البث المباشر

الجنة الدائمة والجنة الفانية

الإثنين 7 أكتوبر 2019 - 11:09 بتوقيت طهران

اذاعة طهران – قصص الصالحين : الحلقة : 12

 

إصطبغ كل شيء بلون الليل البهيم وساد الصمت والسكون أرجاء المدينة وإنقطع المارة فلن يعد يسمع أي صوت اللهم إلا نباح كلب هرم يصل من بعيد متقطعاً. المدينة هادئة ساكنة كطفل وديع يغفو في مهده مطمئن البال ورغم الظلام الكثيف فقد بدا أن هناك خطوطاً تشتد سواداً، أشباحاً عديدة تلوذ بأشجار الفواكه والنخل او تحتمي بالزوايا ومنعطفات الأزقة. هكذا يبدو المشهد للناظر أول وهلة فيخال أنها صورة من وحي الخيال لاغير ولكن سرعان ما تتجسد الحقيقة مخيفة غامضة. سمعت همسة خفيفة لعلها كلمة او صفير ضعيف او صوت طائر صغير او حشرة ثم ما لبثت الأشباح أن دبت فيها الحياة وإهتزت وبدأت تسعى من تلقاء نفسها، وشيئاً فشيئاً راحت الصورة تتوضح وتصبح أكثر جلاءاً وبدا عشرات الرجال المسلحين بالسيوف والأعمدة يتحركون بحيطة وحذر، من يكون هؤلاء؟ أهم من اللصوص أم من رجال الشرطة؟ ربما كانوا شرطة! ولكن الى اين هم ذاهبون؟ وماهي المهمة التي كلفوا القيام بها ياترى في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟
غص الباب على سعته برجال البلاط وحكام الأقاليم وأمراء الجيش، وفي صدر المجلس تربع الخليفة العاشر من بني العباس على سرير مذهب وراح يكرع كؤوس الخمر بشراهة. ورغم أن المجلس أعد ليكون مجلس شرب وقصف إلا ان جواً من التوتر لايعرف مصدره خيم على المكان وشحنه بالإرتباك. حاول أحد حكام الأقاليم تبديد الجو السائد بيد أن الخليفة قطع حديثه بإشارة خفيفة ومال على وزيره يهمس في أذنه. في زاوية قصية من البهو واصل رجلان حديثهما الهامس بحذر، قال الأول بدهشة: إني لأعجب ليستخدم الخليفة علي بن محمد الى سامراء ولايوكل امره الى عامله في المدينة فيريحه منه.
ردّ الثاني بإنكار: ما تقول يارجل؟ أوحسبت الأمر هيناً الى هذا الحد؟ أو لاتعلم أنه الشخص الذي إنتهت اليه زعامة البيت النبوي؟
ولكن لم أشخصه الى هنا؟
الأمر واضح تمام الوضوح!
وكيف؟
ليقطعه عن أنصاره وشيعته ويجعله رهن مراقبته بإستمرار!
ها أمر عجيب، لم يخطر لي على بال. ولكن أترى إبعاد الرجل عن المدينة وإبقاءه في سامراء كافياً لأن يصرفه عن التفكير بالزعامة وتولي مقاليد الحكم؟؟
كلا كلا انا لاأرى ذلك، ولاأعتقد أن الخليفة يراه!!
المهم أن يكون هناك تدبير ما
إسمع إن الخليفة لم يكن ليكتفي أن يشخص علي بن محمد الهادي الى هنا منتقلاً الى المدينة وسامراء وحسب. وهل إن تغير موطن الرجل وسكناه تغير شخصه؟ أبداً أبداً إن ما يرموه الخليفة إبعاده عن أنصاره وشيعته كما قلت ومن ثم إحباط تدابيره وخططه وذلك من خلال سلبه الشعور بالأمن وزعزعته نفسياً وجعله عرضة للسجن والإستجواب في كل لحظة.
ها قل إشغاله بأمر نفسه!!
تماماً
ولكن أينبغي أن يكون هناك سبب وإن كان ظاهرياً للسجن؟
الخليفة لايعجزه إصطناع مثل هذا السبب، ألم تسمع ما قاله لصاحب الشرطة اليوم؟
كلا!!
قال له: إذهب وإتني بعلي بن محمد على الحالة التي تجده عليها فقد علمت أنه يجمع السلاح والأموال في بيته للوثوب بالدولة.
تقول إن الشرطة ذهبوا لإحضار علي بن محمد ؟
ولهذا دعا الخليفة رجاله لهذا الاجتماع!!
كان الصوت ينساب في هدئة الليل من غرفة مغلقة رخيماً عذباً فيبعث على الخشوع والرهبة، تتماوج موسيقاه فتلين وتترقرق طوراً وتشد وتتوتر آخر وكأنه يواكب حركة مشهد حي متحرك يهدأ ثم يثور فجأة. بحر ينبسط ويطمئن تارة ويتمرد ويهيج اخرى. تحس من وراء تلك النبرات الملائكية المتجانسة أن قلباً يخفق بين الخوف والرجاء، روحاً ينصهر على مهل فيكسو الكلمات روحاً وألقاً خاصاً. من وراء الباب المغلق ذاك جلس رجل مكتمل الرجولة مفترشاً الرمل والحصى وقد ألقى على كتفيه رداءاً صوفياً، كان وجهه الأسمر يفيض بنور بألق خاص، عيناه المحدقتان في الكتاب كأنهما لجة عميقة الغور تكتنفها الأسرار، كفاه حملتا مصحفاً شريفاً تقوستا في ضراعة، كل شيء فيه يحكي عن عروج ملكوتي، تحليق في عالم بعيد، عالم فوق عالم السموات والكائنات والأجرام والكواكب، عالم مطلق لاحد ولانهاية له. وعلى نقطة تكاد تكون وهمية فوق كوكبنا الصغير هذا زحفت عدة كائنات بشرية نحو مصدر النور ذاك، كائنات زاحفة، بهر عيونها النور فراحت تبحث عنه لتطفأه، إنها لاتهنأ لها الحياة إلا في الظلام. وزحفت وزحفت وكل ماإقتربت من شعاع النور إنكمشت وتضائلت وتذبذبت كالحشرات الباحثة على الجدران عن شقوق تختبأ فيها، تواصلت الأنشودة الإلهية الخالدة وإستمر الصوت السماوي الشجي يترنم بآيات الذكر الحكيم. لم يعكر عليه صفاءه طنين الذباب الذي إقتحم عليه خلوته فجأة.
لازال الكأس مصافحاً يد المتوكل ولم يفارقه منذ ساعة وما فتأ رجال حاشيته وأمراء جيشه وذووه يكرعون نخب الخليفة وينحنون له ممتنين حامدين بركات امير المؤمنين. ويستخف الخليفة الفرح فينادي على الساقي أن يريق الخمر على الأرض حتى تتشرب أقدام القوم وترتوي عروقهم.
ويدخل الحاجب مضطرباً: سيدي لقد عاد الرجال بعلي بن محمد ويقولون إنهم لم يجدوا في بيته شيئاً، وقد دخلوا عليه وقد كان يقرأ القرآن مستقبلاً القبلة!!
وأردف: هل أدخلهم عليك؟؟
دعهم يدخلوا!! قال الخليفة ذلك وإنخرط في نوبة ضحك لامبرر لها!
رجع الحاجب يتعثر بخطواته، وبعد لحظة قصيرة دخل رجل أسمر مهيب الطلعة يحفه عدد من الرجال المسلحين. وما إن أرمقه الخليفة بطرفه حتى تراقصت عيناه إرتباكاً وإهتزت الكأس في يده فقام إجلالاً له ودعاه للجلوس الى جنبه، وتملكت الخليفة الحيرة قليلاً، كيف يتخلص من هذا الكأس اللعين؟ ولم يسعفه رأسه الثمل إلا بفكرة سقيمة، بادر الأخذ بها دون مزيد تفكير فقدم الكأس لضيفه، أعني سجينه.
ردّ الرجل وقد إصطبغت سيماءه الصافية بحمرة الغضب: والله ما يخامر لحمي ودمي قط.
ضحك الخليفة بإرتباك وقال: هه هه اذن انشدني
إني قليل الرواية للشعر !
لابد من ذلك!
تصلبت ملامح الرجل قليلاً وراح ينشد:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم

غلب الرجال فلم تنفعهم القلل

وإستنزلوا بعد عز عن معاقلهم

وأسكنوا حفراً يا بأس ما نزلوا

ناداهم صارخ من بعد دفنهم

اين الأساور والتيجان والحلل

اين الوجوه التي كانت منعمة

من دونها تضرب الأستار والكلل

فأفصح القبر عنهم حين سائلهم

تلك الوجوه عليها الدود يقتتل

قد طالما اكلوا دهراً وقد شربوا

قد أصبحوا اليوم بعد الأكل قد أكلوا

وطالما قد عمروا دوراً لتسكنهم

ففارقوا الدور والأهلين وإنتقلوا

وطالما كنزوا الأموال وإدخروا

ففرقوها على الأعداء وإرتحلوا

أضحت منازلهم قفراً معطلة

وساكنوها الى الأحداث قد نزلوا


كان الرجل ينشد وفي صوته رنين عجيب، صدى مفزعاً، كأن قبوراً مكشوفة فاغرة أفواهها المقيتة ومن داخل أجوافها المظلمة راح يتصاعد رجل مضخم مرعب لحسيس الدود وهو يتصارع على أجساد الموتى المتعفنة.
هال الخليفة ما سمع وأرعب ونسي تحت تأثير الخمرة كبرياءه وعظمته الزائفتين وإنخرط في نوبة بكاء مرير. بكى الخليفة كبكاء الطفل الصغير الذي جرف التيار دميته بعيداً فقنط من إستعادتها، دميتي دميتي، أريد دميتي!!
ويبكي الخليفة يبكي، يبكي دنياه الزائلة، جنته المدبرة، جنته ليست خالدة، لن تبقى له، تخرج من يديه، دنياي، أريد دنياي!!
ويبكي الخليفة حتى إبتلت لحيته وبكى رجاله تملقاً او خيفة. أما الهادي فكانت ملامحه النورانية الوقور صورة موحية وعيناه تلك اللجة البعيدة الغور المحاطة بالأسرار.
ويسمح الخليفة دموعه وينهض ويتقدم من سجينه به بإحترام ويهمس اليه بكلمات. ويخرج الرجل مودعاً هذه المرة ونظرات الاحترام والإكبار تشيعه.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة