن أسلوب الشاعر الخاص به، تفضل دكتور.
الشحمان: بالمناسبة أحسنتم لإنشادكم هذه الأبيات الجميلة.
المحاورة: شكراً جزيلاً لك دكتور
الشحمان: نعم الأبيات التي تجمع بين الوضوح في المعنى وبين الروعة في التصوير وكأننا نستمع الى شاعر معاصر يخاطبنا. على كل حال يبدو ليس في الوقت من متسع للحديث عن الخصائص الشعرية الأخرى ولكن سأكتفي هنا بقراءة بعض الأشعار في الوصف وفي الحنين للوطن منها هذه الأبيات من قصيدة يصف فيها ابن حمديس بركة ماء داخل أحد القصور وقد نصبت فيها تماثيل لأسود يقذف الماء من أفواهها وهي من أنواع وصف البيئة الصناعية كما قلت وتتجلى فيها قدرة ابن حمديس الخارقة على الوصف، يقول:

وضراغم سكنت عرين رئاسة

تركت خرير الماء فيها زئيراً

فكأنما غشي النظار جسومها

وأذاب في أفواهها البلورا

أسد كأن سكونها متحرك في

النفس لو وجدت هناك مثيراً

فتذكرت فتكاتها فكأنما

أقعت على أدبارها لتثورا

وتخالها والشمس تجلو لونها

ناراً وألسنها اللواحس نورا

فكأنما سلت سيوف جداول

ذابت بلا نار فعدن خريرا


الشحمان: ومن شعره في التعبير عن حنينه الى وطنه صقلية يقول:

قضت في الصبا النفس أوطارها

وأبلغها الشيب إنذارها

وأجيلت قداح الهوى

عليها فقسمن اعشارها

وماغرس الدهر في تربة

غراساً ولم يجني أثمارها

ذكرت صقيلة والأسى

يهيج للنفس تذكارها

ومنزلة للتصابي خلت

وكان بنو الظرف عمارها

ولولا ملوحة ماء البكاء

حسبت دموعي أنهارها

فلا تعظمن لديك الذنوب

فما زال ربك غفارها


الشحمان: وهنا اختم حديثي وشكراً لكم لحسن إستضافتكم.
المحاورة: شكراً لك دكتور، حقيقة معلومات قيمة تفضلت بها وشكراً جزيلاً لحضورك وإن شاء الله في حلقات مقبلة من البرنامج ستشرفنا بحضورك وبهذه المعلومات.
الشحمان: لنا الشرف إن شاء الله.
المحاورة: شكراً لكم مستمعينا الكرام إنتظرونا في حلقة الأسبوع المقبل عند سيرة اخرى من سير القصائد العربية شاكرين لكم حسن مرافقتكم لنا فحتى ذلك الحين نتمنى لكم أطيب الأوقات وفي أمان الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة