هذه هي الحلقة التاسعة عشرة من سلسلة بودكاست "تاريخ العالم": ذكريات التجارة والتعدين والثورات.
تسببت الثروة التي وصلت إلى أوروبا في فقر البلدان التي احتلتها، هذا من جهة ومن جهة أخرى، أتاحت للعديد من عامة الناس في أوروبا عيش حياة مترفة.
كانت الأواني الفضية شائعة بين الكثيرين، بل إن بعضهم صنع طاولاته وكراسيه من الفضة. وتزينت النساء بالذهب والمجوهرات، بينما طلى الأثرياء سروج ولجام خيولهم بطبقة من الذهب الخالص. لم تعد إلدورادو مجرد أسطورة، فقد زُينت المدن الأوروبية بالذهب من القارة الأمريكية والأحجار الكريمة من أفريقيا، وأصبحت كل مدينة منها إلدورادو حقيقية.
لكن لم يقتصر الأمر على الذهب الذي وصل إلى أوروبا، بل امتدت حمى الذهب تدريجيًا لتشمل سلعًا أخرى. ومن بين هذه السلع التي حظيت باهتمام كبير من الأوروبيين الطعام.
ففي عام ١٥٥٧، كتب السفير الإيطالي لدى فرنسا في رسالة إلى صديقه يقول: "في نُزُل باريس، يُعدّون لك أي طعام مقابل المال. إذا رغبت في تناول لحم طائر الفينيق المشوي (وهو طائر أسطوري يحترق في النار ثم ينهض من رماده)، فسيُعدّونه لك مقابل خمسة وعشرين مسكوكة نقدية."
وكانت الطيور النادرة، مثل طائر الطوقان والدجاج البري، تُشترى بأسعار باهظة لتزيين الموائد، وكانت السلاحف الكبيرة التي تُصطاد في المحيط أغلى من لحم الخنزير البري المشوي. وإلى جانب الطعام، تغيرت أيضًا طريقة تناول الناس له. فقد كتب كاتب فرنسي أن الناس لم يتعلموا كيف يأكلون إلا في منتصف القرن الأخير.
وكان العديد من الأرستقراطيين يوظفون أشخاصًا خصيصًا لخدمة موائد الطعام، ويُطلقون عليهم اسم النُدُل. وصف كتاب طبخ نُشر في فرنسا عام ١٦٥٠ مائدة العشاء على النحو التالي: "يجب أن يجلس الضيوف على مسافة كرسي واحد من بعضهم، وأن تصل حافة المائدة إلى الأرض من جميع الجوانب الأربعة.
يُقدّم للضيوف ثمانية أنواع من الطعام. قد يكون الطبق الثامن مربى، أو حلوى، أوباستيل أو لوزًا مُحمّصاً، أو حلوى ذات رائحة المسك أو العنبر. يأمر كبير النُدُل، وسيفه مُعلّق على خصره، بتغيير الأطباق للطبق التالي. يُستبدل طبق واحد لكل طبق من الطعام، ومنديل واحد لكل طبقين من الطعام"
وبهذه الشهية نفسها، سافر الأوروبيون إلى الأراضي التي غزوها في الشرق والغرب. في إندونيسيا، أثار نهمهم استغرابًا وسخرية. حتى أن أحد الرحالة الأوروبيين أبدى قلقه بشأن الحيوانات في سومطرة، إحدى الجزر الرئيسية في إندونيسيا. كتب في مذكراته:
" إن كنتَ سيدًا كبيرًا تعيش بين الناس، فبإمكانك أن تأكل دجاجة مشوية؛ لكنك لن تتناول وجبة أخرى طوال اليوم؛ لكن الناس يقولون إن هؤلاء الألفي أوروبي الذين قدموا إلى الجزيرة سيلتهمون قريبًا كل الأبقار والدجاج هنا."
كان اهتمام الفرنسيين بتناول أطعمة متنوعة شديدًا لدرجة أن كتاب طبخ بعنوان "الطاهي الحضري" أصبح في عام ١٧٤٦ الكتاب الأكثر مبيعًا في فرنسا، متجاوزًا جميع كتب العلوم والأدب والتاريخ والفن.
امتدت رغبة اكتساب الثراء إلى الأراضي الزراعية في أوروبا. اشترى الرأسماليون الذين يملكون مساحات شاسعة من الأراضي قطعًا صغيرة من الفلاحين وضمّوها إلى ممتلكاتهم. قاموا بزراعة هذه القطع بأدوات أفضل، وتوقعوا أسواقًا أوسع.
ازداد عدد الأغنام التي ترعى في أجزاء من هذه القطع، وارتفع إنتاج الصوف لمصانع النسيج. في حين أن الفلاحين الذين يملكون قطعًا صغيرة من الأراضي لم تكن لديهم أي من هذه الإمكانيات.
تطورت الأدوات الزراعية في هذه الأراضي الشاسعة، وابتُكرت أساليب زراعية جديدة. كان تشارلز تاونزند من أشراف انجلترا حيث ابتكر عام ١٧٣٠ طريقة جديدة لزيادة إنتاجية الأرض، وهي طريقة قوبلت في البداية بالسخرية والاستهزاء من قبل الأشراف الآخرين.
عادةً، كان المزارعون يتركون ثلث أراضيهم دون زراعة كل عام للاستفادة من إمكانات التربة في العام التالي. كان هذا يُعرف باسم "الآيش". لكن تاونزند زرع القمح في جميع أنحاء الأرض في السنة الأولى، والشعير في السنة الثانية، والفاصوليا الخضراء في السنة الثالثة. زرع الشلغم في السنة الرابعة، وجعل أغنامه ترعى فيه لتتغذى عليه وتُخصب التربة بفضل روثها. وفي السنة الخامسة، زرع تاونزند القمح مجددًا.
سخر أصدقاؤه من الطبقة الأرستقراطية من أسلوبه الزراعي هذا، وأطلقوا عليه لقب "السيد شلغم"، ولكن عندما رأوا زيادة محصول القمح لديه بنسبة ثلاثين بالمئة، بدأوا يقلدونه. وهكذا، بدلًا من الحديث عن الكلاب والصيد في مزارعهم، أصبح معظم النبلاء الإنجليز يتحدثون عن الشلغم وسماده.
لكن سرعان ما نسيت تجربة السيد شلغم . فقد اكتشف الأوروبيون نوعًا جديدًا من الأسمدة على ساحل بيرو في أمريكا الجنوبية، يُحسّن خصوبة التربة بشكل كبير. كان هذا السماد يُستخلص من روث طيور النورس على الساحل البيروفي، ويحتوي على نسبة عالية من الفوسفات والنيتروجين، وهما مركبان استُخدما لاحقًا في صناعة الأسمدة الكيميائية.
أدى وصول الأسمدة من بيرو، إلى جانب الأساليب والأدوات الجديدة، إلى زيادة كبيرة في إنتاج المحاصيل الزراعية... بدا وكأن جميع ما أخذه الأوروبيون من سكان القارات الجديدة قد تحول إلى ذهب.
إضافةً إلى سماد طيور النورس، وصلت منتجات جديدة من الأراضي المكتشفة حديثًا، مثل البطاطا والتبغ والفلفل وأزهار الماغنوليا والداليا. أرسل جان نيكو، السفير الفرنسي لدى البرتغال، بذور التبغ التي جلبها البرتغاليون إلى بلادهم إلى ملكة فرنسا. ولاحقًا، سُمّي السم المستخرج من أوراق التبغ "النيكوتين" تكريمًا للسفير. كما قام الأوروبيون بزراعة المزيد من الأراضي للجني هذا المحصول الجديد؛ حتى أنهم جففوا العديد من المستنقعات لتحويلها إلى حقول.
كانت الزيادة في الأراضي والمنتجات الزراعية هائلة لدرجة أنها سُمّيت بالثورة الزراعية. انتقل الفلاحون الذين لم يتمكنوا من منافسة كبار الرأسماليين خلال تلك الفترة، والذين باعوا أراضيهم لهم إلى المدن. ازداد عدد سكان المدن، واضطر هؤلاء الوافدون الجدد للعمل في القطاعات الصناعية. بعد الثورتين التجارية والزراعية، حان دور الثورة الصناعية.
كانت ورش النسيج من أقدم الورش في التاريخ، إذ كان الناس بحاجة إلى الغذاء والملابس قبل أي شيء آخر. وحتى أوائل القرن الثامن عشر، كانت هذه الورش تستخدم آلات بسيطة لنسج الأقمشة ، باستخدام أداة خشبية صغيرة تُسمى "ماكو".
يُدخل الماكو بين خيوط السدى من جهة، ويُسحب من الجهة الأخرى. وفي هذا المسار القصير، ينفصل خيط اللحمة عن الماكو ويسقط بين خيوط السدى. وكانت الأقمشة المنسوجة بهذه الآلة البسيطة ضيقة، لأن النساج كان عليه أن يرمي الماكو ويلتقطه بيده، وكان عرض القماش مساويًا لطول ذراعيه.
كان جون كاي نساجًا إنجليزيًا. في عام ١٧٣٣، اخترع آلةً تقفز للأعلى وللأسفل بضغطة زر، وتهبط على الجانب الآخر حيثما يريد النساج. وبذلك، أصبح بإمكانه نسج أي قماش بأي عرض.
ومن مزايا الآلة التي اخترعها جون سرعتها؛ إذ كانت تُنتج كمية كبيرة من القماش في وقت قصير. قرر جون كاي تركيب آلته في أحد مصانع النسيج بالمدينة. ولكن عندما رأى العمال سرعة إنتاج القماش، توافدوا عليه. أنتجت الآلة كمية كبيرة من القماش، مما جعل العمال يشعرون بالجوع.
احتفظ جون كاي باختراعه في منزله لمدة خمس سنوات، ثم ذهب إلى ليدز. في ليدز، أعجب صاحب المصنع بآلته، واشترى براءة اختراع هذا الاختراع من جون مقابل مبلغ معين. أعطى جون الآلة لصاحب المصنع. تم تركيب أول آلة في المصنع إلى جانب نماذج أخرى؛ لكن صاحب المصنع لم يدفع لجون.
رفع جون كاي دعوى قضائية، واستعان بمحامٍ، لكن أتعاب المحكمة والمحامي كانت باهظة بالنسبة له، فهو نساج بسيط. أُجبر على العودة إلى مسقط رأسه ونصب آلته هناك، لكن أهل البلدة ثاروا عليه، ونهبوا منزله، وهددوه بالقتل. فرّ جون إلى فرنسا، حيث قبلت الحكومة الفرنسية اختراعه ومنحته عوائد مدى الحياة. ورغم معارضة الكثيرين لاختراع جون كاي، إلا أن الآلة وجدت مكانها أخيرًا في صناعة النسيج عام ١٧٦٠.
بعد أن أصبح نسج الخيوط أسرع بكثير بفضل "المكوك القافز"، احتاجت المصانع إلى المزيد من الخيوط. لكن غزل الصوف أو القطن كان يتم باستخدام الآلات القديمة البسيطة نفسها، وكانت آلة النسيج تبقى معطلة لفترة طويلة حتى يتوفر ما يكفي من الخيوط. الشاب الفرنسي الذي كان ُيدعى "لويس بول"، وقد هاجر إلى إنجلترا، وجد حلاً.
بنى لويس، مع صديقه الإنجليزي جون وايت، آلة تغزل خيوط الصوف أو القطن المتشابكة بسرعة. كما كان بإمكان المشغل ضبط سُمك الخيط حسب الرغبة. وهكذا، أصبحت المصانع قادرة على إنتاج كميات كبيرة من الخيوط. لكن لإنتاج خيوط القطن، كانت هناك حاجة إلى كميات أكبر من القطن النظيف. وحتى ذلك الحين، كان العمال يفصلون بذور القطن عن أليافها يدويًا، وكان وصول بعض القطن النظيف إلى آلة الغزل يستغرق وقتًا طويلاً. عانى المصنّعون ولجأوا إلى الحرفيين بحثًا عن حل، إلى أن تم اختراع آلة تفصل بذور القطن عن أليافها أخيرًا عام ١٧٩٢.
لكن هذه الآلات كانت بحاجة إلى قوة جديدة تفوق قوة الإنسان. في البداية، استُخدمت قوة مياه الأنهار، التي كانت تُحرك عجلة كبيرة كما في طواحين المياه، وكان محورها يُشغل آلات المصنع. وهكذا اضطر المصنّعون إلى بناء مصانعهم على ضفاف الأنهار.
بعد فترة اخترع الصناعي جيمس واط المحرك البخاري، الذي كان صغير الحجم وعجلاته تدور بسرعة أكبر. حاول كثيرون قبل جيمس واط، بناء هذه الآلة، لكن واط أتقن تصاميمهم وصنع آلة مفيدة للمصانع. تطلّب بناء هذه الآلات والأجهزة كميات أكبر من الحديد والصلب، لذا تم استخراج المزيد من المناجم وتوظيف المزيد من العمال فيها.
تطلّبت آلات الغزل والنسيج الضخمة، التي كانت تُوضع أحيانًا بأعداد كبيرة، مساحاتٍ أوسع؛ ما استدعى استيراد كميات أكبر من القطن والصوف. كما استلزم الأمر تخطيطًا دقيقًا لشحن المنتجات وجلب المواد الخام إلى المصنع. كل هذا تطلّب رأس مالٍ وفير، وهنا انطلق كبار الرأسماليين الذين جنوا ثروات طائلة من شركات الأسهم وسوق الأوراق المالية نحو الصناعة؛ رأسماليون اكتسبوا ثرواتهم الأولية من وراء البحار ومن عمل وموارد سكان أمريكا وآسيا وأفريقيا الأصليين.
عندما قرر هؤلاء بناء مصانع ضخمة، بُنيت المزيد من الآلات، واستُخرجت المزيد من المعادن، وأُنتج المزيد من الحديد والصلب، وصنعت سفن أكبر. بعد الثورة الصناعية، ازداد ثراء الرأسماليين الذين يملكون هذه المصانع ببيع منتجاتهم إلى دول آسيوية وأفريقية. ثروةٌ جُمعت من ذهب الهنود وعرق دماء السود.