قصة نبي الله أيوب (عليه السلام)

السبت 16 مارس 2019 - 19:05 بتوقيت طهران

الحلقة 28

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، والصلاة والسلام علی حامل وحيه محمد المصطفی واله الهداه الابرار. 
اهلاًً بكم الی برنامج القصص الحق ايها الاحبه في هذه الحلقة من البرنامج نحط الرحال عند قصة نبي الله أَيُّوبَ (عليه السلام) التي ذكرت في سورة ص من الآية ٤۱ حتی ٤٤. فتابعونا ايها الكرام ضمن الفقرات التالية: 
بداية ننصت خاشعين الی تلاوة هذه الايات، ثم نتعرف علی معاني المفردات والعبارات التي وردت في هذه الايات، نستمع الی الحوار القرآني الذي اجری بشأن الايات مع السيد عبد السلام زين العابدين، لنستمع بعد ذلك الی سرد حكاية نبي أَيُّوبَ (عليه السلام)، نغترف من معين اهل البيت (عليه السلام) لنرتوی منه في تفسير هذه الايات، ومسك الختام مع باقة من الدروس والعبر المستقاة من هذه الحكاية القرآنية، فاهلاً ومرحباً بكم والی فقرات هذا اللقاء.

*******

هذه الايات تتحدّث عن نبي الله أَيُّوبَ (عليه السلام) الذي كان اُنموذجاً حيّاً للصبر والإستقامة، وذلك لتعطي درساً للموحدين الى يوم القيامة، درساً في مقاومة مشاكل وصعاب الحياة، كما وضّحت العاقبة المحمودة للصبر والصابرين.
تقول الآية الـ ٤۱: «وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ» مفردة «نُصْبٍ» ونَصَبٌ بمعنى التعب والأذی والآية تبيّن:
أوّلاً: علوّ مقام أَيُّوبَ عند الباري عزّوجلّ، وذلك من خلال كلمة «عَبْدَنَا».
وثانياً: فإنّها تشير بصورة خفيّة إلى الإبتلاءات الشديدة التي لا تطاق، وإلى الألم والعذاب الذي مسّ أَيُّوبَ (عليه السلام).
في النهاية خرج أَيُّوبَ (عليه السلام) سالماً من بوتقة الإمتحان الإلهي، ونزلت الرحمة الإلهيّة عليه فتقول الآية: «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ».
مفردة «ارْكُضْ» مشتقـّة من (ركض) وتعني دكّ الأرض بالرجل، وأحياناً تأتي بمعنى الركض، وهنا تعطي المعنى الأوّل.
فالله الذي فجّر عين زمزم في صحراء يابسة وحارقة تحت أقدام الطفل الرضيع إسماعيل، هو الذي أصدر أمراً بتفجّر عين باردة لأَيُّوبَ ليشرب منها ويغتسل بمائها للشفاء من كافّة الأمراض التي أصابته.
مفردة «مُغْتَسَلٌ» يعني الماء الذي يغسل به، وقال البعض: إنّها تعني محل الغسل، لكنّ المعنى الأوّل أصحّ.
النعمة المهمّة الاُولى التي اُعيدت على أَيُّوبَ هي العافية والشفاء والسلامة، أمّا بقيّة النعم التي اُعيدت عليه، فاستعرضها القرآن المجيد «وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ».
عن كيفية عودة عائلته إليه وردت تفاسير متعدّدة، نكيل البحث في هذا الخصوص الى اللقاء القرآني الذي سنستمع اليه في طيات هذا البرنامج.
أمّا قوله تعالى: «وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ»، فإنّها إشارة إلى تناسلهم وزيادة عددهم إلى الضعف، وبهذا إزداد عدد أبناء أَيُّوبَ إلى الضعف.
ورغم أنّ الآيات لا تتطرّق إلى إعادة أموال أَيُّوبَ إليه، ولكن الدلائل كلّها تبيّن أنّ الباريء عزّوجلّ أعاد إليه أمواله وأكثر من السابق.
الذي يلفت النظر في الآية أنّ هدف إعادة النعم الإلهيّة على أَيُّوبَ تحدّد بأمرين:
الأوّل: «رَحْمَةً مِّنَّا» والتي كان لها صبغة فردية، وفي الحقيقة إنّها مكافأة وجائزة من الباريء عزّوجلّ لعبده الصابر المقاوم أَيُّوبَ.
والثـّاني: أن تكون في ذلك ذكرى لأولي الألباب أي إعطاء درس لكلّ أصحاب العقول والفكر على طول التأريخ لأخذ العبر من أَيُّوبَ، كي لا يفقدوا صبرهم وتحمّلهم عند تعرّضهم للمشاكل والحوادث الصعبة، وأن لا ييأسوا من رحمة الله، بل يزيدوا من أملهم وتعلّقهم به.
المشكلة الوحيدة التي بقيت لأَيُّوبَ (عليه السلام) هي قسمه بجلد زوجته، فأوحى الله إليه «وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ».
مفردة «ضِغْث» تعني ما يملأ الكفّ من الأعواد الرقيقة، كسيقان الحنطة والشعير أو الورد وما شابهها.
الآية الأخيرة في بحثنا هذا ـ التي هي بمثابة عصارة القصّة من أوّلها حتى آخرها ـ تقول: «إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ».
ومن الواضح أنّ دعاء أَيُّوبَ الباريء عزّوجلّ، وطلبه دفع الوساوس الشيطانية عنه، ورفع البلاء والمرض عنه، كلّ هذه لا تتنافى مع مقام صبره وتحمّله، ذلك الصبر والتحمّل الذي استمرّ لمدّة سبع سنين، وفي روايات اُخرى لمدّة ثمانية عشر عاماً.

*******

ننتقل الان الی الحوار التالي الذي اجری بشان الايات محل البحث، استضيف في هذه المحطة من البرنامج فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من مدينة قم المقدسة، فضيلة السيد ما المقصود من الوسواس الذي وسس به الشيطان في قلب أَيُّوبَ (عليه السلام) في قوله: «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ»؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، طبعاً في قضية الانبياء والمرسلين (عليهم السلام) ينبغي ان نفسر الايات المباركة وفق فريضة عقلية قطعية وهي فريضة العصمة «وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ» كما في سورة ص، كذلك في سورة الانبياء «وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» طبعاً العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان يقول: ان الشيطان لا سلطان له على الانبياء لمكانة عصمتهم وطبعاً هذا يتفق معه كل المفسرين الذين يرون ان النبي معصوم من وساوس الشيطان التي تؤثر على نفسيته وعلى تصرفاته ولهذا الشيطان نفسه اعترف ابليس: «قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»، يعني انظر هنا المخلَص هنا يختلف عن المخلِص، الشيطان نفسه يقول:«لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»، يعني الذي اخلص لله فأخلصه الله لنفسه ولرسالته هذا النموذج من الناس لا تأثير للشيطان عليه وعلى نفسه وعقله وتفكيره وتصوراته وغرائزه اما تأثير الشيطان على الابدان، هذا ما يراه العلامة الطباطبائي مثلاً في تفسير الايات المباركة بخصوص أَيُّوبَ يقول تأثير الشيطان على الابدان بمعنى ان يؤثر الشيطان على ابدان الانبياء (عليهم السلام) بأيذاء او اتعاب او ارهاق او نصب جسدي من غير اذلال فهذا الامر لادليل على امتناعه كما يقول وان جاء في بعض الروايات كما يقول (عليه السلام) يعني النبي أَيُّوبَ مرض مرضاً شديداً وفقد اهله الا امرأته ولهذا «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ»، اي ان الشيطان صار سبباً مع وجود الاسباب الاخرى طبعاً بشكل طولي لاعرضي لهذا جاء العلاج الرباني «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ»، يعني دواء خارجي «مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ» ودواء داخلي «شَرَابٌ» بعد ذلك القرآن يقول: «وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ»، يعني الانبياء قد يصابون بأمراض كما معروف في النبي أَيُّوبَ في الروايات انه اصيب بمرض لسنوات عديدة وفقد اهله سواء فقدهم من خلال الموت او فقدهم من خلال المفارقة. 
المحاور: نعم فضيلة السيد في قوله تعالى: «وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ»، كيف تمت عودة عائلته اليه؟
السيد عبد السلام زين العابدين: طبعاً سيد مصطفى التعبير مجمل «وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا»، في سورة ص، في سورة الانبياء الآية الرابعة والثمانين «فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ»، التعبير مجمل «وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ»، اي كانوا هؤلاء الاهل؟ هل كانوا ماتوا مثلاً واعادهم الله للحياة مثلاً او ابتعدوا عنه وتركوه ثم عادوا؟ 
كان أَيُّوبَ في الروايات كما حلف ان يضرب امرأته لأمر انكره منها وكان الحلف ان يضربها مئة جلدة بيد رأى ان هذا الامر فيه القسوة بما لا يتناسب مع زوجته ااتي خدمته خدمة طويلة اثناء مرضه وصبرت على اوجاعه وآلامه لسنوات طويلة، بعد ان عرف ذلك ومدى حرصها ومداراتها له في مرضه وحتى لا يحنث بالقسم علمه الله عزوجل طريقة جميلة تؤدي الغرض « وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ»، يعني الايات مجملة في عودة الاهل، أين كانوا هل فارقوه مثلاً؟ او ماتوا ثم عادوا للحياة؟ التعبير مجمل ولكن «وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ» لأنه قد صبر تلك السنوات الطويلة في مرضه وكان أَيُّوبَ (عليه السلام) مثال الانسان الصابر على الامراض والاوجاع والاسقام كذلك زوجته كانت مثال المرأة التي لم تترك زوجها في محنته الطويلة وفي مرضه الشديد ولهذا جاء اللطف الالهي حينما حلف ان يضربها، طبعاً الرواية تقول ان ظفيرة من شعرها كانت مقصوصة بحيث كانت تجلب له الطعام يعني ساوموها على الظفيرة فالقرآن يقول:«وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا» يعني حزمة «فَاضْرِب بِّهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ» هذا يدل على مدى حرص هذه المرأة الصالحة التي لم تترك زوجها رغم مرضه الطويل والكبير. 

*******

قصة نبي الله ايوب (عليه السلام)

أنعم الله على أَيُّوبَ (عليه السلام) بنعم كثيرة فرزقه بنين وبنات، ورزقه أراضي كثيرة يزرعها فيخرج منها أطيب الثمار كما رزقه قطعان الماشية بأنواعها المختلفة وفوق ذلك كله أعلى الله مكانته واختاره للنبوة.
وكان أَيُّوبَ (عليه السلام) ملاذاًَ وملجأً للناس جميعاً وبيته قبلة للفقراء لما علموا عنه أنه يجود بما لديه ولا يمنعهم من ماله شيئًا، ولا يطيق أن يرى فقيراً بائساً.
وبلغ من كرمه (عليه السلام) أنه لم يتناول طعاماً حتى يكون لديه ضيفاً فقيراً، هكذا عاش أَيُّوبَ (عليه السلام) شاكرا لله ويدعو الناس إلى كل خير وينهاهم عن كل شر.
وبينما الجميع فى عافية، نزلت الابتلاءات والمحن بأَيُّوبَ (عليه السلام).
فجاء أحد العمال يجرى ويصيح: يا سيدى .. يا نبي الله لقد قتلوهم .. قتلوا جميع رفاقي .. الرعاة والفلاحين .. جميعهم قـُتلوا جرت دماؤهم فوق الأرض.
قال أَيُّوبَ: وكيف حدث ذلك؟ 
اجاب الغلام: هاجمنا اللصوص .. وقتلوا من قتلوا وأخذوا ما كان معنا من ماشية.
في اليوم التالي نزلت الصواعق من السماء على أحد الحقول التابعة لما يملكه أَيُّوبَ (عليه السلام) .. وجاء أحد الفلاحين .. كانت ثيابه محترقة وحاله يُرثى له.
هتف أَيُّوبَ (عليه السلام): ماذا حصل؟ 
اجاب: النار! يا نبي الله النار ـ احترق كل شيء .. لقد نزل البلاء .. الصواعق أحرقت الحقول والمزارع . أصبحت أرضنا رماداً يا نبي الله. مات رفاقي كلهم واحترقوا.
قالت زوجة أَيُّوبَ (عليه السلام): ما هذه المصائب المتتالية؟!
قال أَيُّوبَ: اصبري، هذه مشيئة الله.
أجل، لقد حان وقت الامتحان .. ما من نبي إلاّ وامتحن الله قلبه.
نظر أَيُّوبَ (عليه السلام) إلى السماء وقال بضراعة: الهي امنحني الصبر.
في ذلك اليوم أمر أَيُّوبَ (عليه السلام) الخدم والعبيد بمغادرة منزله والرجوع إلى أهاليهم والبحث عن عمل آخر.
وفى اليوم التالى حدثت مصيبة تتكسر أمامها قلوب الرجال.
لقد مات جميع أولاده البنين والبنات، حيث اجتمعوا فى دار لهم لتناول الطعام فسقطت عليهم الدار فماتوا جميعاً.
وازدادت محنة أَيُّوبَ (عليه السلام) أكثر وأكثر.
فلقد اُبتلى فى صحته وأصابته أمراض نفر عنه معها من كان حوله جميعاً.
إذ لم يبق معه سوى زوجته الطيّبة.
حاول الشيطان اللعين أن ينال من قلب أَيُّوبَ (عليه السلام)، فأخذ يوسوس إليه من كل جانب قائلا: ماذا فعلت يا أَيُّوبَ حتى يموت أولادك وتصاب فى أموالك، ثم تصاب فى صحتك. 
فَاسْتَعِذْ، أَيُّوبَ (عليه السلام) بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. 
وكان أَيُّوبَ (عليه السلام) لا يزداد مع زيادة البلاء إلا صبراً وطمأنينة. 
يأس الشيطان من أَيُّوبَ وزوجته الصابرين المحتسبين.
فاتجه إلى الناس ينفث فيهم الوساوس حتى جعلهم يعتقدون أن أَيُّوبَ (عليه السلام) أذنب ذنباً كبيراً فحلّت به اللعنة.
عقد القوم العزم على أن يخرجوا أَيُّوبَ من أرضهم. 
فجاءوا اليه قائلين: نحن نظنّ أن اللعنة قد حلّت بك ونخاف أن تعمّ القرية كلها. فاخرج من قريتنا واذهب بعيداً عنا.
أما زوجته الصالحة فقد بحثت عمّن يستخدمها في العمل، ولكن الأبواب قد أُغلقت في وجهها ومع ذلك لم تمدّ يدها لأحد.
وتحت ضغط الحاجة والفقر، اضطرت أن تقص ضفيرتيها لتبيعهما مقابل رغيفين من الخبز.
ثم عادت إلى زوجها وقدّمت له رغيف الخبز عندما رأى أَيُّوبَ (عليه السلام) ما فعلت زوجته بنفسها شعر بالغضب.
حلف أَيُّوبَ (عليه السلام) أن يضربها على ذلك مائة ضربة، ولم يأكل الرغيف. 
وتحمل المرض والبلايا وتحمل اتهامات الناس.
لكن بيع زوجته لضفيرتيها هزه من الداخل.
فنظر أَيُّوبَ إلى السماء وقال: «يا رب أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ، يا رب أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» .
وهنا، أضيء المكان بنور شفاف جميل وامتلأ الفضاء برائحة طيّبة، ورأى أَيُّوبَ ملاكاً يهبط من السماء يسلم عليه ويقول: نعم العبد أنت يا أَيُّوبَ إن الله يقرئك السلام ويقول: لقد أُجيب دعوتك وأن الله يعطيك أجر الصابرين.
اضرب برجلك الأرض يا أَيُّوبَ! واغتسل في النبع البارد واشرب منه تبرأ بإذن الله.
غاب الملاك، وشعر أَيُّوبَ بالنور يضيء في قلبه فضرب بقدمه الأرض، فإنبثق نبع بارد عذب المذاق، إرتوى أَيُّوبَ (عليه السلام) من الماء الطاهر وتدفقت دماء العافية في وجهه، وغادره الضعف تماماً.
عادت الزوجة تبحث عن زوجها فلم تجده ووجدت رجلاً يفيض وجهه نعمة وصحته وعافية. 
فقالت له باستعطاف: ألم ترَ أَيُّوبَ، أَيُّوبَ نبي الله؟! 
وبعد لحظات عرفت المرأة بان الرجل هو أَيُّوبَ زوجها، فقد شاء الله أن يمنّ عليه بالعافية.
اجل، رزقهما الله بنين وبنات من جديد.
ووفاء بنذر أَيُّوبَ (عليه السلام) أن يضرب زوجته مائة ضربة أمره الله تعالى أن يأخذ ضغثاً وهو ملء اليد من حشيش البهائم، ثم يضربها به فيوفي يمينه ولا يؤلمها، لأنها امرأة صالحة لا تستحق إلا الخير.

*******

من هدي الائمة (عليه السلام)

سئل الإمام الصادق عن بليّة أَيُّوبَ التي ابتلي بها في الدنيا لأيّ علّة كانت؟ 
فقال (عليه السلام): لنعمة أنعم الله عزّوجلّ عليه بها في الدنيا وأدّى شكرها، وكان في ذلك الزمان لا يحجب إبليس دون العرش، فلمّا صعد ورأى شكر نعمة أَيُّوبَ (عليه السلام) حسده إبليس.
فقال: يا ربّ، إنّ أَيُّوبَ لم يؤدّ إليك شكر هذه النعمة إلاّ بما أعطيته من الدنيا، ولو حرمته دنياه ما أدّى إليه شكر نعمة أبداً، فسلّطني على دنياه حتى تعلم أنّه لم يؤدّ إليك شكر نعمة أبداً.
فقال له الباري عزّوجلّ: قد سلّطتك على ماله وولده.
قال: فانحدر إبليس فلم يبق له مالا ولا ولداً إلاّ أعطبه (أي أهلكه) فإزداد أَيُّوبَ لله شكراً وحمداً. 
قال: فسلّطني على زرعه يا ربّ.
قال: قد فعلت، فجاء مع شياطينه فنفخ فيه فاحترق، فازداد أَيُّوبَ لله شكراً وحمداً.
فقال: يا ربّ سلّطني على غنمه، فسلّطه على غنمه فأهلكها، فإزداد أَيُّوبَ لله شكراً وحمداً.
فقال: يا ربّ سلّطني على بدنه فسلّطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه، فنفخ فيه إبليس فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه، فبقي في ذلك دهراً طويلاً يحمد الله ويشكره ولكن وقعت حادثة كسرت قلبه وجرحت روحه جرحاً عميقاً، وذلك عندما زارته مجموعة من رهبان بني إسرائيل وقالوا له: يا أَيُّوبَ لو أخبرتنا بذنبك لعلّ الله كان يهلكنا إذا سألناه، وما نرى إبتلاك بهذا الإبتلاء الذي لم يبتل به أحد إلاّ من أمر كنت تستره؟ 
فقال أَيُّوبَ (عليه السلام): وعزّة ربّي لم أرتكب أي ذنب، وما أكلت طعاماً إلاّ ويتيم أو ضعيف يأكل معي.
وفي رواية اخرى سئل أَيُّوبَ بعد ما عافاه الله: أي شيء كان أشد عليك مما مر؟ 
فقال: شماتة الأعداء.

*******

دروس وعبر

رغم أنّ قصّة هذا النّبي الصابر أدرجت في أربع آيات في هذه السورة، إلاّ أنّها وضّحت حقائق مهمّة، منها:
أولاً: الإمتحان الإلهي واسع وكبير جدّاً ويشمل حتى الأنبياء الكبار، إذ يكون إمتحانهم أشدّ وأصعب من الآخرين، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ أشد الناس بلاءاً الأنبياء، ثمّ الذين يلونهم، الأمثل فالأمثل».
ثانياً: الفرج بعد الشدّة نقطة اُخرى تكمن في مجريات هذه القصّة، فعندما تشتدّ أمواج الحوادث والبلاء على الإنسان وتحيط به من كلّ جانب، عليه أن لا ييأس ولا يفقد الأمل، وإنّما عليه أن يدرك أنّها بداية تفتح أبواب الرحمة الإلهية عليه، كما يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «عند تناهي الشدّة تكون الفرجة».
ثالثاً: ان أحبّاء الله ليسوا من يذكروا الله عند الرخاء، وإنّما أحبّاء الله الواقعيون هم اُولئك الذين يذكرون الله دائماً في السرّاء والضرّاء، وفي البلاء والنعمة، وفي المرض والعافية، وفي الفقر والغنى، وإنّ تأثيرات الحياة الماديّة لا تترك على إيمانهم وأفكارهم أدنى أثر.
رابعاً: هذه القصّة أكدت مرّة اُخرى حقيقة أنّ فقدان الإمكانات الماديّة، ونزول المصائب، وحلول المشاكل والفقر، لا تعني عدم شمول الإنسان بلطف الباريء عزّوجلّ، بل على العكس هي وسيلة لبلوغ المراتب السامية، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ في الجنّة منزلة لا يبلغها عبد إلاّ بالإبتلاء».

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم