المعاجز في سيرة المسيح عليه السلام

الأحد 17 مارس 2019 - 15:59 بتوقيت طهران

الحلقة 66

بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله خير الاسماء بسم الله رب الارض والسماء وافضل الصلاة واتمّ التسليم على خير خلقه محمّدٍ وآله الطيبين الطاهرين، والسلام عليكم أحبة القرآن ورحمة الله وبركاته. اهلاً ومرحباً بكم أيها الأفاضل ندعوكم الى هذه المائدة السماوية القرآن الكريم حيث نتزوّد من القصص المباركة التي أوردها الله عزوجل لهداية الانسان الى طريق الخير والفلاح. تعالوا معنا أيها الأفاضل لنواصل حديثنا الذي شرعنا في اللقاء الماضي حول حياة نبي الله عيسى عليه السلام، فنتناول هنا المشهد الذي حكتة الاية مئةٌ وعشرةٌ من سورة المائدة المباركة. فتابعونا متفضّلين وعبر المحطات التالية:
بعد مقدمةٍ قصيرةٍ ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الآية المباركة. ثم نتطرق الى شرحٍ بسيطٍ لمفرداتها وعباراتها. نتوقّف عند إجابة خبير البرنامج عن تساؤل حول سبب اقتران اسم السيدة مريم (سلام الله عليها) امّ السيد المسيح (عليه السلام) عندما يذكر الله تعالى إسباغه النعم التي منّ بها على المسيح لوحده؟ ثم نتابع معاً هذا الجزء من حكاية السيد المسيح (عليه السلام). ونواصل البرنامج بتقديم روايةٍ عن الإمام الرضا(عليه السلام) بشأن الموضوع. ومسك ختام مع باقةٍ من الدروس والعبر المأخوذة من هذه الحكاية لقرآنية. وإلى فقرات هذا اللقاء.

المقدمة

مستمعينا الكرام جرى الحديث في اللقاءات الماضية عن ولادة سيدنا المسيح (سلام الله عليه) وما واجهته أمه مريم البتول عليها السلام من الكلمات والتهم اللاذعة من قبل أحبار اليهود. ثم تابعنا كيف أن الله تعالى أنطق المسيح (عليه السلام) وهوفي المهد. الآية التالية تستعرض النعم التي أنعم الله بها على سيدنا المسيح (عليه السلام) فلنستمع الى خير الكلام القرآن الكريم وهو يشير الي هذا المعنى:

التلاوة

"إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ{۱۱۰}"

المفردات

هذه الآية والآيات التالية لها حتى آخر سورة المائدة تختص بسيرة السيد المسيح (عليه السلام) والنعم التي أسبغها الله تعالى عليه وعلى اُمه، يبيّنها الله هنا تذكرةً للمسلمين فتقول الآية: "إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ". ومعنى "إِذْ قَالَ": هو وإذكر يا ايها النبي إذ قال، ثم تشرعُ الآية بذكر النعم: "إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُس". روح القدس قيل إنه جبرائيل (عليه السلام)، وقيل هو تلك القوة الغيبية التي كانت تعين عيسى (عليه السلام) على إظهار المعجزات وعلى تحقيق رسالته المهمّة، وهذه القوة التأييدية المعنية موجودة في غير الأنبياء أيضاً بدرجة أضعف، كما ورد في الأحاديث الشريفة المتحدثة عن تأييد روح القدس للشعراء ماداموا يدافعون عن أهل بيت النبوة عليهم السلام. ومن نعم الله الاُخرى: "تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً " أي إنّ كلامك في المهد مثل كلامك وأنت كهل، كلام ناضج ومحسوب، لا كلام طفل. "وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ" إن ذكر التوراة والإنجيل بعد ذكر كلمة كتاب مع أنّهما من الكتب السماوية، إنّما هو من باب التفضيل بعد الإجمال. ومن النعم الاُخرى: "وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي" ، ومع ذلك فإنّك تشفي بإذن الله الأعمى بالولادة والمصاب بالمرض الجلدي اي (البرص) وذلك حسب قوله تعالى: "وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي"، ثم "وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي" ، وأخيراً كان من نعم الله على المسيح (عليه السلام) بأن منع عنه أذى بني إسرائيل يوم قام الكافرون منهم بوجهه ووسموا ما يفعل بأنّه السحر، فدفع الله عزوجل أذى اُولئك المعاندين عنه وحفظه حتى يسير بدعوته. فيقول الباري عزوجل: "وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ". ومما يُلفت النظر في هذه الآية أنّها تُكرر «بإذني» أربع مرات لكيلا يبقى مكان للغلو في المسيح (عليه السلام) وادعاء الأُلوهية له، أي أنّ ما كان يُحققهُ المسيح (عليه السلام) بالرغم من إعجازه وإثارته الدهشة ومشابهته للأفعال الإلهيّة، لم يكن ناشئاً منه، بل كان من الله وبإذنه، فما كان عيسى (عليه السلام) سوى عبد من عبيد الله مطيع لأوامره، وما كان له إلا ما يستمدّه من قوة الله الخالدة.

القصة

أخذ المسيح (عليه السلام) ينمو، لا كنمو الأطفال بل نمواً سريعاً مستغرباً، وقد أخذت الألباب الدهشة، لما رأوه في الوليد. فقد كان عيسى (عليه السلام) يخبر الأطفال حينما يجتمع بهم، بما أكلوا في غذائهم، وما ادّخروه في بيوتهم، وكان ذلك مما يثير عجب الأولاد، والآباء. وقد كان الكل يعلم أن له مستقبلا زاهراً، وكان يضاف إلى ذلك، الغرائب التي يشاهدونها حوله. بعدما كبُر المسيح (عليه السلام)، أخذ يدعو الناس لله ويخبرهم أنه المبعوث من قبل الله تعالى لهداية البشر من الضلالة، وإنقاذهم من براثن الجهالة، وتعليمهم ما حرفته اليهود من أحكام الشريعة. وقد ايَّده الله تعالى بروح القدس الذي كان دوماً يلازمه ويسدّده، ويريه الغيب، وينزل عليه من الله بالشريعة، حيث كان يكلم الناس في المهد حينما كان طفلاً رضيعاً وكهلاً. اي حينما كان كبيراً يكلّمهم بالوحي والشريعة الملهمة إليه، كما علَّمه الله عزوجل التوراة والإنجيل، أعطاه الحكمة في معرفة الأشياء ومواضعها، فما كان يقول ولا يفعل شيئاً إلا بالصَّواب. كان المسيح (عليه السلام)، في زمانٍ كثر فيه الطبُّ، وحذق الأطباء، إلى حدٍ مدهش، فجاء عيسى بما يعجز عنه الطب، من إبراء الأعمى وشفاء الأبرص، وإحياء الموتى. فقد ذكر أنه كان له (عليه السلام) صديق مؤاخ له في الله تبارك وتعالى، وكان عيسى (عليه السلام) يمُر به وينزل عليه، وإن عيسى غاب عنه حيناً ثم مرَّ به ليُسلَّم عليه، فخرجت عليه أُمه فسألها عنه، فقالت له: مات يارسول الله، فقال: أتحبين أن تريه؟ قالت: نعم، فقال: إذا كان غداً أتيتك حتى أحييهُ لك بإذن الله تعالى. فلما كان من الغد أتاها فقال لها: انطلقي معي إلى قبره، فانطلقا حتى أتيا قبره فوقف عليه عيسى (عليه السلام)، ثم دعا الله عز وجل فانفرج القبر فخرج ابنها حياً، فلما رأته أُمه ورءاها بكيا فرحمهما عيسى (عليه السلام)، فقال له عيسى: أتُحُّب أن تبقى مع أُمّك في الدنيا؟ فقال: يارسول الله بأكل ورزق ومدةٍ أم بغير أكل ورزق ومدَّة؟ فقال له عيسى (عليه السلام): بأكل ورزق ومدَّةٍ تُعمرُ عشرين سنة وتزوج ويولد لك، قال: نعم، إذاً. قال: فدفعه عيسى (عليه السلام) إلى أمه فعاش عشرين سنة وولد له. ولذا آمن أهل فن الطب والحذّاق منهم بالمسيح (عليه السلام)، وقالوا: إن ما يفعله خارج عن نطاق الطب، وهو خاص بالله سبحانه، وبمن أرسله.
كان (عليه السلام) يبرئ الأكمه اي الأعمى الذي ولد أعمى والأبرص اي الذي صارت على جسمه بقعٌ بيضاء تخالف لون جسمه. ويخرج الموتى من قبورهم أحياء كان كل ذلك بإذن الله عزوجل. وكان من معاجزه انه يخلق من الطين كهيئة الطير ولكن بإذن الله تعالى كمجسّمة الطير فينفخ فيها فتكون طيراً يطير كسائر الطيور بإذنه. ولكنّ بني إسرائيل اتّهموه بالسحر والشعوذة قائلين له: ما هذا الذي تعمله من الغرائب إلا سحرٌمبين. فقد أبى مردة اليهود، الإيمان بالمسيح (عليه السلام)، وإن رأوا منه الآيات الباهرات، والحجج القاطعات، وذلك حسداً منهم وكبراً. فكانوا يكذّبون المسيح (عليه السلام)، ويغرون السفهاء به، ويقولون إن الذي يأتي به ليس معجزةً، وإنما هو سحرٌ، تعلّمه المسيح من بعض الساحرين، فيأتي به لدعم ادّعائه بأنه نبيٌّ من عند الله تعالى، وهكذا كانوا يصدّون عن سبيل الله.

من هدى الائمة _عليه السلام_

في كتاب معاني الأخبار روى الشيخ الصدوق، بإسناده عن أبي يعقوب البغدادي قال: قال ابن السكّيت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): لماذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء والعصا وآلة السحر، وبعث عيسى بآلة الطب، وبعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالكلام والخطب؟. فقال أبو الحسن (عليه السلام): "إن الله تعالى لمّا بعث موسى (عليه السلام) كان الأغلب على أهل عصره السحر، فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عند القوم وفي وسعهم مثله، وبما أبطل به سحرهم، وأثبت به الحجة عليهم. وان الله تعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس الى الطب فأتاهم من عند الله تعالى بما لم يكن عندهم مثله، وبما احيا لهم الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأثبت به الحجة عليهم. وإن الله تعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في وقتٍ كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام والشعر فأتاهم من كتاب الله والموعظة والحكمة بما أبطل به قولهم، وأثبت به الحجة عليهم؟ ". قال ابن السكيت ما رأيت مثلك اليوم قط فما الحجة على الخلق اليوم؟ فقال: "العقل يعرف به الصادق على الله فيصدقه والكاذب على الله فيكذبه"، قال ابن السكّيت: هذا والله هو الجواب.

دروس وعبر

إن إرادة الله تعالى فوق جميع القوانين الطبيعية فهي تتجاوز القدرة والتجربة كما حصل هذا الأمر لسيدنا المسيح (عليه السلام) حيث كان يكلّم الناس في المهد وكهلاً وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: "إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ".
نستنتج من هذه الآية أنّ الانبياء والاولياء (عليهم السلام) يمكن ان يحصلوا على الولاية التكوينية لكن بإذن وإرادة الله تعالى. عند وجود حالة الخوف من غلبة الشرك يعلّمنا القرآن اسلوب تكرار التوحيد والتركيز عليه كما نجد هذا الأمر جليّاً في الآية: "وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي". ان قوله تعالى «تخرج الموتى» يشير الى امكانية تحقيق عقيدة الرجعة في هذه الدنيا. يؤكد قوله تعالى "وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ" أن الله تعالى لم ولن يتخلّى عن انبياءه بل إنه دائماً يحميهم ويدعمهم لأنهم لا يخطون خطوةً الا لله وله فيها الرضا.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم