قصة نبي الله ابراهيم الخليل _عليه السَّلام_ ٦

الأحد 17 مارس 2019 - 09:57 بتوقيت طهران

الحلقة 57

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه والصلاه على رسوله واله الهداة الابرار. مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج (القصص الحق). ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث عن قصة نبي الله ابراهيم _عليه السَّلام_ التى ذكرت في سورة البقرة في الاية مئتان والثامنة والخمسون وهي تحكي قصة نقاشه مع نمرود وذلك بعد ان نجاه الله من النار التي اوقدها له. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الاية، ثم نتعرف على معاني مفرداتها وعباراتها. سماحة السيد عبد السلام زين العابدين الاستاذ في علم تفسير القران الكريم يسلط الضوء على الاشكالية التي تطرح حول النقاش الذي دار بين ابراهيم ونمرود. ثم نتابع معا سرد الحكاية بتفاصيلها. ننتقل الى فقرة من هدي الائمة _عليه السَّلام_ ورواية عن الامام علي _عليه السَّلام_ وأبي عبد الله الصادق _عليه السَّلام_. ومسك الختام مع باقة من الدروس المآخوذة من هذه الحكاية القرانية. فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذا اللقاء.

*******

 

المقدمة


تحكي الاية مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد أن ينازع الله العظيم الجليل في العظمة ورداء الكبرياء فادّعى الربوبية، وهوَ أحدُ العبيد الضعفاء الملك المتجبر المتمرد، نمرود فأبطل الخليل عليه دليله، وبين كثرة جهله، وقلة عقله، والجمه الحجة، وأوضح له طريق المحجة. فالى الاستماع لهذه الاية وهي من سورة البقرة – الآية مئتان والثامنة والخمسون-.

*******

 

التلاوة


قال الله تعالى: " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" 

*******

 

المفردات


الآية التي سبقت هذه التي نتحدث عنها تناولت هداية المؤمنين بواسطة نور الولاية والهداية الإلهية، وضلال الكافرين لإتّباعهم الطاغوت، فيذكر الله تعالى في هذه الآية: عدّة شواهد لذلك، وأحدها ما ورد في الآية أعلاه وهي تتحدّث عن الحوار الذي دار بين إبراهيم _عليه السَّلام_ وأحد الجبّارين في زمانه ويدعى (نمرود) فتقول: ("أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ". المحاجة إلقاء الحجة قبال الحجة لإثبات المدعى أو لإبطال ما يقابله، وأصل الحجة هو القصد، وغلب استعماله فيما يقصد به إثبات دعوى من الدعاوي. تعقِّب الآية بجمله اُخرى تشير فيها إلى الدافع الأساس لها وتقول: إنّ ذلك المتجبر تملّكه الغرور والكبر وأسكره الملك " أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ". وتضيف الآية أنّ ذلك الطاغية سأل إبراهيم عن ربّه: من هو الإله الذي تدعوني إليه؟ " إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ". الواقع أنّ أعظم قضية في العالم هي قضية الخلقة، يعني قانون الحياة والموت الذي هو أوضح آية على علم الله وقدرته. ولكن نمرود الطاغية إتّخذ طريق المجادلة والسفسطة وتزييف الحقائق لإغفال الناس والملأ من حوله فقال: إنّ قانون الحياة والموت بيدى " قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ". ومن أجل إثبات هذه الدعوى الكاذبة استخدم حيلة كما ورد في الرواية المعروفة حيث أمر بإحضار سجينين أطلق سراح أحدهما وأمر بقتل الآخر، ثمّ قال لإبراهيم والحضّار: أرأيتم كيف أحيى واُميت.

*******


ولكنّ إبراهيم قدّم دليلاً آخر لإحباط هذه الحيلة وكشف زيف المدّعى بحيث لايمكنه بعد ذلك من إغفال النّاس فقال: "قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ " إنّ هذا الاستدلال وهو الثاني يبدأ «بالفاء» وقد يكون إشارة إلى أنّ الاستدلال الثاني لا يعني صرف النظر عن الاستدلال الأوّل بل تضاف إليه. اجل عند ذلك الجم ابراهيم _عليه السَّلام_ فم هذا المعاند بلجام المنطق "فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" . وبهذا عجز عن الكلام أمام منطق إبراهيم _عليه السَّلام_ الحي ويتّضح ضمناً من عبارة "وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" أنّ الهداية والضلالة بالرغم من أنّهما من أفعال الله تعالى، إلاّ أنّ مقدّماتهما بيد العباد، فارتكاب الآثام من قبيل الظلم والجور والمعاصى المختلفة تشكل على القلب والبصيرة حجبا مظلمة تمنع من أدراك الحقائق على حقيقتها.

*******


احبة القران ما يثار من النقاش في هذه الاية هو حول موقف ابراهيم _عليه السَّلام_ مما قاله نمرود في انه ايضا قادر على احياء الموتى واماتة الاحياء اذ نجده _عليه السَّلام_ يترك هذا الامر وينقل الى طرح موضوع اخر هو"فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ " والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لم يستمر ابراهيم _عليه السَّلام_ في نقاشه ذاك ويثبت ان نمرود على خطاء، ما الحكمة في ذلك؟ نستمع معا الى اجابة سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرانية من مدينة قم المقدسه للإجابة عن هذا السؤال.....

*******


زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً ابراهيم عليه السلام يواجه طاغية جبار متكبر يدق على طبل انا ربكم الاعلى ما علمت لكم من اله غيري ومع ذلك فأن نمرود كان يؤمن بآلهة ولهذا كان يقول انا ربكم الاعلى ما علمت لكم من اله غيري فهو يؤمن بألهة وهو اله الآله، هو الرب الاعلى فهنا ابراهيم عليه السلام حاجه اولاً بأمر بسيط يعني "إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ" طبعاً هذه الاية الثامنة والخمسون بعد المئتين "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ" أن آتاه تعليلية يعني لأن آتاه الله الملك يعني "إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى{٦} أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى{۷}"، "إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ" فجاء نمرود برجلين كان حكم عليهما بالاعدام فأعدم احدهما وابقى واطلق سراح الاخر فقال انا احيي واميت، هذا اعدمته يعني امته وذاك اطلق سراحه يعني احييته فتلبس الامر على الناس ولهذا ابراهيم عليه السلام لم يكن يوضح هذا اللبس لأنه قد لايفهم الناس هذا المعنى ولهذا تحول الى حجة اخرى، هذه المحاجة يعني "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ" يعني اعطاء حجة اخرى، المحاجة يعني حجة قبال حجة اخرى، المحاور عندما يرى ان الحجة الاولى قد تنطلي على الاخرين ولن يؤمن بها الاخرون هنا ينبغي ان يتحول الى حجة اخرى اقوى واوضح وابين، ابراهيم الحكيم عليه السلام، ابراهيم تحول الى حجة اخرى اوضح وابين فقال له ابراهيم، قال انا احيي واميت ابراهيم قال "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ" هذه الحجة اوضح من الحجة الاولى يعني الحجة الاولى استطاع نمرود ان يلبس على الناس بحيث قتل احداً واطلق سراح واحداً اذن هو يحيي يميت بينما هذه الحجة الثانية انه "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ" هنا لم يستطع نمرود ان يتحدث او ان يقول شيئاً، مثلاً لم يستطيع ان يقول انا افعل كذا، لم يقل هي لوحدها تنتقل وتتحرك وليس هناك رب او انه هناك اله لأنه يؤمن ان هناك رب وهناك خالق يعني كما كان المشركون في مكة، المشركون في مكة كانوا يؤمنون بالله عزوجل ولكن الله الخالق وليس الرب وليس الاله ولهذا القرآن يقول "وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ" يعني اذا احداً يسأل المشرك من خلق السماوات والارض يقول الله، هم يؤمنون بالله الخالق وهكذا كان نمرود يؤمن بالله الخالق ولكن لايؤمن بالله الرب والاله ولهذا كان يقول " أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى " "مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي" كما كان فرعون فهنا كان ابراهيم اعطى حجة اوضح وابرز فهي "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ" فلهذا القرآن يقول "فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ" يعني تحير، لن يعطي جواباً، لن يستطع ان يلبس على الناس كما كان يلبس في الحجة السابقة وهي احياء الموتى "إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ" وهذا درس عظيم نستفيد منه انه حينما نعطي حجة والاخر يستطيع ان يلبس على الناس في الجواب عن هذه الحجة وهذا البرهان ينبغي ان ننتقل الى برهان اخر اوضح ظهوراً وابين حتى نجعل الاخر يبهت يعني يعيش البهتان والحيرة ولايستطيع ان يجيب او ان يلبس على الناس كما كان يلبس في الحجة السابقة.

*******

 

القصة


مستمعينا الكرام وصل الحديث بنا حيث اصبحت النار التي اوقدها نمرود والقوم العابد للاوثان اصبحت بمشيئة الباري عزوجل بردا وسلاما على ابراهيم حسب التعبير القراني وعند ذاك نظر نمرود إلى آزر، عم إبراهيم.. وقال: يا آزر، ما أكرم ابنك على ربه؟ ثم خرج إبراهيم من النار، وجاء إلى نمرود، ليدعوه إلى الله من جديد. قال نمرود: يا إبراهيم، من ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: كيف تُحيي وتُميت؟ قال نمرود: اطلب رجلين ممن وجب عليهم القتل، فأطلق واحداً، وأقتل واحداً، فأكون قد أمتّ وأحييت. وكان هذا الكلام من (نمرود) خطأً، إذ معنى كلام إبراهيم _عليه السَّلام_ أن الله يعطي الحياة، ويقبض الأرواح. أما كلام نمرود أنه يطلق سراح الجاني، فليس هذا إحياءً.. فقال له إبراهيم: إن كنت صادقاً، فأحْي الذي قتلته.. لكن نمرود لم يجد جواباً. أعرض إبراهيم عن مقالة نمرود وأراد أن يلزمه بحجةٍ أخرى.. فقال: دع عن هذا "فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ".. فإن كلّ يوم صباحاً، تطلع الشمس من المشرق، وذلك من صنع الله تعالى.. فإن كنت أنت إلهاً، فاعكس الأمر، وائتِ بالشمس من طرف المغرب. "فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ" وانقطع نمرود عن الحجة، فلم يتمكن أن يجيب إبراهيم. وظهر على الكل أن نمرود كاذبٌ في دعواه الالوهية.

*******


 

من هدى الائمة _عليه السلام_


  في الدر المنثور، في قوله تعالى: أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه، عن الامام علي بن أبي طالب قال: الذي حاج إبراهيم في ربه هو نمرود بن كنعان. و في تفسير البرهان ورد في رواية عن الامام الصادق _عليه السَّلام_ تتحدث بشان موعد هذه المحاجة التي تتحدث عنه الاية قيل بعد إلقائه في النار وجعلها عليه بردا وسلاما.

*******

 

دروس وعبر


استنادا الى قوله تعالى: "أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ" نستنتج ان كل ما حصل عليه الانسان هو من عند الله تعالى حتى الكفار ايضا يستفيدون من نعمه في الدنيا الا انهم يسيئون استخدامها. الامر الثاني الذي تشير اليه الاية هو ان القدرة والسيطرة تسبب احيانا الاستكبار والغرور كما حدث لنمرود عندما قال أنا اُحي واميت. على الداعية ان يناقش الاخرين على قدر عقولهم فلو اراد النبي ابراهيم_عليه السَّلام_ ان يناقش نمرود على خطاء منطقه في قوله: أنا اُحي واميت لاستطاع، الا ان نمرود ما كان يفقه ذلك ولذا طرح_عليه السَّلام_ موضوعا اخر فأدى الى بهتان الكافر"فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ" من الضروري ان يتم التطرق الى الدلائل الفطرية والعقلية وما شابه ذلك حتى يقنع الطرف المقابل. ان الانسان الكافر لهو حقا ظالم لنفسه لانه ظلم مكانته كإنسان لذلك فهو لا يهتدي ابدا ما دام على كفره بالله تعالى. و اخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم