عبادة العجل وقضية السامري ۲

السبت 16 مارس 2019 - 19:58 بتوقيت طهران

الحلقة 34

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاه والسلام علی حامل وحيه محمد المصطفی واله الهداه الابرار مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الی برنامج القصص الحق 

• * ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نحط الرحال عند قصة نبي الله موسی ونكمل الحديث عن قصة عبادة العجل وقضية السامري التي ذكرت في سورة طه من الاية ۹۲ حتی ۹۸ 
• * فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية 
• * بداية ننصت خاشعين الی تلاوة هذه الايات المذكوره
• ثم نتعرف علی معاني المفردات والعبارات التي وردت في هذه الايات 
• نستمع الی الحوار القراني الذي يتناول مناقشة بعض الاسألة التي تدور حول عصمة موسی (ع) 
• لنستمع بعد ذلك الی سرد الجزء الثاني من حكاية قوم بني اسرائيل وعبادة العجل 
• في فقرة من هدی الائمة (ع) نقدم لكم رواية عن الامام امير المومنين -عليه السلام- لها ارتباط بهذه الحكاية
• ومسك الختام مع شيء من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية 
• فاهلا ومرحبا بكم الی فقرات هذا اللقاء
 

*******


 

المقدمة



تعقيباً على البحث الذي تناولناه في الحلقة الماضية حول تقريع موسى وملامته لبني إسرائيل الشديدة على عبادتهم العجل، تعكس هذه الآيات التي نبحثها اليوم محاورة موسى (عليه السلام) مع أخيه هارون (عليه السلام)، ثمّ مع السامري.
فلننصت الی تلاوة الايات لنعود بعدها ومتابعة المحطات التالية من البرنامج 

*******


 

التلاوة


قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ۹۲
أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ۹۳
قالَ يَا بْنَ أُمَّ لاتَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولابِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ۹٤
قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِي ۹٥
قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذالِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ۹٦
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً ۹۷
اِنَّما إِلهُكُمُ اللّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَكلَّ شَيْء عِلْماً ۹۸

كنتم ايها الافاضل مع تلاوة الاية ۹۲ حتی ۹۸ من سورة طه ضمن برنامج القصص الحق فابقوا معنا وفقرة التعرف علی معاني المفردات 
 

*******


 

المفردات



يخاطب موسی أوّلا أخاه هارون قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا*أَلاّ تَتَّبِعَنِ اي وكان موسی يذكر اخاه قائلا: أفلم أقل لك أن اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ فلماذا لم تهب لمحاربة عبادة العجل هذه؟
بناءً على هذا، فإنّ المراد من جملة أَلاّ تَتَّبِعَنِ هو: لماذا لم تتّبع طريقة عملي في شدّة مواجهة عبادة الأصنام؟ 
، فلمّا رأى هارون غضب أخيه الشديد قال له ـ من أجل تهدئته وليقلّل من فورته، وكذلك ليبيّن عذره وحجّته في هذه الحادثة ضمناً... قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي.

كان هارون في الحقيقة يُشير إلى كلام موسى (عليه السلام) الذي وجّهه إليه عند توجّهه إلى الميقات، وكان محتواه الدعوة إلى الإصلاح اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ فهو يريد أن يقول: إنّي إذاكنت قد أقدمت على الإشتباك معهم كان ذلك خلاف أمرك، وكان من حقّك أن تؤاخذني. وبهذا أثبت هارون براءته، وخاصّةً مع ملاحظة العبارة الاُخرى التي وردت في الآية ۱٥۰ من سورة الأعراف: إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي
وبعد الانتهاء من محادثة أخيه هارون وتبرئة ساحته، بدأ بمحاكمة السامري: لماذا فعلت ما فعلت، وما هدفك من ذلك؟: قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ؟ فأجابه وقَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
للمفسّرين اراء عدة في تفسير الاية منها ان مراد السامري هو ان يقول: إنّني آمنت ـ بداية الأمر ـ بقسم من آثار الرّسول اي نبي الله (موسى)، ثمّ شككت فيها فألقيتها بعيداً وملت إلى عبادة الأصنام، وكان هذاعندي أجمل وأحلى.

ان كلمة «الرسول» تعني «موسى» (عليه السلام). «والأثر» يعني بعض تعليمات موسى(عليه السلام)، و«نبذتها» ترك تعليمات موسى(عليه السلام). وأخيراً فإنّ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا تشير ـ إلى ماكان لديه من معلومات خاصّة عن دين موسى(عليه السلام)

من الواضح أنّ جواب السامري عن سؤال موسى(عليه السلام) لم يكن مقبولاً بأىّ وجه، ولذلك فإنّ موسى(عليه السلام) أصدر قرار الحكم في هذه المحكمة، وحكم بثلاثة أحكام عليه وعلى عجله، فأوّلا: قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ أي يجب عليك الإبتعاد عن الناس وعدم الإتّصال بهم إلى آخر العمر، فكلّما أراد شخص الإقتراب منك، فعليك أن تقول له: لا تتّصل بي ولا تقربني، وبهذا الحكم الحازم طرد السامري من المجتمع وجعله في عزلة تامّة. منزوياً بعيداً عنهم والعقاب
الثّاني: إنّ موسى (عليه السلام) قد أسمعه وأعلمه بجزائه في القيامة فقال: وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّنْ تُخْلَفَهُ.

والثالث: وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً.
وشخّص موسى في آخر جملة، ومع التأكيد الشديد على مسألة التوحيد، وحاكمية نهج الله، فقال: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَكلَّ شَيْءٍ عِلْماً فليس هوكالأوثان المصنوعة التي لا تسمعكلاماً، ولا تجيب سائلا، ولا تحلّ مشكلة، ولا تدفع ضرّاً.
في الواقع، إنّ جملة وَسِعَكلَّ شَيْءٍ عِلْماً جاءت في مقابل وصف العجل وجهله وعجزه الذي ذكر قبل عدّة آيات.
حياكم الله مستمعينا الكرم وانتم برفقة برنامج القصص الحق من اذاعة طهران
ننتقل الان الی الحوار التالي الذي اجري بشان الايات محل البحث مع
 

*******



المحاورة: مستمعينا الاعزاء اهلاً ومرحباً بكم في هذه المحطة من برنامج القصص الحق ونستضيف خبير البرنامج سماحة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، اهلاً بكم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين
زين العابدين: الله يبارك فيكم ان شاء الله
المحاورة: سماحة السيد لاشك انكلاً من موسى وهرون نبياً فكيف يوجه موسى عليه السلام عتاباً لهجة شديدة الى اخيه في الايةقالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي كيف نفسر دفاع هرون عن نفسه عندما قال "ياابن ام لاتأخذ بلحيتي ولابرأسي اني خشيت ان تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي" ؟
زين العابدين: احسنتم، بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هذا الاختلاف لايمنع من العصمة لأن موسى عليه السلام له سليقة معينة وهرون له سليقة كما يقول العلامة الطباطبائي واختلاف السلائق لاينافي العصمة يعني " قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي " لاتتبعني يعني لاتتبع اسلوبي، لماذا لاتتبع اسلوبي، اسلوب القوة واسلوب الصرامة والحسم وليس معناه الا تتبعني يعني لم تجيء ورائي الى الميقات لا طبعاً وانما لأنه موسى جعل هرون خليفة له " اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ " ولهذا موسى عليه السلام حينما علم انهم ضلوا واتبعوا العجل فقال لهرون " قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاّ تَتَّبِعَنِ "يعني لماذا لم تتبع اسلوبي، لماذا لم تتخذ موقفاً صارماً، موقفاً حاسماً؟ قال "يابن ام لاتأخذ بلحيتي ولابرأسي اني خشيت ان تقول فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قولي" يعني هناكأن هرون عليه السلام يقول انا اختلف عنك، انا لوكنت اتبع اسلوب القوة واسلوب الحسم لتفرق القوم اكثر واصبح الحزب مئات الاحزاب ولتشتت الناس ولهذا رأيت من المناسب ومن الحكمة ان لااستعمل اسلوب القوة واسلوب العنف من اجل الاصلاح حتى حينما تأتي تجد الساحة بسيطة هناك من يعبدون العجل وهناك من رفضوا عبادة العجل ولهذا فعلاً حسناً فعل هرون حينما لم يستعمل اسلوب القوة، حينما عرف موسى ان اسلوب هرون كان هو الاسلوب الانسب بالنسبة للقوم ولهذا لم تكن هناك مشكلة فقط موسى عليه السلام كان سريع الغضب في ذات الله فغضب من هذا الامر لكن سرعان ما عرف الحقيقة رأى بأن مافعله هرون هو الانسب والاكثر حكمة.
المحاورة: طيب استاذ عبد السلام هناك من يقول ان العجل لم يكن ذهبياً بل تبدل الى موجود حي بسبب تراب قدم جبرئيل استناداً الى رأي بعض المفسرين في ان يكون المعني بالرسول هو جبرئيل،كيف تردون؟
زين العابدين: طبعاً لااعتقد ان ظاهر القرآن على عكس ذلك يعني " عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ " الجسد هو حينما تذهب النفس يعني حينما تفرق النفس عن الجسد يسمى جسد، الجسد " عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ " كلمة جسد لاتعني الجسم، الفرق بين الجسم والجسد الجسم هو الروح زائد البدن يسمى الجسم اما الجسد فيطلق على الميت يعني جسد الميت اما الحي فيسمى الجسم فلهذا " عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ " هذا ظاهره ان العجل لم يتحول الى عجل حقيقي وانما هناك عجل من ذهب وله خوار في طريقة معينة بحيث يخرج صوتاً وليس خوار بمعنى الخوار الحقيقي وانما ترك ثقباً من الاعلى ومن الاسفل بحيث حينما يمر الهواء يكون هناك صوتاً، اراد السامري يعني ان يضل القوم اكثر فأكثر اولاً صنع لهم عجلاً من ذهب واليهود يحبون الذهب اثنين جعل له صوتاً بحيث يبدوكأنه حقيقي ولهذا " لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً " النسف دائماً لايطلق على الجسد الحقيقي وانما هو مجرد جسد وليس جسماً وظاهر القرآن اعتقد على هذا المعنى اما بعض الروايات تقول انه اصبح عجلاً حقيقياً طبعاً هذا يخالف ظاهر القرآن الكريم. 
المحاورة: السؤال الاخر هل يجوز القاء كل هذا الذهب في البحر، الا يعد اسرافاً ؟
زين العابدين: طبعاً اراد موسى عليه السلام ان يعلم هؤلاء درساًكبيراً لأنهم ارتكبوا معصيةكبيرة والسامري ارتكب هذه المعصية بحيث صنع لهم عجلاً جسداً له خوار، موسى اراد ان يحطم هذه النظرة ولهذا " لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً " هذا النسف يعني لايدل على الاسراف ربما بعد ذلك جمعوا الذهب يعني هم نسفوه في اليم وربما لم يجمعوه يعني حتى لوكان هذا الذهب ولكن هناك درسكبير عقائدي لهؤلاء يعني موسى عليه السلام عاقب السامري " َإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ " وعاقب كذلك الذين عبدوا العجل، "ان يقتل بعضهم بعضاً" وهذه عقوبة جداً قاسية لأن الذنبكبير والعقوبة تتناسب مع الذنب كلما كان الذنب كبيراً كانت العقوبة كبيرة يعني معصية الشرك، الشرك من اكبر المعاصي ومن اعظم المعاصي ومن اعظم الظلم فموسى عليه السلام اراد ان يتخذ هذه الاساليب "ان يقتل بعضهم بعضاً" وان ينسف العجل في البحر، كل ذلك حتى لو كان فيه خسائر مادية او خسائر في الارواح ولكنه درسكبير لبني اسرائيل وبالتالي درس كبير لنا جميعاً من ان نتجنب ظاهرة السامري. 
*لا شكّ أنّكلاًّ من موسى وهارون نبي، فكيف يوجّه موسى (عليه السلام) عتابا ولهجة شديدة إلى أخيه فی الاية" قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي"
وكيف نفسّر دفاع هارون عن نفسه عندما قالَ " يَا بْنَ أُمَّ لاتَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَ لابِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي" ؟
*هناک من يقول: إنّ العجل لم يكن ذهبيّاً، بل تبدّل إلى موجود حي بسبب تراب قدم جبرئيل استنادا الی رای بعض المفسرين فی ان يکون المعنی بالرسول هو جبرئيل کيف تردون؟ 
والسؤال الآخر هو: هل يجوز إلقاءكلّ هذا الذهب في البحر، ألا يُعدّ إسرافاً؟
*لا شكّ أنّكلاًّ من موسى وهارون نبي، فكيف يوجّه موسى (عليه السلام) عتابا ولهجة شديدة إلى أخيه في الاية "قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي 
وكيف نفسّر دفاع هارون عن نفسه عندما قالَ " يَا بْنَ أُمَّ لاتَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولابِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ؟
*هناك من يقول: إنّ العجل لم يكن ذهبيّاً، بل تبدّل إلى موجود حي بسبب تراب قدم جبرئيل استنادا الی راي بعض المفسرين في ان يكون المعني بالرسول هو جبرئيل كيف تردون؟ 
والسؤال الآخر هو: هل يجوز إلقاء كلّ هذا الذهب في البحر، ألا يُعدّ إسرافاً؟

*******


 

القصة


بعد ان عاد موسی(ع) غضبان أسفا إلى قومه سمع صياح القوم وهم يطوفون حول العجل. توقف القوم حين ظهر موسى وساد صمت. صرخ موسى يقول: " بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ "
ثم اتجه عليه السلام نحو اخيه هارون وألقى ألواح التوراة من يده على الأرض. مد موسى يديه وأمسك هارون من شعر رأسه وشعر لحيته وشده نحوه وهو يرتعش. قال موسى: " يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ". زاد الصمت عمقا بعد جملة موسى الغاضبة. وتحدث هارون إلى موسى: قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي
رجا منه أن يترك رأسه ولحيته. بحق انتمائهما لأم واحدة. 
أفهمه أن الأمر ليس فيه عصيان له. وليس فيه رضا بموقف عبدة العجل. إنما خشي أن يتركهم ويمضي، فيسأله موسى كيف لم يبق فيهم وقد تركه موسى مسؤولا عنهم، وخشي لو قاومهم بعنف أن يثير بينهم قتالا فيسأله موسى كيف فرق بينهم ولم ينتظر عودته.
أفهم هارون أخاه موسى برفق ولين أن القوم استضعفوه، وكادوا يقتلونه حين قاومهم. رجا هارون من موسی أن يترك رأسه ولحيته حتى لا يشمت به الأعداء.
ترك موسی رأس اخيه ولحيته واستغفر الله له ولأخيه. ثم التفت لقومه وتساءل بصوت لم يزل يضطرب غضبا: " يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي".
عاد موسى يقول غاضبا أشد الغضب: " إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ".
لم تكد الجبال تبتلع أصداء الصوت الغاضب حتى نكس القوم رءوسهم وأدركوا خطأهم.كان افتراؤهم واضحا على الحق الذي جاء به موسى. التفت موسى إلى السامري بعد حديثه مع هارون..
تحدث موسى إلى السامري وغضبه لم يهدأ بعد: " قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قال السامري: بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ "
رأيت نبي الله وهو يركب فرسه فلا تضع قدمها على شيء إلا دبت فيه الحياة. " فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ "
لقد أخذت حفنة من التراب الذي سار عليه الرسول وألقيتها على الذهب. " فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
هذا ما ساقتني نفسي إليه , لم يناقش موسى، عليه السلام السامري في ادعائه. إنما قذف في وجهه حكم الحق. قال موسى عليه السلام: " قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا.
فقد عاش السامري منبوذا محتقرا لا يلمس شيئا ولا يمس أحدا ولا يقترب منه مخلوق. هذه هي عقوبته في الدنيا، ويوم القيامة له عقوبة ثانية، اذ قال له موسی وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ.
نهض موسى بعد فراغه من السامري إلى العجل الذهبي وألقاه في النار. لم يكتف بصهره أمام عيون القوم المبهوتين، وإنما نسفه في البحر نسفا. تحول الإله المعبود أمام عيون المفتونين به إلى رماد يتطاير في البحر. ارتفع صوت موسى: " إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَكلَّ شَيْءٍ عِلْمًا" هذا هو إلهكم، وليس ذلك الصنم الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا..
 

*******


 

من هدي الائمة (عليه السلام)


ورد في كتاب (الإحتجاج) إنّ أمير المؤمنين علي(عليه السلام) لمّا فتح البصرة أحاط الناس به ـ وكان من بينهم «الحسن البصري» وقد جلبوا معهم ألواحاً يكتبون فيها ما يقوله أمير المؤمنين علي(عليه السلام)، فقال له أمير المؤمنين بأعلى صوته: «ما تصنع؟» قال: أكتب آثاركم لنحدّث بها بعدكم، فقال أمير المؤمنين: «أما إنّ لكلّ قوم سامرياً، وهذاسامري هذه الاُمّة! إلاّ أنّه لا يقول: لا مساس، ولكنّه يقول: لا قتال»
 

*******


 

دروس وعبر


إنّ موسى (عليه السلام)كان متيقّناً من براءة أخيه، إلاّ أنّه أراد أن يثبت أمرين من خلال محاكمة هارون.

الأوّل: أراد أن يُفهم بني إسرائيل أنّهم قد ارتكبوا ذنباً عظيماً جدّاً، وأي ذنب؟! الذنب الذي ساق هارون الذيكان نبيّاً عظيماً إلى المحكمة، وبتلك الشدّة من المعاملة، أي إنّ المسألة لم تكن بتلك البساطة التيكان يتصوّرها بنو إسرائيل، فإنّ الانحراف عن التوحيد والرجوع إلى الشرك، وذلك بعدكلّ هذه التعليمات، وبعد رؤيةكلّ تلك المعجزات وآثار عظمة الحق، أمر لا يمكن تصديقه، ويجب الوقوف أمامه بكلّ حزم وشدّة.

الثّاني: هو أن تثبت للجميع براءة هارون من خلال التوضيحات التي يبديها، حتى لا يتّهموه فيما بعد بالتهاون في أداء رسالته.
وبعبارة أوضح: فإنّ موسى(عليه السلام) لو أبقى الذهب الذي استُعمل في صناعة العجل، أو قسّمه بين الناس بالسويّة، فربّما نظر إليه الجاهلون يوماً ما نظرة تقديس، وتحيا فيهم من جديد فكرة عبادة العجل، فيجب أن تتلف هذه المادّة الغالية الثمن فداءً لحفظ عقيدة الناس، وليس هناك اُسلوب آخر لذلك وبهذا فإنّ موسى بطريقته الحازمة وتعامله الجازم الذي إتّخذه مع السامري وعجله إستطاع أن يقطع مادّة عبادة العجل، وأن يمحو آثارها من العقول.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم