ولادة السيد المسيح عليه السلام - ۱

الأحد 17 مارس 2019 - 15:59 بتوقيت طهران

الحلقة 63

الحمد لله الذي خلق كل شئ وقدره والحمد لله الذي له الأمر جميعا ومدبره وافضل الصلاة والسلام على النبي الهادي الامين محمد واله الطيبين الطاهرين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق.
في هذه الحلقة يجري الحديث عن قصة ولادة سيدنا المسيح سلام الله تعالى عليه التي ذكرت في سورة مريم من الاية ۱٦ الى الآية ۲۱. اذن رافقونا مستمعينا الكرام في هذا البرنامج واليكم أولاً استعراضا لمحطاته.
بدايةً نقدم لكم تلاوة عطرة لهذه الايات المباركة ثم نتعرف على معاني المفردات والعبارات القرآنية الواردة فيها. نستمع بعدها الى حديث ضيف هذا اللقاء عن سبب اعتزال السيدة مريم الناس وايضا عن تمثل احد الملائكة بشراً سوياً لمريم، لننتقل بعد ذلك الى محطة الحكاية ونتابع تفاصيلها، ثم نتعرف من معين علوم اهل البيت عليهم السلام في فقرة من هدي اهل البيت. ورواية عن الامام الباقر عليه السلام. واخيراً مع باقة من الدروس والنقاط المهمة المستقاة من هذه القصة القرآنية، فاهلاً بكم الى هذا البرنامج.

المقدمة

كانت السيدة مريم مثالاً للعبادة والتقوى، وأسبغ الله تعالى عليها فضله ونعمه وأظهرها للناس، كما إنّ الملائكة قد تنزلت عليها وأخبرتها أن الله اختارها، وطهرها واختارها وجعلها سيدة لنساء عالمها ثم قالت لها: "يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ". كل ذلك إنما كان تمهيدا للمعجزة العظمى التي خلدها القرآن الكريم، حيث ولد عيسى عليه السلام من هذه المرأة الطاهرة النقية، دون أن يكون له أب كسائر الخلق، قال الله تعالى: 

التلاوة

"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً{۱٦} فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً{۱۷} قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً{۱۸} قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً{۱۹} قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً{۲۰} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً{۲۱}"

المفردات

تقول الآية الأولى: "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً" فقد كانت تبحث عن مكان خال من كلّ نوع من التشويش والضوضاء حتى لايشغلها شئ عن مناجاتها ويصرفها ولو لفترة وجيزة عن ذكر الله، ولذلك اختارت شرقي بيت المقدس، ذلك المعبد الكبير، لعله يكون مكاناً أكثر هدوءاً، أو أنّه كان أنظف وأنسب من جهة أشعة الشمس ونورها.
كلمة «انتبذت» أُخذت من مادة (نبذ) وهي تعني إلقاء وإبعاد الأشياء التي لاتسترعي الإنتباه، وربّما كان هذا التعبير في الآية إشارة إلى أن مريم قد اعتزلت بصورة متواضعة ومجهولة وخالية من كل ما يجلب الإنتباه، واختارت ذلك المكان من بيت الله للعبادة. في هذه الأثناء ومن أجل أن تكمل مريم مكان خلوتها واعتكافها من كل جهة قامت بما حكاه قوله تعالى: "فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً"، ولم تصرّح الآية بالهدف من اتخاذ هذا الحجاب، فهل أنّه كان من أجل أن تناجي ربها بحرية أكبر، وتستطيع عند خلوّ هذا المكان من كل ما يشغل القلب والحواس أن تتوجه إلى العبادة والدعاء؟ أو اي شئ آخر. على كل حال تقول الآية: "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً"، والروح أحد الملائكة العظام حيث تجسد لمريم على شكل انسان جميل لاعيب فيه ولانقص.
مفردة « التمثل» التي وردت في الآية هي في الأصل من «المثول»، أي الوقوف مقابل شخص أو شئ، ويقولون للشئ الذي يظهر بصورة اخرى ممثلا، وعلى هذا فأن قوله: "فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً" تعني أنّ ذلك الملك قد ظهر بصورة إنسان. اما الحالة التي اعترت مريم في تلك اللحظة واضحة جداً، فمريم التي عاشت دائماً نقيّة الجيب، وتربت في أحضان الطاهرين، وكان يضرب بها المثل بين الناس في العفة والتقوى، كم داخلها من الرعب والإضطراب عند مشاهدة هذا المنظر، وهو دخول رجلٍ أجنبي جميل في محل خلوتها! ولذلك فإنها مباشرة "قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً"، وكانت هذه أوّل هزّةٍ عمّت كل وجود مريم. لقد كانت مريم تنتظر رد فعل ذلك الشخص المجهول بعد أن تفوّهت بهذه الكلمات إنتظاراً مشوباً بالإضطراب والقلق الشديد، إلا أن هذه الحالة لم تطل فقد كلّمها ذلك الشخص، ووضح مهمّته ورسالتهُ العظيمة "قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ". لقد كانت هذه الجملة كالماء الذي يلقى على النار، فقد طمأنت قلب مريم الطاهر، إلاّ أنّ هذا الإطمئنان لم يدم طويلا، لأنّه أضاف مباشرة"لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً". لقد اهتز كيان ووجود مريم لدى سماع هذا الكلام، وغاصت مرة أُخرى في قلق شديد "قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً". لقد كانت تفكر في تلك الحالة في الأسباب الطبيعية فقط، وكانت تظن أن المرأة يمكنها أن تكون ذات ولد عن طريقين لاثالث لهما، أمّا الزواج أو التلوث بالرذيلة والانحراف، وإني أعرف نفسي أكثر من أي شخص آخر، فإني لم أختر زوجاً لحد الآن، ولم أكن امرأة منحرفة قط، ولم يسمع لحّد الآن أن شخصاً يولد له ولد من غير هذين الطريقين!.
لكن أمواج هذا القلق المتلاطمة لدى مريم عليها السلام هدأت بسرعة عند سماع كلام آخر من رسول الله إليها، فقد خاطب مريم بصراحة: "قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ"، فقد احتوت كلمة كذلك تذكيرها باُمورٍ عجيبة رأتها مريم سلام الله عليها مثل ثمار الجنّة التي جاءتها في فصل لايوجد شبيه لتلك الفاكهة في الدنيا الى جنب محراب عبادتها، سماعها نداء الملائكة حين شهدت بعفّتها وطهارتها، علمها ان آدم قد خُلق من التراب، فلماذا هذا التعجب من سماع هذا الخبر؟ ثم أضاف الرسول: "وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا"، فهو للناس رحمة من عند الله، ومعجزته، وعلى كل حال "وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً"، فلا مجال بعد ذلك للمناقشة.
إن كل المفسرين المعروفين تقريباً فسّروا الروح هنا بأنه جبرئيل ملك الله العظيم، والتعبير عنه بالروح لأنه روحاني، ووجود مفيض للحياة، لأنه حامل الرسالة الإلهية إلى الأنبياء وفيها حياة جميع البشر اللائقين، وإضافة الروح هنا إلى الله دليل على عظمة وشرف هذا الروح، حيث إنّ من أقسام الإضافة هي (الإضافة التشريفية).

*******


زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هنا الحجاب لم يكن من اجل اعتزال الناس لأن مريم عليها السلام كانت منذورة كما نذرتها امها "إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي" اذن هي كانت منذورة وكانت في خدمة المعبد، في خدمة بيت المقدس، كانت هناك تعمل الاعمال المتعددة والمتنوعة، هذا الاعتزال حينما ادركت وبلغت مريم عليها السلام مبلغ النساء ضرب لها زكريا كافلها حجاباً فكانت تعبد الله سبحانه وتعالى فيه ولايدخل عليها فيه الا هو فهنا الاعتزال كان ايجابياً وليس الاعتزال السلبي فهي لن تترك الناس وتبتعد عن الناس يأساً وقنوطاً ورهبانية وانما كانت في خدمة المعبد، في خدمة بيت المقدس والاعتكاف في المسجد والتفرغ الى العبادة "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً" هنا يعني هذه العبادة الخالصة"قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ" يرزق من يشاء يعني يرزق، الله حكيم من يشاء يعني يستحق الرزق، الانسان المخلص المتهجد والمتعبد لله عزوجل فهذا الحجاب للعبادة والتهجد وليس للرهبانية ولهذا بعضهم قال الحجاب للغسل، في بعض الموارد المرأة تحتاج الى غسل وهناك ربما التفسير الاول يعني اتخذت من دونه "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً" يعني شرق المسجد الاقصى، بيت المقدس بعيداً عن الناس للمناجات والاعتكاف"إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا" كلمة جداً رائعة "إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً" هنا يعني بعيداً عن الاضواء اخلاصاً لله وتهجداً لله عزوجل وانقطاعاً وهذا طبعاً لايعني ان مريم كانت بعيدة عن الناس بالعكس كانت مريم تداري الفقراء والمساكين والمرضى وكانت تقوم بأعمال واعباء بيت المقدس التي انيطت بها ولهذا كرمها الله عزوجل "كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً" اذن الاعتكاف هنا ليس الاعتكاف السلبي وانما كانت منذورة وكانت في خدمة المعبد ولهذا "فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً"حينما ادركت وبلغت طبعاً حتى لايراها من يدخل المسجد وهذا يعني قمة العفاف والعفة لمريم عليها السلام. 
زين العابدين: طبعاً هذه حكمة الله عزوجل ان تكون اجابة عيسى عن هذا الطريق "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" هذه الحكمة الربانية طبعاً "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا" وهو جبرئيل عليه السلام "فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً{۱۷} قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً{۱۸} قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً{۱۹} قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً{۲۰} قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً{۲۱}" كما نقرأ في سورة مريم، هذه طبعاً لها دروس وعبر كبيرة اولاً ليبين مدى عظمة هذه المرأة الطاهرة التي يتمثل لها ملك كجبرئيل عليه السلام ليكلمها، ثانياً درس اخر يعبر عن مدى طهارتها وعفافها وعفتها، ضربت على الوتر الحساس يعني التقوى يعني هذا الذي جاء اليها وحسبته انه سيمسها بسوء فقالت "إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً" بينما يوسف عليه السلام جائت امرأة العزيز "قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي" انظري معاذ الله مفعول مطلق بالنسبة ليوسف بينما مريم كانت امرأة ضعيفة وجاءها رجل فقالت "إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن" دعت بكلمة الرحمن وليس كلمة الله، ثالثاً "ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى " هنا الله عزوجل اراد لمريم ان تكون هي معجزة وابنها كذلك معجزة، ان تلد عن طريق المعجزة، اذن هناك معجزتان لمريم، وهذا القول "لَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى" هذا يذكر انه كان لله عزوجل وليس لأم مريم "لَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى" يعني هنا الانثى افضل من الذكر "ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى" يعني ستكون في هذا الامر معاجز متعددة، اربعة ولادة عيسى بطريقة غير طبيعية فيه درس كبير على قدرة الله عزوجل، يهب ولداً من دون زوج.
"كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ" في قصة مريم بينما في قصة زكرياً "كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" فرق بين يفعل مايشاء لأن المقتضي موجود في قضية زكريا وزوج زكريا عليه السلام بينما في قضية مريم المقتضي غير موجود فجاء الفعل "كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ"بينما في قصة زكريا "كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" لأن رفع الموانع هو فعل فهنا هذه القدرة الالهية المطلقة التي تجعل الانسان لاييأس من ان يرزق بولد مهما كانت الاسباب ومهما كانت المعوقات ومهما كانت الموانع، رفع المانع فعل بينما في قصة مريم لن يكن هناك مقتضي، لم يكن هناك زوج وهذا درس كبير لأهمية المرأة واهمية التوكل على الله عزوجل وعلى القدرة المطلقة.

*******

لم تذكر الآيات سبب اعتزال السيدة مريم من الناس وانها اتخذت من دونهم حجاباً الا يدل هذا الامر على التحريض على مسألة الاعتزال؟.
ما هي الغاية من ان يتمثل احد الملائكة بشراً سوياً لمريم سلام الله عليها حتى يبشرها بعيسى عليه السلام، وما الضير في ان يولد عليه السلام من اب وام؟.

القصة

كانت السيدة مريم سلام الله عليها تقضي معظم اوقاتها بالعبادة والتضرع الى الله وقد ملأ قلبها إحساس مفاجئ بأن شيئاً عظيما يوشك أن يقع. جاءها جبريل عليه السلام وهي في المحراب على صورة بشر في غاية الجمال. فخافت مريم وقالت: إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، أرادت أن تحتمي بالله، سألته هل هو إنسان طيب يعرف الله ويتقيه. فجاء جوابه ليطمئنها بأنه يخاف الله ويتقيه: قال إنّما أنا رسول ربّك لأهب لك غلاماً زكياً. اطمئنت مريم للغريب، لكن سرعان ما تذكرت ما قاله: "لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً". استغربت مريم العذراء من ذلك، فلم يمسسها بشر من قبل ولم تتزوج، ولم يخطبها أحد، كيف تنجب بغير زواج!! فقالت لرسول ربها أنّى يكون لي غلامٌ ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً، قال الروح الأمين: كذلك قال ربك هو عليَّ هيَّن ولنجعله آية للناس ورحمة منا "وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً".
استقبل عقل مريم كلمات الروح الأمين، ألم يقل لها إن هذا هو أمر الله؟ وكل شئ ينفذ إذا أمر الله. ثم أي غرابة في أن تلد من غير أن يمسسها بشر؟ لقد خلق الله سبحانه وتعالى آدم من غير أب وأم، لم يكن هناك ذَكَر وأنثى قبل خلق آدم. وخلقت حواء من آدم فهي قد خُلقت من ذكر بغير أنثى. ويخلق ابنها من غير أب، يُخلق من أنثى بغير ذكر. والعادة أن يُخلق الإنسان من ذكر وأنثى، والعادة أن يكون له أب وأم، لكن المعجزة تقع عندما يريد الله تعالى أن تقع. عاد جبريل عليه السلام يتحدث: إن الله يُبشرَّك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويُكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين، زادت دهشة مريم قبل أن تحمله في بطنها تعرف اسمه، وتعرف أنه سيكون وجيها عند الله وعند الناس، وتعرف أنه سيكلم الناس وهو طفل وهو كبير، وقبل أن يتحرك فم مريم بسؤال آخر، نفخ جبريل عليه السلام في جيب مريم، الجيب هو شق الثوب الذي يكون في الصدر، فحملت فورا.
ومرّت الأيام..كان حملها يختلف عن حمل النساء، لم تمرض ولم تشعر بثقل ولا أحسَّت أن شيئاً زاد عليها ولا ارتفع بطنها كعادة النساء، كان حملها به نعمة طيبة. وجاء الشهر التاسع، وفي العلماء من يقول إن الفاء تفيد التعقيب السريع، بمعنى أن مريم لم تحمل بعيسى تسعة أشهر، و إنما ولدته مباشرةً كمعجزة.

من هدى الائمة _عليه السلام_

روي عن الامام الباقر (عليه السلام): أنه يعني جبريل تناول جيب مدرعتها فنفخ فيه نفخة فكمل الولد في الرحم من ساعته كما يكمل الولد في أرحام النساء تسعة أشهر فخرجت من المستحم وهي حامل محج مثقل، فنظرت إليها خالتها فأنكرتها ومضت مريم على وجهها مستحية من خالتها ومن زكريا، وقيل: كانت مدة حملها تسع ساعات، وهذا مروي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام).

دروس وعبر

إن ذكر اسم الرحمان في الآية: قالت إنّي أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، ووصفه برحمته العامّة من جهة، وترغيب الرجل في التقوى والإمتناع عن المعصية من جهة اُخرى كان من أجل أن يرتدع هذا الشخص المجهول إن كانت له نيّةٌ سيّئة في إرتكاب المعصية، والأهم من ذلك كلّه هو الإلتجاء إلى الله، فألله الذي يلتجئ إليه الإنسان في أحلك الظروف، ولاتقف أيّة قدرة أمام قدرته، هو الذي سيحل المعضلات. كما أن اللجوء الى الله تعالى لاسيما في الظروف الصعبة هو من تعاليم الانبياء عليهم السلام. لاتنحصر مهمة الملائكة في ابلاغ الوحي بل إنهم اسباب ووسطاء لتنفيذ اوامر الله تعالى، ويؤكد هذا الامر قوله تعالى: "أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً".
ويستفاد من الآية "فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا"، بصورة ضمنية أن نزول جبريل لم يكن مختصاً بالأنبياء، وإن كان نزوله بالوحي والشريعة والكتب السماوية منحصراً فيهم، إلا أنه لا مانع من أن يواجه غير الأنبياء من أجل تبليغ رسائل وأوامر اُخرى، كرسالته المذكورة إلى مريم. يشير قول مريم سلام الله عليها: "وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً" أنّ الزنا كان عملاً مرفوضاً منذُ قديم الزمان بل وفي جميع الشرائع السماوية.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم