موسى يستعد للثورة

السبت 16 مارس 2019 - 19:52 بتوقيت طهران

الحلقة 31

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله والصلاه والسلام على حامل وحيه محمد المصطفي واله الهداه الابرار 
مستمعينا الكرام السلام عليكم ورحمه الله وبركاته واهلا بكم الى برنامج القصص الحق 
* ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نواصل الحديث حول قصة نبي الله موسى التي ذكرت في سورة يونس ۸۳ الى ۸۹
فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية 
بداية ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات 
ثم نتعرف على معاني المفردات والعبارات التي وردت في الايات 
نستمع الى الحوار القراني الذي اجري بشان الايات 
لنستمع بعد ذلك الى سرد الحكاية 
نغترف من معين اهل البيت (ع) لنرتوي منه في تفسير هذه الايات 
ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرانية 
فاهلا ومرحبا بكم الى فقرات هذه اللقاء

المقدمة 
تعكس هذه الآيات مرحلة اُخرى من المواجهة الثورية بين موسى وفرعون، ففي البداية تبيّن وضع المؤمنين بعد اعلان دعوته وموقف الناس منها ثم يجري الحديث فيها عن دعاء موسى (ع) على القوم الكافرين واستجابة دعائه من قبل الباري تعالى وبالتالي خروج موسى وبني اسرائيل من مصر وقصة فلق البحر. 
الان ننصت خاشعين الى تلاوة هذه الايات من سورة يونس ۸۳ الى ۸۹ 

*******


فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (۸۳)
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ (۸٤)
فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (۸٥)
وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (۸٦)
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (۸۷)
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (۸۸)
قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (۸۹)
 

*******


المفردات 
تقول الاية المباركة (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ)
انّ هذه المجموعة الصغيرة القليلة، والتي كان الشباب والأشبال يشكّلون أكثريتها بمقتضى ظاهر كلمة ذريّة، كانت تواجه ضغوطا شديدة من فرعون وأتباعه إلى درجة أنّهم خافوا أن يصل بهم الأمر إلى ترك دين موسى نتيجة هذه الضغوط الشديدة وكما تعبر الاية الشريفة: (عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ). 
لقد حدّث موسى هؤلاء بلسان المحبّة والمودة من أجل تهدئة خواطرهم وتسكين قلوبهم: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ).
إنّ حقيقة التوكل هي إلقاء العمل والتصرف في الاُمور على كاهل الوكيل، هذا هومفهوم التوكّل الذي لا ينفك عن الإيمان والإسلام، لأنّ الفرد المؤمن والمذعن لأوامر الله يعتقد أنّه قادر على كل شيء، وكل عسير مقابل إرادته سهل يسير، ويعتقد بوعد الله تعالى للمؤمنين بالنصر.
إنّ هؤلاء المؤمنين المخلصين أجابوا دعوة موسى بالتوكل: (فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا). ثمّ رجوا من الله سبحانه أن ينجيهم من شر الأعداء ووساوسهم وضغوطهم ويؤمّنهم: (رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) 
ثم تشرح الآيات التالية مرحلة اُخرى من نهضة موسى وثورة بني إسرائيل ضد الفراعنة. فتقول: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) فالأمر الإلهي يقرر اختيار البيوت لبني اسرائيل بمصر وأن تكون هذه البيوت متقاربة ومتقابلة لأنّ القبلة في الأصل بمعنى حالة التقابل، وإطلاق كلمة القبلة على ما هومعروف اليوم اي الكعبة المشرفة إنّما هومعنىً ثانوي لهذه الكلمة.
ثمّ تتطرق إلى مسألة تربية النفس معنوياً وروحياً، فقالت: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ) ومن أجل أن تطرد آثار الخوف والرعب من قلوب هؤلاء وتعيد وتزيد من قدرتهم المعنوية والثّورية قالت: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) 
ثمّ تشير الى احد عوامل طغيان فرعون وأزلامه، فتقول على لسان موسى: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ).
إنّ اللام في «ليضلوا» لام العاقبة، أي إنّ جماعة الأشراف الأثرياء المترفين سيسعون من أجل إضلال الناس شاؤوا أم أبوا، وسوف لا تكون عاقبة أمرهم شيئاً غير هذا، لأنّ دعوة الأنبياء والأطروحات الإلهيّة توقظ الناس وتوحدّهم وبذلك لايبقى مجال لتسلط الظالمين وكيد المعتدين وستضيق الدنيا عليهم، فلا يجدوا بدّاً من معارضة الانبياء.
ثمّ طلب موسى (عليه السلام) من الله طلباً فيقول: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ).
«الطمس» في اللغة بمعنى المحووسلب خواص الشيء ، واللطيف في الأمر أنّ ماورد في بعض الرّوايات من أنّ أموال الفراعنة قد أصبحت خزفاً وحجراً بعد هذه اللعنة ، ربّما كان كناية عن أنّ التدهور الاقتصادي قد بلغ بهم أن سقطت فيه قيمة ثرواتهم تماماً وأصبحت كالخزف لا قيمة لها
ثمّ تضيف الاية (وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي: أسلبهم قدرة التفكير والتدبّر أيضاً لأنّهم بفقدانهم هاتين الدعامتين (المال والفكر) سيكونون على حافة الزوال والفناء، وسينفتح أمامنا طريق الثورة، وتوجيه الضربه النهائية لهؤلاء.
(فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) ومن الطبيعي أنّ الإيمان بعد مشاهدة العذاب لا ينفع هؤلاء أيضاً.
ثمّ خاطب الله سبحانه وتعالى موسى وأخاه بأنّه: الآن وقد أصبحتما مستعدين لتربية وبناء قوم بني إسرائيل (قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا) في سبيل الله ولا تخافا سيل المشاكل، وكونا حازمين في أعمالكما ولا تستسلما أمام اقتراحات الجاهلين، بل استمرّا في برنامجكما الثوري (وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ).

*******


المحاورة: مستمعينا الاعزاء نستضيف في هذه الحلقة من برنامج قصص الحق السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من قم المقدسة، اهلاً بكم سماحة السيد عبد السلام زين العابدين 
زين العابدين: الله يبارك فيكم ان شاء الله 
المحاورة: سماحة السيد هناك بحث بين المفسرين بأنه من كانت هذه الذرية آمنت بموسى والى من يعود ضمير من قومه، الىموسى ام فرعون؟ 
زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم احسنتم كثيراً هذه الاية الثالثة والثمانون من سورة يونس عليه السلام ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ ) هناك اتجاهان في عالم التفسير الاتجاه الاول يقول الضمير ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) من قومه يعني راجعة الى فرعون لأن الاية تتحدث عن فرعون، الايات التي قبلها (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) اذن فرعون مذكور في السياق وممكن من قومه يعني عائدة الى فرعون يعني بعضهم آمن كزوجة فرعون مثلاً، بعض الاقباط آمنوا لموسى عليه السلام، الاتجاه الاخر وهوالاتجاه الاكثر انسجاماً مع السياق هذه الهاء يعني الضمير ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) يعني من قوم موسى يعني من بني اسرائيل فجماعة من بني اسرائيل هؤلاء هم الذين آمنوا من قوم موسىعليه السلام، هذه الذرية المؤمنة ولكن هؤلاء آمنوا في ظرف رعب وخوف وكانوا مستضعفين ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) يعني من بني اسرائيل، المستضعفون من بني اسرائيل، المؤمنون الذين قبلوا الحق هم آمنوا بموسى عليه السلام ولكن هذا الايمان كان على خوف، كانت الاجواء اجواء طاغية، يدق على طبل انا ربكم الاعلى وما علمت لكم من اله غيري وما اريكم الا ما ارى فهناك من ذرية بني اسرائيل آمنوا بموسى عليه السلام على خوف من فرعون وملأهم فلهذا هذه الهاء يعني ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) يعني ذرية من قومه عائدة الى موسى افضل في السياق يعني من بني اسرائيل اذن الافضل ان نقول ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) يعني من قوم موسى (عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ) يعني على خوف من الطاغية فرعون ومن ابناء جلدتهم من بني اسرائيل الذين كانوا يوالون الطاغية، الذين ركنوا الى فرعون. 
المحاورة: طيب استاذ عبد السلام، (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) ما المقصود من الامر الالهي الذي يقرر اختيار البيوت لبني اسرائيل بمصر وان تكون هذه البيوت قبلة، ما معنى ذلك؟
زين العابدين: احسنتم كثيراً هذا سؤال يعني جميل ورائع بارك الله فيكم، هذه الاية السابعة والثمانون من سورة يونس، هذا الايحاء الرباني الاول لموسى وهرون اولاً ان يتخذ بنواسرائيل بيوتاً، الايحاء الثاني الرباني الالهي ان يجعلوا بيوتهم قبلة، ما معنى ان يتخذوا بيوتاً؟ هناك اتجاهان في عالم التفسير، بعضهم قال اتخذوا بيوتاً يعني بيوت عبادة، بعضهم قال بيوت سكن طبعاً الافضل بيوت عبادة تحتاج الى تأويل يعني اختيار البيوت من اجل السكن وليس من اجل العبادة، لماذا؟ هذا يبدوان بني اسرائيل كانوا يعيشون حالة البداوة، حالة عدم التحضر، كانوا على شكل فساطيط اوعلى شكل خيام يعني متنقلون لايأويهم مأوى بحيث لم يكونوا مجتمعاً متحضراً قوياً متماسكاً ثابتاً في ارض له وطن ثابت فالقرآن الكريم يقول ان الله عزوجل اوحى لموسى وهرون ان يتخذ بنواسرائيل بيوتاً، يكفي حياة التنقل يعني يبدوان بني اسرائيل كانوا لايعيشون في بيوت مستقلة كمجتمع، بعضهم هكذا ذهب يعني ليست حالة البداوة وانما كانوا خدم يعني لم يكن لبني اسرائيل بيوت خاصة بهم وانما اكثر بني اسرائيل كانوا يعيشون خدم في بيوت الفراعنة وفي بيوت الاقباط فلم يكونوا يستقلون في بيوت فجاء الامر الالهي الرباني من خلال موسى وهرون ان يتخذوا بيوتاً، ان يبنوا لأنفسهم، ان يكونوا مجتمعاً مستقلاً يعني له عاداته وتقاليده، الامر الثاني (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) ما معنى قبلة؟ يعني هناك اتجاهان في عالم التفسير ايضاً بعضهم قال قبلة يعني متقابلة يعني البيوت تكون متقابلة، بيت مقابل لبيت حتى يكون هناك تماسك وتآزر ومجتمع متكامل وهناك قرب وعدم افتراق ليكون مجتمعاً متآلفاً متماسكاً متعاضداً ليتمكنوا من النصيحة المتبادلة والتواصي بالحق والتواصي بالصبر وليكون مجتمعاً متحاباً وليسهل كذلك التبليغ واقامة الشعائر بقوة وبصورة جماعية وان كان بعض المفسرين رأى بأن القبلة يعني مصلى يعني (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) يعني مصلى يعني ان منعتم في دور العبادة فعليكم ان تتخذوا من بيوتكم قبلة ولكن التفسير الاول يبدواقرب الى السياق (وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً)ليكونوا متقابلين بيتاً مقابل بيت ولايوجد تفرق في البيوت حتى يكون هناك مجتمع متوحد متماسك متقارب له اعرافه، له تقاليده وطبعاً هذا كله يؤدي الى استقلالية المجتمع وعدم سيطرة الطاغية فرعون على هذا المجتمع. 
 

*******


القصة 
وتبدأ جولة جديدة بين الحق والباطل. فهاهم علية القوم من المصريين، يتآمرون ويحرضون فرعون ويهيجونه على موسى ومن آمن معه، ويخوّفونه من عاقبة التهاون معهم. وقد كان فرعون يستمد قوته من ديانتهم الباطلة، فقال احد حاشية فرعون مخاطبا اياه: يا فرعون انك ابن الآلهة ، فإن عبد موسى ومن معه ربهم ، لن تكون لك أي سطوة عليهم.
فاستثارت هذه الكلمات فرعون، وأشعرته بالخطر الحقيقي على نظامه كله ففكر بوحشيته المعتادة وقررو(قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ).لم يكن هذا التنكيل الوحشي جديدا على بني إسرائيل. فقد نُفِّذ عليهم هذا الحكم في إبان مولد موسى عليه السلام. فبدأ موسى -عليه السلام- يوصي قومه باحتمال الفتنة، والصبر على البلية، والاستعانة بالله عليها فقام فيهم مخاطبا يقول: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
إلا أن قومه بدءوا يشكون من العذاب الذي حل بهم (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا). وطال هذا الأذى حتى ما تبدوله نهاية! 
فيمضي النبي الكريم على نهجه. يذكرهم بالله، ويعلق رجاءهم به، ويلوح لهم بالأمل في هلاك عدوهم. واستخلافهم في الأرض. مع التحذير من فتنة الاستخلاف، فاستخلاف الله لهم إنما هوابتلاء لهم، فهواستخلاف للامتحان: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).
فبدا واضحا أن فرعون لن يكف عن تعذيبه لبني إسرائيل، ولن يكف عن استخفافه بقومه. هنالك دعا موسى وهارون على فرعون.
(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)
لم يكن قد آمن مع موسى الا فريق من قومه. فانتهى الأمر، وأوحي إلى موسى أن يجمع شتات بني اسرائيل في مكان واحد فنزل الوحي على موسى واخيه يقول: (أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) بهذه الخطوة اجتمع المومنون حول بعضهم البعض وهم يذكرون الله ويسالونه الخلاص من سطوة فرعون وظلمه وقد استعدوا لنزول الرحمة الالهيه وان يروا معجزة اخري من معاجز الله تبارك وتعالى التي تحقق على يد عبده وكليمه موسى بن عمران (ع).

*******




من هدي الائمة 
في رواية ابى الجارود عن ابي جعفر الإمام الباقر (عليه السَّلام) في قوله لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين قال الباقر (عليه السَّلام): "قوم موسى استعبدهم آل فرعون، وقالوا لو كان لهؤلاء على الله كرامة كما يقولون ما سلّطنا عليهم".
أو قوله: أن تبوّءا لقومكما عصر بيوتاً يعني بيت المقدس قوله ربّنا إنّك اتيت فرعون وملأه زينة أي ملكاً ليضلّوا عن سبيلك اي يفتنوا الناس بالأموال والعطايا ليعبدوه ولا يعبدوك، ربّنا اطمس على أموالهم أي أهلكها، قوله سبيل الذين لا يعلمون أي طريق فرعون واصحابه.

 

*******



دروس وعبر 
في قوله تعالى (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) يجب الانتباه الى ان معنى التوكل ليس هوأن يترك الإنسان الجد والسعي وينزوي في زاوية ويقول: إنّ الله معتمدي وكفى، بل معناه أن يبذل قصارى جهده، فإذا لم يستطع أن يحل المشكلة ويرفع الموانع من طريقه، فلا يدع للخوف طريقاً إلى نفسه، بل يصمد أمامها بالتوكل والإعتماد على لطف الله. 
*والجميل في الأمر أنّ فرعون قد وُصِفَ في الآية المباركة اولا بأنّه من (المسرفين) وفي الآية التالية سمّي هووأعوانه باسم (الظالمين)، وفي آخر آية بأنّهم من (الكافرين)

*إنّ هذا التفاوت في التعبيرات ربّما لأنّ الإنسان يشرع في مسير الذنب والخطأ من الإسراف أوّلا، أي التعدي على الحدود، ثمّ الظلم، وينتهي عمله أخيراً إلى الكفر والالحاد.

*يستفاد من الآية (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أنّ بني إسرائيل كانوا في تلك الفترة بصورة جماعة متشتتة مهزومة وملوّثة وخائفة، فلا مأوى لهم ولا اجتماعا مركزيا، ولا برنامجاً معنوياً بنّاء، ولا يمتلكون الشجاعة والجرأة اللازمة للقيام بثورة حقيقية.

*يشيرقوله تعالى (فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) الى ان الكفار الملحدين لا يؤمنون بالله حتى يروا سطوة الباري وعذابه ولا تفيد لهم النصائح والمواعظ ابدا. 

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم