البث المباشر

الزيارة ودوافعها في فن الشعر الحسيني

الأربعاء 23 يناير 2019 - 10:43 بتوقيت طهران

إذاعة طهران - لقاء في الهواء الطلق: الحلقة 3

ايها الاحبة طبتم وطابت اوقاتكم. غدت كربلاء بعد مقتل الامام الشهيد المظلوم ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) مزاراً قدسياً يقصده اهل البصائر من المؤمنين وكان الشعر الذي قيل خلال قرون في موضوع الشهادة الكربلائية يعبر عن المعاني والاحاسيس والعواطف التي تموج بها صدور المؤمنين وعقولهم ومن هذه المعاني موضوع زيارة قبر الامام الحسين (عليه السلام) الذي ابتدأ منذ الايام الاولى لاستشهاده في عام ٦۱ للهجرة الى يومنا هذا، لشعر الزيارة الكربلائية معالمه وسماته المتميزة وقد وقفنا في لقاء سابق على اطراف من هذه المعالم والسمات وما كان يطرأ على جوانب منها من نمو وتبدل خلال حقب التاريخ، وكان من سمات الشعر الحسيني فيما يتصل بالمزار تلك الدوافع الخاصة التي تجتذب الناس من مختلف البقاع ليشد الرحال الى مدفن شهيد الله العظيم وهي دوافع تنطلق من الشوق والحب والحنين المتلابس بالاسى والحزن والتفجع والبكاء على الرزايا المذهلة التي حلت يوم عاشوراء بأبي عبد الله الحسين وبأهله واصحابه وقد مرت بنا صور مما قاله شعراء الثكل والحزن الحسيني في هذا السياق، كما في قول ابن حماد العبدي:

مصارع اولاد النبي بكربلا

يزلزل اطواد الحجى ويزيل

فأي امريء يرنو قبورهم بها

واحشاءه بالدمع ليس تسيل

الظاهرة الاخرى في دوافع هذه الزيارة هي الشعور بشمائل سيد الشهداء (صلوات الله عليه) والاحساس العالي برفيع مناقبه وفرادة مزاياه وهذا المعنى يتجلى في شعر كثير من الشعراء منذ السيد الحميري في القرن الثالث والى شعر المعاصرين وقد يأتي هذا الاحساس بعظمة الشمائل الحسينية متلبساً بما يفوز به الزائر من عطر روحي وشميم مسك لايكاد يلقاه في غير كربلاء مما يحمل للزائر لوناً من السعادة الروحية التي تشدة دوماً الى سيد الشهداء، ومن هذا النمط من الشعر قول الصنوبري:

نشم ممسك ذاك الثرى

ونلثم كافور تلك الترب

ومثله قول مهيار الديلمي في القرن الخامس مخاطباً الامام الحسين (عليه السلام):

انشرك ما حمل الزائرون ام المسك

خالط ترب الطفوف

كأن ضريحك زهر الربيع

هبت عليه نسيم الحزيف

ان الزائر وهو حاضر ارض الدم والشهادة كربلاء بدافع المودة والولاء وبما يركبه من الحزن والاسى والبكاء وبما يستشم في ثرى هذا الامام المظلوم من عطر روحي مسعد ليندفع من تلقاء نفسه الى التعبير عن مشاعره الايمانية الممتزجة بالوجد والحنين فيهديه باطنه الى اتيان مناسك قدسية هي من المودة لاهل البيت في الصميم، يقول بن حماد البصري:

حي قبراً بكربلاء مستنيرا

ضم كنز التقى وعلماً خطيراً

واقم مأتم الشهيد واذرف

منك دمعاً في الوجنتين غزيرا

والتثم تربة الحسين بشجو

واطل بعد لثمك التعفيرا

وفي قصيدة للشاعر احمد البلدي من القرن السادس يذكر لثم الضريح واستشاق العطر ولثم الارض القدسية يقول السيد محمد زيني:

ولكنها وافت بنا ارض كربلا

اجل انها وافت بنا الغاية القصوى

الى حضرة القدس التي لثم

تربها لنا شرف نسعى اليه ولو حبوى

نازلنا حماها آمنين وحسبنا

دخول ديار عندها جنة المأوى

ومع امتداد الزمان برزت دوافع اخرى للزيارة تضاف الى الدافع الاكبر في قصد المزار للمناحة والتفجع والبكاء ولتجديد عهد الولاء، لقد كان زوار القرون الاولى لا يبغون من الزيارة الا الزيارة بما فيها من قصد القربة الى الله تبارك وتعالى من خلال مودة اهل البيت (عليهم السلام) بيد ان حاجات اخرى ما لبثت ان بدأت تظهر وتعلن عن نفسها بمرور الاجيال ولاغرو فالايام العصيبة المطبقة والاختناق العقائدي والسياسي كان ينسي المرء حاجاته الشخصية، فلا يتقدم عند المزار الحسيني الا بالزيارة والسلام ومشاعر الثكل والدموع، وكانت المطاردة السلطوية لحركة الزائرين مما يضاعف اسى المؤمنين ويجعل ظلمات الطف ماثلة، تزداد وضوحاً وجلاءاً وما ان يخف ضغط الطواغيت وتغدو الزيارة بسبيل سابلة حتى تتفتح الحاجات البشرية في نفوس المؤمنين، حتى غدا الكثير من الزائرين يشدون رحالهم الى كربلاء امين مشهد الامام الشهيد بأعتباره باباً من الابواب العلوية التي امر الله تعالى بأتيانها والدخول منها، يقول الشاعر السيد محمد الزيني في هذا السياق:

نازلنا بها والركب شتى شؤونهم

فمن سائل عفواً ومن امن جدوى

وكان ابن حماد قد تحدث من قبل عن قبور اهل البيت (عليهم السلام) في كربلاء ونص على ما فيها من معنى الغوثية التي تنجد المستغيثين وتدفع الضر عن المكروبين فقال:

قبور عليها النور يزهو وعندها

صعود لاملاك السماء ونزول

قبور بها يستدفع الضر والاذى

ويعطي بها رب العلا وينيل

وهذه الدوافع الاخرى هي على انواع، فمنها ما هو من محض الحاجة المعنوية الاخروية ومنها ما يراد لحياة الانسان في هذه الدنيا، من الاولى طلب المدد والشفاعة وغفران الذنوب ومن الثانية الاستجارة بمقام سيد الشهداء (عليه السلام) من شدائد الدنيا والاستغاثة من نوازل الاهوال بما فيها من دفع العدو وطلب الشفاء والرغبة في النوال.
ان هذا التوجة الى مشهد الامام ابي عبد الله الحسين (صلوات الله عليه) بمثل هذه الحاجات انما هو استجابة للاحاديث الوفيرة التي جاءت عن ائمة الهدى المعصومين (عليهم السلام) حول خصائص عزيز الله الامام الحسين (عليه السلام) وخصائص مزاره الطاهر في كربلاء، يجعل استجابة الله تحت قبته والشفاء في تربته وصار هذا الشأن معروفاً شائعاً بين اولياء اهل البيت (عليهم السلام) ومحبيهم وعارفي مقامهم، تعرف به النصوص وتصدق التجربة به في تفاصيل كثيره والمستمرة الى اليوم. ابن حماد ضمن هذا المعنى في ابيات له من شعر المزار فقال:

لو درا زائر الحسين بما

او جبه ذو الجلال للزوار

فله عفوه ورضوانه وعنهم

وحط الذنوب والاوزار

وتناديهم الملائك قد اعطيتم

الامن من عذاب النار

ويقول الاله جل اسمه الاعلى

لمن يهبطون في الاخبار

بشروهم بأنهم اوليائي في

اماني وذمتي وجواري

وخطاهم محسوبة حسنات

وخطاهم عفو من الغفار

وعليه اخلاف ما انفقوه

ضعفا من درهم ومن دينار

ونقرأ من النماذج الاخرى قول ابن المعلم الواسطي من القرن السادس:

يا زائر المقتول بغياً قف على جدة

يقابله هنالك مصرعه

وقل السلام عليك يا مولى به

يرجو الشفاعة عبدك المتشيع

ومنها قول حسن بن عبد الباقي العمري من القرن الثاني عشر يخاطب الامام الحسين (عليه السلام):

يا بن بنت الرسول قد ضاق امري

من بناء وغربة وافتراق

ودجى الخطب والمصائب القت

رحلها فوق ضيق هذا الخناق

جئت اسعى الى حماك ومالي

لك والله ما سوى الاشتياق

ان الاستغاثة بالامام الشهيد ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) طلباً للشفاء ببركته وبتربته فهي ظاهرة معروفة في القديم والحديث، منها ما ورد في شعر مهيار الديلمي في القرن الخامس إذ صور ما يحمله الزائرون من التربة الحسينية إذا عادوا الى اهليهم واصدقائهم يقول:

واهدى اليه الزائرون تحية

لاشرف ان عيني له لن تشارف

وعادوا فذروا بين جنبي تربة

شفائي مما استحقبوا في المخاوف

هذا وقد اضحى طلب النوال والنجدة والاستغاثة اللائذة بمقام سيد الشهداء (عليه السلام) من التقاليد الراسخة في شهر المراثي الحسينية طوال قرون مديدة إذ درج الشعراء في الغالب على ان يختموا قصائدهم بأبيات فيها الامل والرجاء وفيها الطلب والرغبة في الندا والنوال. شكراً لكم ايها الاحبة والى ملتقى آخر جديد نستودعكم الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة