البث المباشر

العقاب

الإثنين 7 أكتوبر 2019 - 11:50 بتوقيت طهران

اذاعة طهران – قصص الصالحين : الحلقة : 14

 

 

كل شيء راح ينقلب ويخرج عن طوره، السماء تفتح أبوابها بماء اسطوري منهمر، الأرض تفغر أفواهاً لاتحصى، نافورات خرافية، الرياح تعصف بقوة خيالية والرعد يقصف ويزمجر. كل شيء وكل شيء يدمر ويتمرد وكأنه ذات ارادة علوية قاطعة قررت وضع نهاية شاملة مروعة للكون.
الكثير من الكائنات البشرية التي أصبحت نقاط وهمية في هذا البحر الطامي الذي غطى كل شيء في دقائق معدودة إنهارت وإستسلمت للطوفان بعد أن صرعته طويلاً، القليل منها راح يتسلق سفوح الجبال ساعياً أن يجد في ذلك ملاذاً له. لم تكن هناك فرصة للتفكير ومحاولة إدراك كل ما يحدث، كل ما بدا لأول وهلة أن هناك عملية إنتحار جماعية شاملة، عملية وأد مروعة تقوم بها الطبيعة لأبناءها. أشياء كثيرة راحت تطفو ثم تغطس، تظهر فوق سطح الماء قليلاً ثم يغيبها الموج. ومن بعيد، بعيد جداً بدا شيء كبير ظل صامداً يلازم الأمواج دون أن يبدو عليه أنه سيتنازل وظل يكبر ويكبر كلما تقدم وهو يجري في موج كالجبال. وشيئاً فشيئاً بدت معالمه تتوضح وتتبين، كانت هناك سفينة ضخمة على مدى البصر تسير ببطئ متمايلة مترنحة ومن على سطحها أطلت رؤوس بشرية ومن وراءها حيوانات وأشجار. أنها سفينة غريبة بل قل إنها رحلة عجيبة حقاً، من أي عالم إنبعثت هذه السفينة؟ وما معنى وجود كل هذه الكائنات الحية على ظهرها؟ هل أن ركابها قرروا وهم يشدوا رحال السفر الإحتفاظ بذكرى عن عالمهم البعيد؟ أم أنهم أحسوا الخطر المحدق وحدسوا أن هناك تدميراً ماحقاً وشيكاً فأرادوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ ولكن من أين لهم أن يعرفوا ذلك؟ وأنى؟ أتراهم الذين خططوا لإفناء الحياة وبهذا الشكل المريع؟ ثم ركبوا سفينتهم للهروب من وجه الفناء؟ أم أن وراء ذلك ما وراءه؟
ظهور هذه السفينة العملاقة وسط ذلك المحيط المائي الذي لاحدود له أثار سؤالاً كبيراً وكبيراً، ترى هل أن هذا الانقلاب الشامل ثورة عفوية جامحة لعناصر الطبيعة أم أنه ثورة مدبرة وهادفة؟ وهل أن عندما يزهق الطوفان أرواح الموجودات على وجه الأرض سينجو ركاب هذه السفينة المتأرجحة بين السماء والأرض أم أن ذلك لون من العبث يحلو للطبيعة او للأقدار ممارسته متى عم له ذلك أم أن هناك حملة تطهير شاملة تجري بحساب وتدبير مسبق ومتقن؟
ألواح خشب مختلفة الأشكال والأحجام موزعة هنا وهناك وحفرة ليست بعميقة ممتلئة بمادة دهنية كالقطران. مطارق من الخشب والحجر وأشياء عديدة اخرى متناثرة حوله وهو ينكب بنشاط وجد وحرص على عمله، رجل ضخم البنيان، نافذ النظرات، ذو طلعة بهية ومهيبة. بدا منهمكاً في عمله ولم يسمع منه إلا رداً واحداً على المارة الذين راحوا يتهكمون ساخرين من عمله وجدواه. قال أحدهم: ههه ههه وأخيراً أصبحت نجاراً ههههه يبدو أخيراً أنك إقتنعت أن لافائدة من النبوة؟؟ أجل أجل أنه عمل لاطائل من وراءه، اللهم إلا الأتعاب والمشاكل. لاعيب في ذلك، لاعيب!! أبداً! كثير من الناس يلجأون الى تغيير مهنهم عندما يفشلون في تحقيق نجاح ما!
بدأ الثاني من حيث إنتهى صاحبه قائلاً: هذا اذا وفق في مهنته الجديدة، ولاأراه كذلك ولاأرى من يبتاع منه هذه السفينة؟ وما عساه أن ينتفع بها في هذه الأرض اليابسة؟
أمسك الثالث بطرف الحديث مقترحاً: أرى أن تكون عشرة من الثيران القوية وهي تتكفل له بإيصالها الى الماء!
كان الرجل يرد بكلام واحد وهو منصرف الى عمله دون أن يلقي عليهم نظرة واحدة او يعيرهم أدنى إهتمام. "إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون".
أطلق نظرة عميقة محاولاً الإنصراف لمتابعة شريط الذكريات الذي وجده ليطوقه بقوة، أمسك بحافة السفينة، ركز نظره في أعماق المياه بيد أن عينيه سرعان ما سرحتا الى بعيد "إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم".
تقدم أحد من بين الحشد الذي إستيقظ في خياله وقال: "ما ذاك إلا بشراً مثلنا وما نراك إتبعك إلا الذين هم أراذلنا وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين".
إبتسم الرجل بمرارة وهو يطرق الى الأرض ثم رفع رأسه وقال: أرأيتم إن كنتم على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون".
ثم تابعوه وهو يجيل فيهم نظرات قوية وثابة "لاأقول لكم عندي خزائن الله ولاأعلم الغيب ولاأقول إني ملك ولاأقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم إني اذن لمن الظالمين".
صاح رجل بصوت مبحوح: "يانوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فإتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين".
إلتفت الى القائل ونطق بلهجة تحذير واضحة "إن ما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين".
إبتعد الرجل عن حافة السفينة بعد أن مسح أهدابه المبتلة بالدموع عازماً للمرة الأخيرة على غلق ملف ذكرياته المرة.
لازالت السفينة تسير متأرجحة وما فتأت الأمواج العنيفة تضرب جوابها بقوة وعناء وغير أصوات مختلطة لحيوانات مختلفة ومتنوعة لايكاد يبين صوت عن آخر. كان الركاب يجلسون بطمأنينة وثقة، وجوههم تفيض بإشراقة الايمان والسعادة لأنهم يعيشون بمعزل عن هذا العالم المضطرب المرعب. أجل كل شيء في هذا العالم يعيش الفوضى والإرتباك بل والإنهيار. وعندما تهتز الحياة بمثل هذه الهزة ليست الطبيعة وحدها التي تهتز وتتزلزل بل إن الزلزال سيمتد الى جميع مرافقها ومناحيها، زلزال نفسي، عقائدي، اجتماعي فردي. زلزال، زلزال الى ما لانهاية له. بيد أن هذه الثلة المؤمنة، هذا المجتمع الصغير الذي يحاصره هذا المحيط الكبير المتلاطم يعيش حالة الاستقرار النفسي، حالة من سكينة مركوسة القلب وكالطالب الذي غادر قاعة الامتحان الصعب وهو واثق من النجاح الباهر. كان الجميع ينظر الى ما حوله برضى وتفاؤل. ولكن التجربة الجديدة المنتظرة لم تكن لتغيب عن الأذهان! أجل سيعودون الى الأرض بعد أن ولدوا من رحم الموت. سيبدأون الحياة كرواد اوائل على الطريق الطويل الطويل. قال أحدهم وهو يتوسط حلقة من أصحابه: ترى كيف سنواجه الحياة على أرض خالية؟ إنني أعتقد أنه لأمر صعب غاية في الصعوبة!
أجابه الآخر: أوتعتقد أن مثل هذا الأمر يعزب عن علم الله وتدركه عقولنا؟ وإبتسم وهو يضيف: هون عليكم ياأخاه!
وتابع أخاه: على خلاف ما تراه ستجد أن الحياة قد غدت سهلة يسيرة!
أجل فعندما نجتث النباتات الضارة من حقولنا وعندما نميط الأذى عن طريقنا وعندما نمحي كل أمر ضار وفاسد من حياتنا فإنها ستزدهر وتنمو سريعاً لأنها لاتجد مقاومة. هنا تخوض صراعاً! وتوقف قليلاً وهو يتطلع الى الأفق البعيد كأنه يحاول قراءة صفحة الغيب وقال: أه إنها حياة سنحسد عليها، وكيف لاتكون كذلك؟ حياة تخلو من الظلم والتعدي، تختفي منها شوائب القهر والإضطهاد، تسلم من العتو والعلو والتسلط، حياة يشيع فيها الأخاء والصفاء، يعمها العدل والمساواة، تشرق في ربوعها شمس الحرية والكرامة.
ثم توقف من جديد وأضاف: وليس لنا يا أخاه أن نحار او نخاف ونحن نسير في هدى السماء!
أقلعت السماء عن المطر وأطل الركاب السفينة، سكان هذه الجزيرة المتحركة، هذا الجزء المعمور من دون اجزاء الأرض. أطلوا دفعة واحدة وكأنهم على موعد مع حدث هام ورويداً رويداً بدأت تتشكل على البعد أشبه بالسفينة الصغيرة الطافية على سطح الماء. وشد هذا المشهد ركاب السفينة، ما هذا؟ أيمكن أن تكون سفينة أخرى مثل سفينتهم؟ أما نوح فقد تلألأ وجهه بشرى وحبوراً.
وإقتربت السفينة الصغيرة او إقتربت السفينة الكبيرة منها ولكن لن تكن هناك أي سفينة اخرى على الإطلاق! تطاولت الأعناق أكثر وأكثر وتعلقت العيون في البقعة الصغيرة التي لم تكن إلا قطعة صغيرة من الأرض. أجل من الأرض وتباشر الجميع وتصاعدت كلمات الشكر وتنهدات الإرتياح.
وإرتفع صوت أحد الرجال متسائلاً: أفي شرق الأرض نحن أم في غربها؟
رد عليه الآخر قائلاً: يقول النبي نحن فوق قمة الجبل الجودي من أرض نينوى!
تعالت صيحات التعجب غير أن صوتاً عالياً عميقاً كأنما إنشقت عنه أستار الغيب راح يدوي "يانوح إهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يسمهم منا عذاب أليم".
خشعت القلوب لجلالة هذه الكلمات وإبتلت الأهداب بالدموع وغيض الماء وإنحسر عن بقع أرضية صغيرة هنا وهناك. وهبط عباد الله الصالحون من السفينة يتقدمهم نوح وإنتهت الرحلة بسلام.
كان الفرح يغمر الجميع ولكنه فرح من نوع آخر. سلام عليكم، سلام عليكم، سلام عليكم، سلام عليكم. كانوا يتبادلون هاتين الكلمتين وكأنهم يتبادلون بشارة كبيرة. وكيف لا وإنها نتيجة الامتحان الرباني بالفلاح والقبول. وكان نوح يحدق في الأرض التي طهرها الله من ثقل الآثام والأوزار البشرية، عقم أجواءها من الأنفاس المريضة وقد إستغرقه التفكير. ترى أيكون هذا الطوفان هو الأخير أم أن الأرض بحاجة الى حملة تطهير شاملة اخرى.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة