زكريا (ع)

الأحد 17 مارس 2019 - 15:58 بتوقيت طهران

الحلقة 62

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين والصلاه والسلام على رسوله الامين وآله الهداه الابرار الميامين.
مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته وأهلاً بكم الى برنامج القصص الحق.
• ايها الأحبه في هذه الحلقة من البرنامج نحطّ الرحال عند قصة نبي الله زكريا(ع) التي ذكرت في الآيات ۳۸ حتى ٤۱ من سورة آل عمران المباركة. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية:
• بعد مقدمة قصيرة ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الآيات ثم نتطرق الى معاني مفرداتها وعباراتها.
• سماحة السيد عبدالسلام زين العابدين الاستاذ في العلوم القرآنية يسلط الضوء على بعض النقاط الواردة في هذه الآيات. 
• ثم نتابع معاً سرد حكاية زكريا النبي(ع).
• ونواصل البرنامج بتقديم رواية عن الامام الصادق(ع) بشأن الموضوع.
• ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المأخوذة من هذه الحكاية. فأهلاً ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء
المقدمة 
في الحلقة الماضية جرى الحديث حول السيدة مريم (ع) كيف ولدت وان زكريا النبي الذي كان زوجاً لخالتها تكفل برعايتها حيث رأى(ع) زهدها وعبادتها وانقطاعها الى الله تعالى وكيف انه عزوجل رزقها من طعام الجنة وعند ذلك تمنى أن يرزق هو أيضاً ذرية صالحة وطاهرة وتقيّة مثل مريم، بحيث تكون آية على عظمة الله وتوحيده، وعلى الرغم من كبر سن زكريّا وزوجته، وبعدهما من الناحية الطبيعيّة عن أن يرزقا طفلاً، فإن حبّ الله ومشاهدة الفواكه الطرية في غير وقتها في محراب عبادة مريم، ملأ قلبه أملاً بإمكان حصوله في فصل شيخوخته على ثمرة الأبوّة، لذلك راح يتضرّع إلى الله طالباً منه ان يرزقه ذرية طيبة.
اجل، مستمعينا الكرام هذه الحكاية نقلت في الآيات التالية وهي ۳۸ حتى ٤۱ من سورة آل عمران فلننصت خاشعين الى تلاوتها. 

التلاوة

"هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء(۳۸)
فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ(۳۹).
قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ(٤۰).
قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ(٤۱)."

المفردات

يذكر القرآن الكريم "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء" مفردة الـ "ذُرِّيَّةً " في الأصل بمعنى الأولاد الصغار وقد يطلق على الكبار أيضاً، وإن كان هذا المصطلح في الأصل صفة للجمع، ولكن يطلق على المفرد أيضاً كما قال الراغب في مفرداته، وقد جاءت كلمة «طيبة» بصورة مؤنثة مع أن النبيّ زكريا(عليه السلام) كان قد طلب الابن، فيظهر أنّ ذلك مراعاة لظاهر لفظ"ذُرِّيَّةً ".
ولم يمض وقت طويل حتى أجاب الله دعاء زكريّا:"فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى".
وفيما كان يعبد الله في محرابه، نادته ملائكة الله وقالت له: إن الله يبشرك بمولود اسمه يحيى، بل إنهم لم يكتفوا بهذه البشارة حتى ذكروا للمولود خمس صفات:
أولاً: سوف يؤمن بالمسيح ويشدّ أزره بهذا الإيمان: "مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ ". و«كلمة الله» هنا وفي مواضع أخرى من القرآن تعنى المسيح(عليه السلام)- وقد جاء في التاريخ أنّ يحيى كان يكبر عيسى ستة أشهر، وكان أول من آمن به، وإذا كان قد اشتهر بين الناس بالطهر والزهد، فقد كان لإيمانه هذا بالمسيح تأثير كبيرٌ على الناس، في توجيههم وحثهم على الإيمان به.
وثانياً: سيكون من حيث العلم والعمل قائداً للناس (وسيّداً)، كما أنه سيحفظ نفسه عن الشهوات الجامحة وعن التلوث بحبّ الدنيا.
وثالثاً: «الحصور» من الحصر، أي الذي يضع نفسه موضع المحاصرة، أو الذي يمتنع عن الزواج، وإلى هذا ذهب بعض المفسرين، كما اشير إليه في بعض الأحاديث.
ورابعاً وخامساً: من مميزاته أيضاً أنه سيكون «نبياً» (وجاءت هذه الكلمة بصيغة النكرة للدلالة على العظمة) وأنه من الصالحين. "وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ".
أما اسم «يحيى» فهو مأخوذ من الحياة وتعنى البقاء حياً، وقد اختيرت هذه الكلمة اسماً لهذا النبيّ العظيم، والمقصود بالحياة هنا هي الحياة المادّية والحياة المعنوية في نور الإيمان ومقام النبوّة والإرتباط بالله، هذا الاسم قد إختاره الله له قبل أن يولد
أجل مستمعينا الكرام لما سمع زكريا بهذه البشارة الالهية غرق فرحاً وسروراً، ولم يتملك نفسه في إخفاء تعجبه من ذلك، فـ "قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ".
(الغلام) الفتى الذي طرّ شاربه، و«عاقر» من «عقر» بمعنى الأصل والأساس، أو بمعنى الحبس، ووصف المرأة التي لاتلد بأنها عاقر يعنى أنها وصلت إلى عقرها وانتهت، أو أنها حبست عن الولادة.
فأجابه الله تعالى:" قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ" فلما سمع زكريا هذا الجواب الموجز الذي يشير إلى نفوذ إرادته تعالى ومشيئته، قنع بذلك.
"قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً"
«الرمز» إشارة بالشفة، والصوت الخفي، ثمّ اتسع المعنى في الحوار العادي، فأطلق على كلّ كلام وإشارة غير صريحة إلى أمر من الأمور.
في هذه الآية استجاب الله طلب زكريا هذا أيضاً، وعين له آية اي علامة، وهي أن لسانه كفّ عن الكلام مدّة ثلاثة أيّام بغير أيّ نقص طبيعي، فلم يكن قادراً على المحادثة العادية، ولكن لسانه كان ينطلق إذا ما شرع يسبّح الله ويذكره، هذه الحالة العجيبة كانت علامة على قدرة الله على كلّ شيء، فالله القادر على فكّ لجام اللسان عند المباشرة بذكره، قادر على أن يفكّ عقم رحم امرأة فيخرج منه ولدا مؤمنا هو مظهر ذكر الله، وهكذا تتضح العلاقة بين هذه العلامة وما كان يريده زكريّا.
"وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ". «العشي» تطلق عادة على أوائل ساعات الليل، كما يقال «الإبكار» للساعات الأولى من النهار. وقيل إن «العشي» هو من زوال الشمس حتى غروبها، و«الابكار» من طلوع الفجر حتى الظهر.
والراغب الإصفهاني يقول في «المفردات»: إنّ «العشي» من زوال الشمس حتى الصباح، و«الإبكار» أوائل النهار.
وفي الآية يأمر الله زكريّا بالتسبيح، إن هذا التسبيح والذكر على لسان لاينطق موقتاً دليل على قدرة الله على فتح المغلق، وكذلك هو أداء لفريضة الشكر لله الذي أنعم عليه بهذه النعمة الكبرى.
من الآيات الأولى لسورة مريم يستفاد أن زكريّا لم ينفذ هذا البرنامج وحده، بل طلب من الناس إيماءاً أن يسبحوا الله صباح مساء شكراً على ما أنعم عليهم من موهبة ترتبط بمصير مجتمعهم ومن قائد كفوء مثل يحيى، وأضحت هذه الأيام شكر وتسبيح عام.

*******


زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم
طبعاً هذا سؤال رائع وجميل ودائماً يطرح في عالم التفسير يعني هل ان الاية المباركة في سورة آل عمران في الاية التاسعة الثلاثين "فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ" بالنسبة لزكريا عليه السلام "وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ" هنا الحصور كما ذكرتم، ذكر الكثير من المفسرين ان الحصور الذي لايأتي النساء كذلك جاءت الرواية عن الامام الصادق عليه السلام وعن ابن عباس وعن ابن مسعود قالوا الحصور يعني خصصوها تقريباً بالنساء وان كان بعضهم عمم يعني الحصور معناها الممتنع، الممتنع يمنع نفسه من الشهوات فبعضهم خصص الشهوات بالزواج وبالجنس وليس معنى ذلك تشجيعاً الى عدم الزواج وانما يحيى عليه السلام الله اعطاه هذه القابلية، الحصور الذي لايشتهي ليس كما ذكر بعض المفسرين خطأً طبعاً العنين الذي ليست له شهوة للنساء، هذا ليس صحيحاً وليس كمالاً، القرآن هنا في مقام مدح يحيى عليه السلام الذي لايملك شهوة النساء هذا ليس انساناً متكاملاً، المتكامل الذي يملك هذه الغريزة الجنسية كما يملك الغرائز الطبيعية اما قد يكون الانسان مريض لايملك مثلاً شهوة الاكل او لايملك شهوة الجنس هذا مريض، هنا يحيى عليه السلام اذا فسرنا الحصور بخصوص النساء اما قد تكون الحصور عامة لكل شهوة يعني يحصر نفسه ويمتنع عن الشهوات الدنيوية ولايكون هناك افراط في الشهوات الدنيوية كما كان رسول الله صلى الله عليه واله يمتنع حتى عن اكل الحلوى، قدم اليه حلوى، الخبيص نوع من الحلوى فأمتنع رسول الله صلى الله عليه واله من ان يأكل هذا النوع من الحلوى من باب عدم التمتع بالحياة الدنيا لأنه هو القائد وهو الرائد ولهذا هذا لايدل على محبوبية او استحباب عدم الزواج لأن الروايات تؤكد كما جاء عن علي بن ابي طالب عليه السلام ان جماعة من الصحابة كانوا حرموا على انفسهم النساء والافطار في النهار والنوم في الليل فأخبرت ام سلمة رسول الله صلى الله عليه واله فخرج الى اصحابه وقال أترغبون عن النساء؟ اني آتي النساء وآكل في النهار وانام في الليل فمن رغب عن سنتي فليس مني فأنزل الله عزوجل "لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ" لاتحرموا طيبات، هذه الطيبات لايجوز للانسان ان يحرم على نفسه هذه الطيبات ولكن الانسان القائد، الانسان الرائد، الانسان الاسوة يحرم عليه بعض الامور التي تعتبر طيبات في الحياة الدنيا ولكن لمقامه الكبير ولأسوته كونه اسوة وقدوة هو يحرم على نفسه بعض الملذات الطيبة لأنه ربما يخيف نفسه ببعض الناس كما يقول امير المؤمنين "ان الله فرض على ائمة العدل ان يقدروا انفسهم بضعافة الناس حتى لايتبيغ بالفقير فقره" يتبيغ يعني يبيج. نعم 
المحاور: وقد يسأل السائل لماذا استولى العجب على زكريا عندما بشرته بيحيى مع انه عالم بقدرة الله التي لاتنتهي ولماذا طلب عليه السلام آية من الله تعالى على ذلك؟ 
زين العابدين: احسنتم هذا سؤال مهم جداً "يازكريا انا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً قال ربي أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقراً وقد بلغت من الكبر عتياً قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً "قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَة" هنا ربي اجعل لي آية "قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً" يعني عدم التكلم التكويني يعني لايستطيع لسانه ان ينطلق بالكلام الطبيعي، فقط بالتسبيح وبالصلاة وبالدعاء، كذلك نقرأ هذه في سورة مريم، في سورة آل عمران كذلك نقرأ"قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ" هنا اتجاهان في عالم التفسير، في ربي اجعل لي آية يعني في طلب الاية من قبل زكريا عليه السلام، الاتجاه الاول يرى الاستدلال على حمل امرأته فتكون الاية علامة لوقت الحمل وقد يستنفذ منه الشكر هذا اتجاه، الاتجاه الاخر هو الذي يؤيده العلامة الطباطبائي ولايرى اشكال في طلب النبي وهو الاستدلال على ان البشارة انما هي من قبل الله تعالى لتكون الاية العلامة التكوينية دليلاً قاطعاً على ان البشرى جاءته من قبل ملائكة الله عزوجل، بعضهم يعترض انه كيف، اراد ان يتأكد ان هذه البشارة بشارة رحمانية وليست مثلاً بشارة شيطانية، العلامة الطباطبائي يناقش في تفسير الميزان، يناقش هذا الامر يقول عدم منافات هذا الامر للعصمة بحيث يرى العلامة ان هذا الاتجاه في التفسير يعني السؤال للتمييز والاطمئنان لاينافي العصمة والذي اوجب تحاشي القوم عن ذهاب المفسرين الى اول الوجهين او الوجه الثاني انه يسأل الاية ليطمئن من ان هذا الوحي وحي الهي رباني يقول الذي ابعد او تحاشى المفسرون عن هذا القول هو ما ذكروه ان الانبياء لعصمتهم لابد ان يعرفوا الفرق بين كلام الملك ووشل الشيطان ولايجوز ان يتلاعب الشيطان بهم، طبعاً حتى نفس الطباطبائي حتى يختلط عليهم طريق الافهام، الطباطبائي يقول وهو كلام حق لكن يجب ان يعلن ان تعرفهم انماهو بتعريف الله لهم لامن قبل انفسهم واستقلال ذواتهم بتعبير اخر يعني ان الله هو الذي يعلمهم، هو الذي يعطيهم بعض العلامات والدلائل والامارات ليعرفوا ان هذا هو الوحي الالهي وليس وحي شيطاني او وحي بشري عادي. 

القصة زكريا

كان «زكريا» عليه السلام يتمنى أن يرزقه الله ولداً صالحاً من صلبه يرثه، ويرث ميراث آبائه وأجداده من العلم والفضل والنبوة، ولكنه كان شيخاً كبيراً، وكانت زوجته عجوزاً وعاقراً لاتلد. كان نبي الله«زكريا» الذي تكفل برعاية مريم(س) يدخل عليها في مكان عبادتها، ليتفقد شؤونها ويطمئن على أحوالها، فهو يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وحينما سألها عن مصدرها، كانت(س) تجيبه"هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ". عند ذلك توجه زكريا(ع) بكل وجوده الى الله القادر على كل شيء الذي يرزق من يشاء بغير حساب سائلاً إياه ذرية طيبة.
وبينما كان«زكريا» يصلي في محراب المسجد، جاءته البشرى من الملائكة بان الله تعالى استجاب لدعائه، وسوف يهبه ولداً سماه الله«يحيى»، وهو اسم لم يسمّ به أحد قبله، كما بشرته الملائكة بأنه سيكون سيداً كريماً عظيماً في قومه، ونبيا صالحاً يوحي إليه من رب العالمين تعجب«زكريا» وأخذته الدهشة من تلك البشرى، وراح يتساءل في نفسه وهو مأخوذ بالمفاجأة، كيف يمكن لشيخ كبير مثله أن ينجب؟!
أو كيف تلد زوجته العاقر في مثل هذه السن؟! ولكنها مشيئة الله تعالى- وقدرته، ولا راد لمشيئته، ولا معجز لقدرته!!
وكانت لهفة«زكريا» عليه السلام كبيرة في تحقيق تلك البشرى العظيمة، فسأل الله تعالى أن يجعل له آية تدله على موعد تحقيق البشرى ليطمئن قلبه، فأستجاب الله تعالى له، وأوحى إليه أنه سيأتي عليه ثلاثة أيام لايستطيع أن يكلم الناس فيها؛ فإذا حدث ذلك عرف أن معجزة الله قد تحققت، وأن زوجته قد حملت بمولودها«يحيي»، وأمره الله أن يكثر من العبادة والدعاء، وشكر الله على نعمته.
ومرت الأيام و«زكريا» عليه السلام على عهده من الذكر والعبادة لله، وفي أحد الأيام، بينما «زكريا» يصلي في محرابه، أحسّ أنّ لسانه غير قادر على الكلام، فخرج على قومه مسروراً، وراح يشير إليهم محاولاً إخبارهم بتحقق البشارة، وحدوث المعجزة.
وسرعان ما وضعت زوجة نبي الله«زكريا» مولودها«يحيى»، الذي جاء ميلاده معجزة، وكانت طفولته مختلفة عن غيره من الأطفال.
فقد ظهرت دلائل النبوغ والحكمة على «يحيى» منذ صغره، فنشأ محبّا للعلم والعلماء، وأقبل بشغف على تعلم «التوراة» كتاب الله الذي أنزله على«موسى» عليه السلام حتى حفظها وفهم أحكامها وشرائعها، وهو لايزال صبيا صغيراً.
واشتهر«يحيى» بالتقوى والإخلاص، وعرف بالصدق والأمانة، وكان بارا بوالديه، لطيفاً بهما، طائعاً لهما، محسنا إليهما، كما كان متواضعاً للناس، لايأخذه الكبر، ولايعرف الغرور طريقه إلى قلبه.
وكان «يحيى» عليه السلام يدعو«بني اسرائيل» إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بدينه وشريعته التي أنزلها على«موسى» عليه السلام.

من هدى الائمة _عليه السلام_

وفي تفسير العياشي، عن الصادق(عليه السلام) قال: إن زكريا لما دعا ربه أن يهب له ولداً فنادته الملائكة بما نادته به أحبّ أن يعلم أن ذلك الصوت من الله فأوحى إليه أن آية ذلك أن يمسك لسانه عن الكلام ثلاثة أيام فلما أمسك لسانه ولم يتكلم علم أنه لايقدر على ذلك إلا الله وذلك قول الله رب اجعل لي آية.

دروس وعبر

من أهم الدروس المستفادة من هذه الآيات هو ان الإيمان بقدرة الله غير«الشهود والمشاهدة» فزكريا كان يريد أن يبلغ إيمانه مبلغ الشهود، مثل إبراهيم الذي كان مؤمناً بالمعاد، ولكنه طلب المشاهدة.
كان يريد أن يصل إلى هذه المرحلة من الايمان، وأنه لأمر طبيعي أن يفكر الإنسان، إذا ما صادفه أمر خارق للقوانين الطبيعية في كيفيّة حصول ذلك، ويودّ لو أنه رأى دليلاً حسياً على ذلك.
• يشير قوله تعالى "هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا" الى ضرورة استثمار الاجواء والظروف المباركة بهدف الدعاء والتضرع الى الله تعالى لاسيما عند مشاهدة كرامة الهية او نعمة ربانية.
• إن مشاهدة الفضل والتكريم الالهي لدى الآخرين ينبغي أن يستثمرها الانسان كتمهيد للتوجه الى الله طالباً منه عزوجل تلك الكمالات، كما فعل زكريا(ع) عندما رأى مريم(س) وهي ترزق من طعام الجنة.
• فلنجعل نصب أعيننا قدرة الله القاهرة وان لا مؤثر في الوجود كله إلا بإذن وارادة رب العالمين فهو القادر على ان يمسك لسان نبيه زكريا عن الكلام إلا إذا أراد ان يذكر الله تعالى وهو القادر على ان يهب المرأة طفلاً حتى وإن كانت عاقرا وقس على هذا...

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم