هذه هي الحلقة العشرون من سلسلة بودكاست "تاريخ العالم" ، قصص وذكريات الأطفال والشعراء والفلاسفة، وحتى طيور الوقواق.
سعياً لتحقيق مزيد من التقدم، أراد الرأسماليون أن يعمل جميع الناس إما في الحقول والمراعي أو في المصانع. استغلت الحكومة، التي كانت بحاجة إلى أموال هؤلاء الأثرياء، العاطلين عن العمل والمتسولين. نصّ "قانون معاقبة المتسولين" الذي صدر في إنجلترا على أنه إذا وُجد شخص سليم متسولا، فإن الشرطة ستعتقله وتوسم على صدره بالنارعلامة حرف "V".
كان يُسلّم المتسول إلى رجل محلي ليكون عبداً له لمدة عامين، لا يتناول إلا الماء والخبز وبقايا اللحم. وإذا عاد للتسول بعد ذلك، يُوسم بحرف "S " على جبينه ويُحكم عليه بالعبودية مدى الحياة.
وأمر قانون آخر بربط العاطلين عن العمل بظهر العربات، وجلدهم، ثم وضع حلقات حديدية ثقيلة حول أعناقهم. وهدد قانون آخر ضد المتسولين بحرق آذانهم اليمنى وثقبها، وإذا استمروا في التسول يُعدمون.
سُنّت كل هذه القوانين لزيادة عدد العمال والحفاظ على انخفاض الأجور. في فرنسا، كان على من لا يجد عملاً الاختيار بين الترحيل أو التجديف. أنشأت الحكومتان الهولندية والفرنسية "مطاردة المتسولين" للعثور على من يجدفون في السفن. بل أجبرتا المحاكم على فرض التجديف على جرائم بسيطة.
كان أصحاب المصانع يُجبرون حتى الأطفال على العمل بالآلات الضخمة. في بلجيكا، كانت صناعة النسيج الشبكي حكرًا على الأطفال، وكان تشغيل الفتيات فوق سن الثانية عشرة في هذه الصناعة محظورًا. كان الأطفال يطيعون أوامر أصحاب العمل بسهولة، ويتقاضون أجورًا أقل من البالغين. بل إن الطعام الزهيد الذي كانوا يتناولونه في المصانع كان يُعتبر أحيانًا أجرًا لهم.
في إنجلترا، باعت العديد من الجمعيات الخيرية التي أُنشئت لدعم الأطفال هؤلاء الأطفال لأصحاب المصانع.
كانت مصانع لانكشاير في شمال غرب إنجلترا تعجّ بهؤلاء الأطفال. أخبر رؤساء هذه الجمعيات الأطفال أن رجالًا ونساءً طيبين ينتظرونهم في المصنع، وسيقدمون لهم اللحم المشوي والحليب، وسيركبونهم على خيولهم الخاصة، وسيمنحونهم ساعات ذهبية ونقودًا!
في برمنغهام، دخل المصنع أطفال لا تتجاوز أعمارهم سبع سنوات ؛ أما في شمال وجنوب غرب إنجلترا، فقد تم تشغيل أطفال لا تتجاوز أعمارهم خمس بل أربع سنوات، على آلات الغزل. عندما أبلغ المصنّعون الحكومة عام ١٧٩٦ أنهم لا يستطيعون دفع الضرائب الجديدة، ردّت الحكومة الإنجليزية قائلة: "شغّلوا الأطفال لتقليل تكاليفكم".
كان الأطفال يعملون من 12 إلى 18 ساعة يوميًا في المصانع، وكان يُنظر إلى صاحب العمل الذي يُلزم الأطفال بالعمل 13 ساعة فقط،على أنه صاحب عمل رحيم وإنساني. أحيانًا كان الأطفال ينامون من شدة الإرهاق، فتُقطع أصابعهم تحت الآلات. لم تكن بيئة المصانع صحية، فالنوافذ ضيقة ومغلقة في أغلب الأحيان. تسبب الغبار المتصاعد من القطن في إصابة الأطفال بأمراض تنفسية.
في عام 1784، في مدينة مانشستر، حيث كانت تقع أكبر مصانع النسيج في العالم، فتك مرض غريب بالعديد من الأطفال العاملين، وسُمي هذا المرض "حمى المصانع".
انتشرت رغبة الثراء تدريجيًا في أرجاء أوروبا، حتى أن الكهنة والفلاسفة والكتاب سعوا إلى جمع المزيد من الثروة. كان الأب أنطوان دولا والت كاهنًا فرنسيًا انضم إلى جمعية اليسوعيين عام ١٧٥٠. كانت جماعة اليسوعيين تسعى لنشر المسيحية في العالم، داعيةً الناس إلى حياة بسيطة متواضعة، معتبرةً تكديس الثروة من مكائد الشيطان.
طلب الأب أنطوان من الجمعية إرساله إلى جزر البحر الكاريبي لنشر المسيحية. كانت بعض هذه الجزر خاضعة للحكم الفرنسي، وقد أُقيمت فيها مزارع واسعة لقصب السكر.
بدأ الأب أنطوان بالتبشير في هذه الجزر، وبعد فترة كتب رسالة إلى الجمعية يقترح فيها إنشاء مدارس في أنحاء متفرقة من العالم، والانخراط في أنشطة اقتصادية لتمويلها. كانت موافقة الجمعية على هذا الاقتراح كافيةً للأب أنطوان لينطلق في مسيرة لا نهاية لها.
استخدم الأب أراضٍ شاسعة في جزر الكاريبي، وبدأ بتصدير البن والسكر إلى أوروبا. أسس مصنعًا للسكر في فرنسا، ثم أنشأ شركة تجارية في الهند، منافسًا بذلك الشركات الفرنسية الأخرى. اشترى الأب أنطوان آلاف العبيد السود لتوسيع مزارعه من قصب السكر والبن. حينها، بات الجميع يعلم أنه كان يستغل اسم اليسوعيين فقط، وأن كل هذه الأموال ملكٌ له.
واصل الأب أنطوان دولا والت الاستثمار في المزارع وتجارة الرقيق، وأسس شركات، و قد زادت ثروته يومًا بعد يوم. اعتبر الفرنسيون ثروة الأب أنطوان مناقضة لشعار اليسوعيين، الذي كان يُشيد بالفقر، ويرى في عبادة المال فخًا شيطانيًا.
دفعت حمى الثراء مجموعة من المؤلفين إلى تأليف كتبٍ تُشيد بعبادة المال والرغبة في الثراء، وتعتبرها أعمالًا صالحة وجديرة بالثناء. كان من بين هؤلاء المؤلفين الفيلسوف الشهير جون لوك.
نشر لوك أهم كتبه في أواخر القرن السابع عشر. في تلك السنوات، كانت إنجلترا تتقدم تدريجيًا في أمريكا، وتَصدُّ الهنود الحمر. ألّف لوك كتابًا بعنوان "رسالتان في الحكم". في هذا الكتاب، اعتبر جون لوك استغلال الإنجليز للأراضي الأمريكية الشاسعة أمرًا طبيعيًا وحكيمًا، لا سيما وأن الهنود، في رأيه، لم يستفيدوا من طبيعة أمريكا. كتب لوك: "تخيل أنك وصلت إلى شجرة تفاح أو بلوط لا يملكها أحد، فإن ثمرة هذه الشجرة ملك لمن قطفها أو جمعها من جذعها.
والماء في الإناء ملك لمن حرره من براثن الطبيعة. لقد وهب الله العالم لجميع البشر، فلا ينبغي لأحد أن يعترض على من أخذ جزءًا منه وترك ما يكفي للآخرين".
كتب لوك هذا النص في الأيام التي وصلت فيها أنباء الحروب وسفك الدماء التي ارتكبها البيض في أراضي الهنود إلى إنجلترا. ولو كان البعض لا يزال يشعر بالأسى تجاه الهنود ويعتبرون أبناء وطنهم عدوانيين وعنيفين، لكانت قلوبهم قد هدأت وعقولهم قد اطمأنت لسماع كلمات فيلسوفهم ومعلمهم العظيم.
في الحقيقة، كتب جون لوك هذه الكلمات ليريح ضميره. كغيره من الأوروبيين، راودته فكرة أن يصبح رأسماليًا، ورأى أن تجارة الرقيق مربحة للغاية. استثمر لوك في شركتين إنجليزيتين لتجارة الرقيق، واشترى جزءًا من أسهم شركة رويال أفريكا، وكان من كبار مساهميها.
لم يكتفِ جون لوك بالاستثمار في هاتين الشركتين، بل امتلك، من خلال خدمة ملوك ورجال دولة نافذين، ثمانية وأربعين ألف فدان من الأراضي في منطقة كارولينا، ليصبح بذلك من أكبر ملاك الأراضي في أمريكا الشمالية. ومن المثير للاهتمام أن رؤساء المستعمرات الإنجليزية استعانوا بكتاباته في "رسالتان في الحكم"، وسنّوا قوانين بشأن ملكية الأراضي. إلى جانب العديد من الأوروبيين الآخرين استغل جون لوك، هذه القوانين للاستحواذ على أراضي السكان الأصليين.
طائر الوقواق طائرٌ يُشاهد بكثرة في إنجلترا أكثر من غيرها من أنحاء العالم. يتميز هذا الطائر بحياة غريبة، فهو لا يبني عشًا أبدًا، وعندما يرغب في وضع بيضه، يذهب إلى أعشاش طيور أخرى، وإذا لم يكن في عشه، يضع بيضه بجوار بيض الطيور الأخرى ويبتعد عنها.
ينام الطائر صاحب العش على البيض ويمنحه الدفء. بعد فترة، تفقس الفراخ، فينقض فرخ الوقواق، الذي لم يفتح عينيه بعد ولم ينمُ ريشه، على فراخ صاحب العش ويطردها من العش واحدًا تلو الآخر. يعود صاحب العش لإطعام الفراخ، معتقدًا أن هذا هو الفرخ الوحيد المتبقي له، فيقدم له كل الطعام.
تشبه تاريخ بعض الدول الأوروبية حياة الوقواق إلى حدٍ ما ، تلك الدول التي دخلت أراضٍ جديدة بعد رحلات بحرية طويلة. كانت هذه الدول في البداية ضيوفًا على السكان الأصليين، ولكن بعد فترة، قضت عليهم واستولت على أراضيهم.
شبّه المفكر الأوروبي لويس مومفورد الرأسمالية ببيضة طائر الوقواق، التي إذا وُضعت في مكان ما، لا تسمح بوجود أي كائن آخر بجانبها.
شركات الهند الشرقية في إنجلترا وهولندا وفرنسا، التي تأسست تباعًا وأرسلت سفنها إلى آسيا، تاجرت مع السكان الأصليين في بداياتها؛ ورغم أن العديد من هذه المعاملات اتصفت بالمكر والاحتيال إذ كانت أسعار السلع بعيدة كل البعد عن قيمتها الحقيقية، لم تكتفِ الشركات بذلك، وبعد فترة احتلت الأراضي وعزلت السكان الأصليين عن جميع مواردها. لكن فرخ الوقواق لم يكن عليه سوى أن يرى نفسه في العش.
لم تستطع الشركات حتى التسامح فيما بينها، وكان التنافس فيما بينها تؤدي إلى حروب تودي بحياة بعضها لتعيش الأخرى.
لكن لم تكن هذه نهاية القصة. فقد تقاتل مساهمو هذه الشركة المنتصرة فيما بينهم في البورصة. حاول كبار المساهمين الاستيلاء على أسهم صغار المستثمرين وإخراجهم من الشركة. بعد القضاء على الدول والشركات، جاء دور القضاء على الأفراد والمواطنين.
في النهاية، لم يستطع حتى اثنان من كبار الرأسماليين البقاء معًا، وفي نهاية المطاف تنحى أحدهما جانبًا ليبقى شخص واحد على رأس الشركة. كانت الرأسمالية كطائر الوقواق الذي سعى إلى القضاء على منافسيه منذ اللحظات الأولى لظهورها، ويمكن تلخيص حياتها كلها في عبارة متكررة:
"في البدء خداع وفي النهاية حرب"