قصة النبي سليمان وملكة سبأ- ۳

السبت 16 مارس 2019 - 18:44 بتوقيت طهران

الحلقة 15

الْحَمْدُ لِلَّهِ رب العالمين والصلاة والسلام علی رسوله وحبيبه رحمة للعالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
نحمد الله تعالی ان رزقنا اللقاء بكم في هذا البرنامج الذي يجمعنا واياكم حول نوره المبين وحبله الممدود من السماء الی الارض ونستنير معاً بهدی القصص القرآنية؛ اما في هذه الحلقه سنتعرف علی جانب آخر من حكاية نبي الله «سُلَيْمَانُ» عليه السلام مع ملكة سباء والتي تحدثت عنها الايات ۳٦ حتی ٤۰ من سورة النمل.
بعد مقدمه عما سبق في الحلقات الماضية من حكاية النبي «سُلَيْمَانُ» عليه السلام نقدم لكم تلاوة هذه الايات المباركة، ثم نتعرف علی معاني المفردات والعبارات القرآنية التي وردت في هذا الجزء من الحكاية، نستمع معاً الی حديث سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية بشأن بعض الاسئله المثارة حول هذه الايات، لننتقل بعد ذلك الی محطة الحكاية ونستمع الی تفاصيلها ونستمر في تقديم البرنامج بفقرة (من هدي الائمة عليه السلام) ورواية بشأن الحكاية ومسك الختام هنا عرض للدروس والعبر التي جاءت بها الايات في قصة نبي الله «سُلَيْمَانُ» عليه السلام مع ملكة بلقيس. 

*******


يشير القرآن الكريم في هذا القسم من الآيات إلى تتمة حكاية نبي الله «سُلَيْمَانُ» عليه السلام، عندما واجه رد بلقيس لكتابه الكريم بارسال الهدايا التي ارادت بذلك صرف النبي «سُلَيْمَانُ» عن دعوته وقد طلب «سُلَيْمَانُ» منهم شيئين: هما ترك الإستعلاء، والتسليم للحق «أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» وكان عدم إجابتهم لهذين وتوسلهم بالهديّة دليلاً على امتناعهم من قبول الحقّ وترك الإستعلاء، ولذلك هدّدهم باستخدام القوة العسكرية.

*******

 

من هدي الآيات


قوله: «قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ» يقصد منه النبي «سُلَيْمَانُ» عليه السلام هل انكم تمدونني بمال حقير لا قدر له عندي في جنب ما آتاني الله فما آتاني الله من النبوة والملك والثروة خير مما آتاكم.
وقوله: «بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ» اي ان فرحكم بهديتكم لاستعظامكم لها وإعجابكم بها أما أنا فلا قيمة لها عندي ولا أكترث بها.
ومن أجل أن يريهم «سُلَيْمَانُ» موقفه الحاسم من الحق والباطل، قال لرسول ملكة سبأ الخاص: «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ» إشارة إلى أن أُولئك لا يُخرجون من أرضهم فحسب، بل بالإذلال والإحتقار والصغار بشكل يتركون جميع ممتلكاتهم من قصور وأموال وجاه وجلال. لأنّهم لم يذعنوا ـ ولم يُسلموا ـ للحق وإنّما قصدوا الخداع والمكر قوله: «قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ».
وفيه يخبر عليه السلام أنهم سيأتونه مسلمين وأراد الاتيان بعرشها قبل حضورها وقومها عنده ليكون دلالة ظاهرة على بلوغ قدرته الموهوبة من ربه ومعجزة باهرة لنبوته حتى يسلموا لله كما يسلمون له ويستفاد ذلك من الآيات التالية: «قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ». 
و«عِفْريتٌ» معناه (المارد الخبيث) وجملة «وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ» المشفوعة بالتأكيدات تشير الى احتمال خيانة هذا العفريت لذلك فقد أظهر الدفاع عن نفسه بأنه أمين وفىّ أمّا الشخص الآخر فقد كان رجلاً صالحاً له علم ببعض ما في الكتاب، ويتحدث عنه القرآن فيقول: «قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» المراد منه أنّني سأحضر عرش ملكة بلقيس، قبل أن يتحرك جفناك.
والقائل هو أحد أقارب «سُلَيْمَانُ» المؤمنين وأوليائه الخاصين، وقد جاء اسمه في التواريخ بأنه (آصف بن برخيا) وزير «سُلَيْمَانُ»وابن أخته وأمّا «عِلْمُ الْكِتَابِ» فالمراد منه هو مبدأ هذا العلم العجيب إما جنس الكتب السماوية أو اللوح المحفوظ، والعلم الذي أخذه هذا العالم منه كان علما يسهل له الوصول إلى هذه البغية وقد ذكر المفسرون أنه كان يعلم اسم الله الاعظم الذي إذا سئل به أجاب.
فلمّا وافق «سُلَيْمَانُ» عليه السلام على هذا الأمر، أحضر عرش بلقيس بطرفة عين بالإستعانة بقوته المعنوية «فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ».
ثمّ أضاف قائلاً: «مَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ».
فهذا هو معيار لمعرفة الموحدين المخلصين من عبدة الدنيا المغرورين وهذه سيرة الرجال العظماء في قبال غيرهم من الأنانيين.
والمهم هو أن يكشف عمل الانسان أن كل النعم من فضل الله وأن يشكره عليه، لا شكراً باللسان فحسب، بل شكراً مقروناً بالعمل وفي جميع وجوده.

*******

 

اسئلة الخبير


اذ نتابع معاً حكاية نبي الله «سُلَيْمَانُ» عليه السلام مع ملكة سبأ التي جاءت في سورة النمل وقد حان موعدكم مع اللقاء القرآني الذي اجريناه مع خبير هذا اللقاء سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية في الحوزة العلمية من قم المقدسة. 
المحاور: فضيلة السيد في تتمة قصة النبي سليمان عليه السلام يعني كيف يتم الجمع بين تهديدات «سُلَيْمَانُ» عليه السلام بارسال الجيش والأصل القرآني «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»؟ 
قوله تعالی: «وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» ما هي فائدة الشكر للنفس الانسانية التي تشير اليها الاية المباركة؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هذا اشكال قد يرد حينما هدد سليمان عليه السلام ملكة سبأ بجنود لا قبل لهم بها، طبعاً هذا التهديد مع «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» قد يرى هناك تعارض فيها ولكن آية سورة البقرة، الاية ۲٥٦ «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» يعني «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» لسببين اولاً لأن الدين دين الفطرة فلا يحتاج الى اكراه لهذا تقول «قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» يعني الفطرة واضحة لدى الجميع ثانياً لأن الدين عقائد وافكار ومفاهيم وهذه طبعاً موقعها القلب والعقل، غير معقول انسان يجبر انسان على الايمان بعقيدة قلبية قد يستطيع ان يقطع يده، يستطيع ان يقطع اذنه، يستطيع ان يقطع لسانه مثلاً اما ان تجبر انسان على الايمان بفكرة، لأن الدين عقائد قلبية، الدين امور فكرية، الدين مفاهيم وقيم، غير معقول ان تجبر انسان على ان يؤمن بقيمة من القيم لأن هذا الامر امر قلبي ولهذا القوة مهما كانت قوية ليست قادرة على ان تجبر انساناً على الايمان بفكرة او عقيدة، تستطيع ان تسلب من الانسان كل شيء ولكن لاتستطيع ان تسلب منه العقيدة والافكار بأعتبار هذا موطن العقيدة والمشاعر والعواطف، العقول والقلوب، اما التوسل بالقوة يعني في الجهاد الاشكال يأتي يعني «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ» بعض العلماء قالوا بأن هذه الاية «لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» منسوخة نسختها آية القتال مثل«وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ» او آية السيف «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ» ولكن نرى بين الايتين لا يوجد نسخ يعني ناسخ ومنسوخ لأن التوسل بالقوة طبعاً في القرآن الكريم يكون لأمرين، الامر الاول الدفاع عن المظلومية «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ» هذا المورد الاول والتوسل بالقوة يكون كما في قصص سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ لمحو الشرك وعبادة الاصنام المبنية على الخرافات والاساطير طبعاً القرآن لايجبر المسيحي ان يكون مسلماً ولايجبر اليهودي ان يكون مسلماً يعني لا يجبر اصحاب دين توحيدي ان يكونوا من المسلمين على الاطلاق وانما يجبر اولئك الذين يعني هو يحارب العقائد الشركية التي تعبد الاصنام والخرافات والاساطير لأن هذا ليس ديناً يعني الاسلام يحطم الاصنام لأنها ليست بدين ولكنه لا يجبر اليهودي او النصراني على ترك دينه وعقيدته ولهذا حينما نقرأ «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ» ليس معنى ذلك ان نجبر الانسان اذا كان يهودياً او مسيحياً او اي دين توحيدي آخر وانما التوسل بالقوة يكون في المورد الثاني لمحو الشرك وايصال الدعوة الى كل الناس ولهذا سليمان من هذا الباب لأنهم كانوا مشركين، كانوا يعبدون الشمس من دون الله عزوجل فأراد سليمان عليه السلام من خلال الترغيب والترهيب ولهذا هي ملكة سبأ في الاخير آمنت «أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، سليمان عليه السلام حاول ان يوصل لهم الفكرة الصحيحة، الدين الصحيح ولهذا لم يجبر ملكة سبأ ولا مملكة سبأ على الايمان، هي حينما قيل لها «ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ».
المحاور: نعم فضيلة السيد في قوله تعالى «وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» ما هي فائدة الشكر للنفس الانسانية التي تشير اليها الاية المباركة؟
زين العابدين: احسنت طبعاً الشكر هو عائد الى النفس لأن الشكر على النعمة يعني استعمال النعمة، الشكر بمعنى الاظهار يعني ان تستعمل النعم التي انعمك الله بها وان تستعملها في الطريق الصحيح، تشكر الاموال لا بمعنى شكر الاموال، شكر الجاه، شكر العقل، شكر اليد، شكر اللسان كل هذه ان تشكر الله عزوجل عليها يعني ان تستعملها فيما خلقت له فهذا الاستعمال فيما خلقت له ثأتير عائد للانسان نفسه يعني الذي يكفر هو في الحقيقة يكفر على نفسه، حينما نقرأ الاية المباركة، الامام امير المؤمنين حينما كان يقرأ الاية «مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا» او «اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» او «إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ»، يقول: «لن يستنصركم من ذل ولم يستقرضكم من قل استنصركم وله جنود السموات والارض واستقرضكم وله خزائن السموات والارض» يعني الله عزوجل يتنزل مثلاً فيقول: «اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» والا الانسان حينما يذكر الله يذكر نفسه ولهذا جاء «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ» الانسان الذي ينسى الله وينسى شكر الله يعني ينسى نفسه، لماذا؟ لأنك تنسى ان الله هو الرب فتعتقد انك الرب، تنسى ان الله هو الخالق «اللهم انت الخالق وانا المخلوق وانت الرازق وانا الرزوق وانت الحي وانا الميت وانت القوي وانا الضعيف» هذه في الحقيقة، ولهذا جاء في الرواية «من عرف نفسه فقد عرف ربه» وبالعكس «من عرف ربه فقد عرف نفسه» اذن الانسان حينما يشكر الله عزوجل بالحقيقة هو يجعل الطاقات التي يمتلكها والنعم التي انعم الله بها عليه يجعلها في الطريق الصحيح الذي يؤدي الى سعادته في الدنيا وفي الاخرة.

*******

 

قصة النبي سُلَيْمَانُ وملكة سبأ


وصل الحديث الی ان رسل ملكة سبأ خرجوا بقافلة الهدايا وتركوا اليمن وراءهم قاصدين مقر «سُلَيْمَانُ» «في الشام» ظنّاً منهم أن «سُلَيْمَانُ» سيكون مسروراً بمشاهدته هذه الهدايا ويرحب بهم.
لكن ما إن حضروا عند «سُلَيْمَانُ» حتى رأوا ما يدهش الإنسان، فإنّ «سُلَيْمَانُ»عليه السلام مضافاً الى عدم استقباله واكتراثه بتلك الهدايا «قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ». 
ثم توجه الی قائد الرسل وقال له: «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ».
وأخيراً عاد رُسُل ملكة سبأ بعد أن جمعوا هداياهم وأمتعتهم إلى بلدهم، وأخبروا ملكة سبأ بما شاهدوه من عظمة مُلك «سُلَيْمَانُ»عليه السلام المعجز وجهازه الحكومي وهنا اتّضح لأُولئك جميعاً أنّهم غير قادرين على مواجهته عكسرياً، لذلك قررت الملكة أن تأتي بنفسها مع أشراف قومها إلى «سُلَيْمَانُ»، ويتفحصوا عن هذه المسألة ليتعرفوا على دين «سُلَيْمَانُ»؟
جلس «سُلَيْمَانُ» في مجلسه وسط رؤساء قومه ووزرائه وقادة جنده وعلمائه، كان يفكر في بلقيس، يعرف أنها في الطريق إليه، تسوقها الرهبة لا الرغبة، ويدفعها الخوف لا الاقتناع ويقرر «سُلَيْمَانُ» بينه وبين نفسه أن يبهرها بقوته، فيدفعها ذلك بالإيمان باللة فسأل من حوله: «يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» من منكم يستطيع ان يحضر لي عرش بلقيس، قبل أن تصل إلينا. فقد كان عرش الملكة بلقيس هو أعجب ما في مملكتها، كان مصنوعاً من الذهب والجواهر الكريمة، وكانت حجرة العرش وكرسي العرش آيتين في الصناعة والسبك وكانت الحراسة لا تغفل عن العرش لحظة. 
فقال أحد الجن: أنا أستطيع إحضار العرش قبل أن ينتهي المجلس - وكان عليه السلام يجلس من الفجر إلى الظهر- وأنا قادر على حمله وأمين على جواهره. 
«قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ».
لكن وزيره اصف بن برخيا الذي كان «عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ»، قال لسُلَيْمَانُ: أنا أستطيع إحضار العرش في الوقت الذي تستغرقه العين في الرمشة الواحدة: «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ».
فلما اصبح العرش ماثلا أمام «سُلَيْمَانُ»، تأمل «سُلَيْمَانُ» بعد هذه المعجزة ولم يستخفه الفرح بقدرته، ولم يزهه الشعور بقوته، وإنما أرجع الفضل لمالك الملك وشكر الله الذي يمتحنه بهذه القدرة، ليرى أيشكر أم يكفر. 

*******

 

من هدي الائمة عليهم السَّلام


في حديث عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن «الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ» الوارد في قصّة«سُلَيْمَانُ»، فقال صلى الله عليه وآله: هو وصي أخي «سُلَيْمَانُ» بن داوود، فقلت: والآية «عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ» عمن تتحدث؟
فقال صلى الله عليه وآله: ذاك أخي علي بن أبي طالب عليه السلام والإلتفات إلى الفرق بين «عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ» الذي يعني «العلم الجزئي» و«عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ» الذي يعني «العلم الكلي»، يكشف البون الشاسع بين آصف وعلي عليه السلام.
لذلك نقرأ في روايات كثيرة أنّ الاسم الأعظم ثلاثة وسبعون حرفاً إنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالارض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده، ثمّ عادت الارض كما كانت أسرع من طرفة عين ـ كان «حرف» واحد منه عند «آصف بن برخيا» وقام بمثل هذا العمل الخارق للعادة ـ وعندنا نحن الائمّة من أهل البيت ـ اثنان وسبعون حرفاً، وحرف واحد عند الله تبارك وتعالى استأثر به في علم الغيب عنده.

*******

 

دروس وعبر


• أن الزهد في الأديان السماوية لا يعني أن لا يتمتع الإنسان بماله وثرواته وإمكاناته الدنيوية، بل حقيقة الزهد هي أن لا يكون أسير هذه الأُمور، بل أميراً عليها وقد بيّن «سُلَيْمَانُ» هذا النبيّ العظيم بردّه الهدايا الثمينة على ملكة سبأ أنّه أميرَها لا أسيرها.

ونقرأ حديثاً للإمام الصادق عليه السلام يقول فيه: «الدنيا أصغر قدراً عند الله وعند أنبيائه وأوليائه من أن يفرحوا بشيء منها، أو يحزنوا عليه، فلا ينبغي لعالم ولا لعاقل أن يفرح بعرض الدنيا».
• إن الهدف من تعبئة الجيش ليس قتل الناس، بل أن يرى العدوّ نفسه ضعيفاً قبالها، ولا يرى نفسه قادراً على مواجهة الطرف الآخر: «جُنُودٍ لّا قِبَلَ لَهُم». 
• إنّ «سُلَيْمَانُ»عليه السلام لا يهدد مخالفيه بالقتل، بل يهددهم بالإخراج من القصور أذلة صاغرين، وهذا الأمر جدير بالملاحظة.
• إنّ «سُلَيْمَانُ» لا يستغفل مخالفيه، بل يحذرهم بصراحة قبل الهجوم.
• إنّ «سُلَيْمَانُ» لا يطمع في أموال الآخرين، بل يقول: «مَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ» فهو لا يرى مواهب الله منحصرة بالقدرة المادية والمالية، بل يفتخر بالعلم والإيمان والمواهب المعنوية.
• القوة والأمانة شرطان مهمان فليس من الممكن القيام بأي عمل كبير أو صغير في المجتمع دون توفر هاتين الصفتين، سواءً كان مصدرهما «التقوى» أو «النظام القانوني». 

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم