قصة نبي الله لوط (عليه السلام)- ۲

الأحد 17 مارس 2019 - 09:47 بتوقيت طهران

الحلقة 51

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي انزل القرآن لنا ضياءً ونوراً وصلى الله على مبلغ وحيه وحامل رسالاته محمد وآله الطيبين الطاهرين، السَّلام عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة الله وبركاته، واهلاً بكم الى لقاء القصص الحق، ووقفتنا فيه عند القسم الثاني في حكاية نبي الله لوط (عليه السَّلام) حيث وردت هذه الحكاية في سورة هود من الآية ۸۱ حتى ۸۳ لقاءنا هذا يأتيكم ضمن الفقرات التالية. بداية نستمع الى تلاوة هذه الآيات، ثم نتعرف على معاني مفرداتها والمراد من عباراتها، ثم نستمع الى اجابة خبير هذا اللقاء عن سؤال حول تفسير قوله تعالى " ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" (سورة هود۸۱) بعد ذلك نقدم لكم القصة لنعود بعدها وفقرة من هدي الائمة (عليهم السَّلام) واخيراً مع أهم الدروس والعبر الموجودة في هذه الايات المباركات فاهلاً بكم.

*******


المقدمة احبة القران فى اللقاء الماضي من هذا البرنامج تحدثنا كيف ان الملائكة دخلت على نبي الله لوط (عليه السَّلام) وهم على هيئة شباب في غاية الجمال حيث جاءوا لينزلوا العذاب عليهم لإرتكابهم الفواحش والسيئات وقد شعر النبي ضيقا وقالَ هذا يَوْمٌ عَصيبٌ لعلمه برغبة قومه في ضيوفه. في هذا اللقاء سنكمل بعونه تعالى ما تبقى من قصة لوط (عليه السَّلام) مع قومه. فلننصت في البداية خاشعين الى تلاوة هذه الايات

*******

 

التلاوة


"قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّك لَنْ يصِلُوا إِلَيك فَأَسْرِ بِأَهْلِك بِقِطْع مِنَ اللَّيلِ ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَك إِنَّهُ مُصيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَريب۸۱ فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأَمْطَرْنا عَلَيها حِجارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود۸۲ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّك وما هِى مِنَ الظّالِمينَ بِبَعيد۸۳"

*******

 

المفردات


تقول الآية "قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّك لَنْ يصِلُوا إِلَيك" هذا التعبير إمّا لأنّهم كانوا يحسبون أنّهم غير منفصلين عن لوط لأنّهم أضيافه على كل حال، وهتك حرمتهم هتك لحرمة لوط. أولأنّهم أرادوا أن يفهموا لوطاً بأنّهم رسل الله، وأنّ عدم وصول قومه إليهم بالإساءة أمر مسلّم به، بل حتى لوط نفسه الذى هو رجل من جنس اُولئك لن يصلوا إليه بسوء، وذلك بلطف الله وفضله. نقرأ فى الآية ۳۷ من سورة القمر "وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ" وهذه الآية تدل على أنّ هؤلاء الجماعة الذين أرادوا السوء بأضياف لوط، فقدوا بصرهم بإذن الله، فلم يستطيعوا الهجوم عليهم. ثمّ أمر الأضيافُ لوطاً ـ مباشرة ـ أن يرحل هو وأهله من هذه البلدة وقالوا: "فَأَسْرِ بِأَهْلِك بِقِطْع مِنَ اللَّيلِ" ، ولكن حذروه، بالقول: "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" اي إلى الوراء ثم اضافوا "ِلاَّ امْرَأَتَك إِنَّهُ مُصيبُها ما أَصابَهُمْ" وذلك لتخلّفها عن أمر الله وعصيانها مع العُصَاة الظَلَمَة. وخلاصة الأمر فإنّ آخر ما قاله رسل الله ـ أى الملائكة ـ للوط (عليه السَّلام): إنّ العذاب سينزل قومه صباحاً. ومع أوّل شعاع للشمس سيحين غروب حياة هؤلاء: (إنّ موعدهم الصبح). وأخيراً دنت لحظة العذاب وتصرّمت ساعات انتظار لوط النّبي (عليه السَّلام)، وكما يقول القرآن الكريم "فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأَمْطَرْنا عَلَيها حِجارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود" . وكلمة «سجّيل» تعني الشيء الذي لا يكون صلباً كالحجارة ولا رخواً كالزهرة، وإنّما هى بينهما. و«المنضود» من مادة «نضد» ومعناه كون الشيء مصفوفاً وموضوعاً بشكل متتابع ومتراكم، أى إنّ هذا المطر كان متتابعاً سريعاً إلى درجة حتى كأنّ هذه الأحجار تتراكب بعضها فوق بعض فتكون «منضودة» ولكن هذه الأحجار ليست أحجاراً عادية، بل هى أحجار فيها علامات عند الله "مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّك" . ثم تذكر الاية أنّ هذه الأحجار لا تخص فقط قوم لوط، بل تؤكد "وما هِى مِنَ الظّالِمينَ بِبَعيد" .

*******


المحاور: ايها الاخوة والاخوات اختلف المفسرون في قوله تعالى "لايلتفت منكم احد" وكل ذهب الى رأي ولكن ماهو الرأي الصحيح تفسير هذه العبارة؟ المحاورة: نستمع مستمعينا الكرام الى اجابة هذا التساؤل من قبل ضيف هذا اللقاء سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، احسنتم سؤال لطيف وجميل يعني "لايلتفت منكم احد" المقصود من هذه العبارة يعني كررت كذلك في سورة اخرى هي سورة الحجر في الاية الخامسة والستين يعني مذكورة مرتين في القرآن الكريم، في سورة هود الاية الحادية والثمانين وفي سورة الحجر الاية الخامسة والستين "فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع ادبارهم ولايلتفت منكم احد وامضوا حيث تؤمرون" في سورة الحجر، وفي سورة هود "قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّك لَنْ يصِلُوا إِلَيك فَأَسْرِ بِأَهْلِك بِقِطْع مِنَ اللَّيلِ ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَك إِنَّهُ مُصيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَريب" فلهذا اختلف كما ذكرتم المفسرون في معنى هذه العبارة "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" اكثر المفسرين قالوا لايلتفت يعني لاينظر الى وراءه ويعني امر بالعجلة والسير الحثيث والاستعجال في الخروج وعدم التلكؤ في المسير وعدم التواني في السير والخروج خارج المدينة حتى لايصيب المتخلفين العذاب الذي سينزل على قوم لوط، عذاب الاستئصال طبعاً في الصباح الباكر "ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب" ولهذا لايلتفت منكم احد يعني تعبير عن السير الحثيث والاستعجال في الخروج وعدم التلكؤ في المسير لأن الاسراع هو السير في الليل، بقطع من الليل، جزء من الليل يعني لايلتفت يعني لايتأخر وعليه ان يسير سيراً حثيثاً سريعاً في الخروج، بعضهم قال "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ " ليس لاينظر الى الوراء وعليه ان يستعجل وانما"ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" يعني الالتفات من اجل المال الذي تركه يعني البيت والعقار يعني كل واحد منهم خرج من بيته، خرج من اهله، خرج من ماله مثلاً عنده مال، عنده ثروة في المدينة فلايلتفت منكم احد يعني لايأخذ شيئاً من امواله ومتاعه يعني لايهتم لما ترك من متاع، من اموال في بيته في المدينة، بعضهم قال "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ"هذا تعبير عن التخلف يعني لايتخلف منكم احد يعني عدم الخروج " ولايلْتَفِتْ"يعني عليكم الخروج، عليكم ان تخرجوا جميعاً ايها المؤمنون فهناك آراء متعددة لعل الرأي الاقرب للسياق "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" هو كناية او امر بالاستعجال والسير الحثيث والانفصال عن الذين تركهم وربما فيها امر نسبي يعني لايلتفت الى الذين تركهم من قومه لعلهم كانوا اصدقاء او كانوا اخوان ربما او كانوا زوجات كما مثلاً في قضية نوح عليه السلام ترك زوجته يعني هذا "إِلاَّ امْرَأَتَك" "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَك" طبعاً الا امرأتك استثناء في الاسراع يعني لاتسر بها ولاتأخذها معك ليكن المعنى "فأسر بأهلك إِلاَّ امْرَأَتَك" يعني امرأتك لايسير بها ولايأخذها معه في خروجه في السير الحثيث فهنا آراء متعددة في "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ"لعل في السياق هو عدم التخلف والسرعة في الخروج خارج المدينة وربما فيه كناية عن عدم الالتفات الى ما ترك من اموال وما ترك من اصدقاء ربما وما ترك من امور ومتعلقات في المدينة.

*******


ايها الافاضل اختلف المفسرون فى تفسير قوله تعالى: "ولايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" وكل ذهب الى رأي، ولكن ما هو الرأي الصحيح فى تفسير هذه العبارة نستمع الى اجابة هذا التساؤل من قبل ضيف هذا اللقاء سماحة السيد عبدالسَّلام زين العابدين استاذ العلوم الدينية من مدينة قم المقدسة.

*******

 

القصة


هلاك قوم لوط عندما بلغ الضيق ذروته.. وقال النبي كلمته.. تحرك ضيوفه ونهضوا أفهموه أنه يأوي إلى ركن شديد.. فقالوا له لا تجزع يا لوط ولا تخف نحن ملائكة.. ولن يصل إليك هؤلاء القوم.. ثم نهض جبريل، عليه السَّلام، وأشار بيده إشارة سريعة، ففقد القوم أبصارهم التفتت الملائكة إلى لوط وأصدروا إليه أمرهم أن يصحب أهله أثناء الليل ويخرج. سيسمعون أصواتا مروعة تزلزل الجبال.. "لايلْتَفِتْ مِنْكمْ أَحَدٌ" .. كي لا يصيبه ما يصيب القوم.. أي عذاب هذا؟؟؟؟!!!!! أفهموه أن امرأته كانت من الغابرين.. امرأته كافرة مثلهم وستلتفت خلفها فيصيبها ما أصابهم سأل لوط الملائكة: أينزل الله العذاب بهم الآن.. أنبئوه أن موعدهم مع العذاب هو الصبح.. "أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَريب" ؟ خرج لوط مع بناته وزوجته.. ساروا في الليل.. واقترب الصبح.. كان لوط قد ابتعد مع أهله.. ثم جاء أمر الله تعالى....... اقتلع جبريل ـ عليه السَّلام ـ بطرف جناحه مدنهم السبع من قرارها البعيد.. رفعها جميعا إلى عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ، قلب المدن السبع وهوى بها في الأرض.. أثناء السقوط كانت السماء تمطرهم بحجارة من الجحيم.. حجارة صلبة قوية يتبع بعضها بعضا، ومعلمة بأسمائهم، ومقدرة عليهم.. استمر الجحيم يمطرهم.. وانتهى قوم لوط تماما.. لم يعد هناك أحد، نكست المدن على رؤوسها، وغارت في الأرض، حتى انفجر الماء من الأرض، هلك قوم لوط ومحيت مدنهم. كان لوط يسمع أصوات مروعة.. وكان يحاذر أن يلتفت خلفه.. نظرت زوجته نحو مصدر الصوت فانتهت.. تهرأ جسدها وتفتت مثل عمود ساقط من الملح. انطوت صفحة قوم لوط.. انمحت مدنهم وأسمائهم من الأرض.. سقطوا من ذاكرة الحياة والأحياء.. وطويت صفحة من صفحات الفساد.. وتوجه لوط إلى إبراهيم.. زار إبراهيم وقص عليه نبأ قومه.. وأدهشه أن إبراهيم كان يعلم.. ومضى لوط في دعوته إلى الله.. مثلما مضى الحليم الأواه المنيب إبراهيم في دعوته إلى الله.. مضى الاثنان ينشران الإسلام في الأرض .

*******

 

من هدى الائمة _عليه السلام_


* وفي تفسير القمي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السَّلام): في قوله: "وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود" قال: ما من عبد يخرج من الدنيا يستحل عمل قوم لوط إلا رماه الله جندلة من تلك الحجارة تكون منيته فيه ولكن الخلق لا يرونه. * وروي في الكافي، بإسناده عن ميمون البان عن أبي عبدالله الصادق (عليه السَّلام) مثله، وفيه: من بات مصرا على اللواط لم يمت حتى يرميه الله بحجارة تكون فيه منيته ولا يراه أحد، وفي الحديثين إشعار بكون قوله: "وما هي من الظالمين ببعيد" غير خاص بقريش، وإشعار بكون العذاب المذكور روحانيا غير مادي.

*******

 

دروس وعبر


"فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيها سافِلَها وأَمْطَرْنا عَلَيها حِجارَةً مِنْ سِجِّيل مَنْضُود" ايها الافاضل هؤلاء القوم المنحرفون ظلموا أنفسهم وظلموا مجتمعهم، لعبوا بمصير اُمتهم كما استهزؤوا بالإيمان والأخلاق الإنسانية، وكلّما نصحهم نبيهم باخلاص وحرقة قلب لم يسمعوا له وسخروا منه، وبلغت صلافتهم وعدم حيائهم حدّاً أنّهم أرادوا الاعتداء على ضيوف زعيمهم وهتك حرمتهم. هؤلاء الذين كانوا قد قلبوا كل شيء يجب أن تنقلب مدينتهم عليهم، ولا يكفي أن يغدو عاليها سافلها، بل لُيمطروا بوابل من الأحجار تدمّر كل شيء من «معالم الحياة» هناك ولا يبقى منهم سوى صحراء موحشة وقبور مظلمة تحت ركام الأحجار الصغيرة. *يقول الباري "وما هى من الظالمين ببعيد" حقا هل أنّ الذين ينبغى معاقبتهم هم قوم لوط فحسب؟ قطعاً لا. فكل جماعة منحرفة واُمّة ظالمة ينتظرها مثل هذا المصير، فتارة تكون تحت وابل الأحجار، واُخرى تحت ضربات القنابل المحرقة، وحيناً تحت ضغط الاختلافات الاجتماعية القاتلة، وأخيراً فإنّ لكلٍّ شكلا من العذاب وصورة معينة.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم