قصة النبي سليمان وملكة سبأ- ۲

السبت 16 مارس 2019 - 18:44 بتوقيت طهران

الحلقة 14

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا
والصلاة والسَّلام على رسوله وحبيبه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
يسعدنا ان نلتقي بكم في هذا اللقاء القرآني الذي نستنير فيه بهدى القصص القرآنية، وفي هذا اللقاء سنتعرف على القسم الثاني من حكاية النبي «سُلَيْمَانُ» والْهُدْهُدَ والتي تحدثت عنها الآيات السابعة والعشرون حتى الآية السابعة والثلاثين من سورة النمل.
بداية ننصت معاً الى تلاوة هذه الآيات المباركة، ثم نقف عند معاني المفردات والعبارات القرآنية الواردة فيها.
خبير هذا اللقاء سماحة السيد عبد السَّلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية، ويجيبنا بعد ذلك عن بعض الأسئلة المثارة حول الحكاية.
ثم ننتقل بعد هذا الحوار القرآني الى تفاصيل الحكاية ونستمر في تقديم البرنامج بفقرة من هدي الأئمة (عليهم السَّلام) ورواية عن اهل البيت (عليهم السَّلام) بشأن القصة، وننهي البرنامج بعون الله بالدروس العملية والنظرية المستفادة من القصة القرآنية.

*******

يبدأ القسم الثاني من حكاية النبي «سُلَيْمَانُ» (عليه السَّلام) بتحقيقه (عليه السَّلام) فيما اخبر عنه الْهُدْهُدَ والذي كان يجهله«سُلَيْمَانُ» (عليه السَّلام) فكتب (عليه السَّلام) كتاباً وجيزاً ذا مغزى عميق وسلّمه إلى الْهُدْهُدَ وأمره بإيصال الكتاب الى ملكة سبأ.

من هدي الآيات

في قوله: «اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ».
يستفاد من التعبير «أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ» أن يلقي الكتاب عندما تكون ملكة سبأ حاضرة بين قومها، لنلاّ تعبث به يد النسيان او الكتمان.
ولمّا كانت في مثل هذه المسائل المهمّة تستشير من حولها، لذلك فقد دعتهم وتوجّهت إليهم و«قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ».
الْمَلَأُ: يعني أشراف القوم.
وقول الملكة: «إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ» (أي: قيّم) لعلّه لمحتواه العميق، أو لأنه بدء بإسم الله، أو لأنه ختم بإمضاء صحيح. أو لأنّ مرسله رجل عظيم، وقد احتمل كلّ مفسر وجهاً منها - أو جميعها - لأنه لا منافاة بينها جميعاً. وقد تجتمع جميعها في هذا المفهوم الجامع.
ثمّ إن (ملكة سبأ) نقلت نصّ الكتاب فقالت: «إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ».
الطريف أن نصّ هذا الكتاب لم يتجاوز في الواقع ثلاث جمل.
الأولى: ذكر (اسم الله) وبيان رحمانيته ورحمته.
الثانية: الأمر بترك الإستعلاء والغرور، لأن الإستعلاء مصدر المفاسد الفردية والإجتماعية.
والثالثة: التسليم والإذعان للحق.
وبعد ان ذكرت ملكة سبأ نصّ كتاب «سُلَيْمَانُ» لقومها. التفتت إليهم و«قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ».
كلمة «أَفْتُونِي» مشقة من (الفتوى) معناها في الأصل: الحكم الدقيق والصحيح في المسائل الغامضة والصعبة. فملكة سبأ، أرادت بهذا التعبير أن تشعرهم بصعوبة المسألة أوّلاً، وأن يدققوا النظر ويجمعوا الرأي فيها ليتجنّبوا الخطأ ثانياً.
«تَشْهَدُونِ»: مفردة مأخوذة من مادة (الشهود)، ومعناها الحضور، الحضور المقرون بالتعاون والمشورة، «قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ».
وهكذا فقد أظهروا لها تسليمهم وإذعانهم لأوامرها، كما أبدوا رغبتهم في الإعتماد على القوّة والحضور في ميدان الحرب لمّا رأت الملكة رغبتهم في الحرب خلافاً لميلها الباطني، ومن أجل اطفاء هذا الظمأ وأن تكون هذه القضية مدروسة، لذلك «قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة» فيقتلون جماعة منهم ويأسرون آخرين ويطردون طائفة ثالثة ويخرجونهم من ديارهم ويخرّبون حيّهم وينهبون ثرواتهم وأموالهم.
ثمّ أضافت الملكة قائلة: علينا أن نختبر «سُلَيْمَانُ» وأصحابه، لنعرف من هم وما يريدون؟ وهل «سُلَيْمَانُ» نبيّ حقاً أو ملك؟ وهل هو مصلح أو مفسد؟ وهل يذلّ الناس أم يحترمهم ويعزّهم؟ فينبغي أن نرسل شيئاً إليه «وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ».
فالملوك لهم علاقة شديدة بالهدايا، ونقطة الضعف كامنة في هذا الأمر، فيمكن أن يذعنوا للهدايا الغالية. فإذا أذعن «سُلَيْمَانُ»بهذه الهدية فهو ملك، وينبغي ان نواجهه بالقوّة فنحن أقوياء وإذا ألحّ على كلامه ولم يكترث بنا فهو نبيّ، وفي هذه الصورة ينبغي التعامل معه بالحكمة والتعقل.

*******

اسئلة الخبير

إذ نقف بازاء حكاية نبيّ الله «سُلَيْمَانُ» (عليه السَّلام) مع الْهُدْهُدَ التي جاءت في سورة النمل.
المحاور: اعزائنا نستضيف خبير البرنامج فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية في هذه الحلقة من البرنامج، فضيلة السيد ذكر المفسّرون اوجها في تفسير كلمة (كتاب كريم) كلها تدل على الاحترام والمكانة التي كانت بلقيس تكنّها لذلك الكتاب كيف يمكن النظر الى هذا البعد مع انهم كانوا يعبدون الشمس؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم، صحيح اخ مصطفى انهم كانوا يعبدون الشمس من دون الله كما صرح هدهد «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) ولكن الوثنيين جميعاً يؤمنون بالله سبحانه وتعالى كرب يعني كرب الارباب كما يطلق عليه وان لم يعبدوه وهذا نص العلامة الطباطبائي يقول ان كل الوثنيين «وَلَئِن سَأَلْتَهُم» حتى قريش، القرآن الكريم يقول: «وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» يعني «لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى» انظر الفرق الوثنيون يؤمنون بأن الله هو الخالق وهو رب الارباب ولكن يعبدون من دون الله عزوجل كذلك قوم بلقيس ملكة سبأ هكذا كانوا، كانوا يؤمنون بالله عزوجل كرب الارباب وان لم يعبدوه، كانوا يعبدون الشمس كمظهر من مظاهر الله عزوجل كما كان يعبد الوثنيون في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كانوا يعبدون الاصنام وحينما يسألهم النبي يقولون: «يُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى» هذا امر الامر الثاني هناك نقطة مهمة في شخصية ملكة سبأ وهي انها لم تكن كافرة، الكافر يعني المستكبر الذي يعرف الحق ويحرف يعني المغضوب عليه بتعبير سورة الحمد «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ» هناك مَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ الذين يعرفون ويحرفون وهناك ضالون، الضال هو التائه الذي لا يعرف الحق ولهذا القرآن يعبر تعبيراً جميلاً جداً عن تقييم شخصية ملكة سبأ يقول: «وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ» انظر اخ مصطفى «كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ» لم يقل القرآن كانت كافرة، كأن الاجواء كانت كافرة فصدت الاجواء بلقيس عن الحقيقة لهذا لما وصل اليها الحق وآمنت بالحق اعترفت «قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، انظر «أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ» لم تقل اسلمت لسليمان وانما «أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ»، هذه الشخصية شخصية رائعة يعني كانت ملكة سبأ ولهذا وصفت الكتاب بالكريم، لماذا وصفت الكتاب بالكريم؟ لمضمونه ولمصدره، انظر «يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ» يعني هذه علة الكتاب الكريم «إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ» يعني مصدره مصدر كريم لأنها كانت تعرف وقد سمعت بملك «سُلَيْمَانُ» (عليه السلام) وان لم تعرف التفاصيل يعني كانت تسمع بعظمة ملك «سُلَيْمَانُ» ومدى انتشار هذا الملك، ثانياً «وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» يعني هذه الكلمة «أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» يعني وصفت الكتاب الكريم لسببين السبب الاول من مصدره الكريم والسبب الثاني مضمونه الكريم «إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» يعني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ طبعاً بهرت هذه الاية، اعظم آية في القرآن الكريم هي «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فيها الرحمة الرحمانية العامة والرحمة الرحيمية الخاصة ولهذا كان مضمون الكتاب «أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» يعني كتاب بسطر واحد فيه رحمة وفيه تهديد ولهذا هي كانت حكيمة، طبعاً مظاهر الحكمة في شخصية ملكة سبأ لو بحثنا فيها لوجدنا العديد من مظاهر الحكمة مثلاً «مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ» يعني كانت دائماً تلجأ الى المشورة لم تقل لم اقطع «مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ» يعني هي بطبيعتها كانت تلجأ الى مشورة الملأ من قومها. 
المحاور: نعم فضيلة السيد يعني ماسبب حجة الله التي يخاطب بها النبي «سُلَيْمَانُ» الملكة بلقيس وكيف ينسجم هذا مع الموعظة الحسنة واستخدام اللين في الحديث كما في موسى مع فرعون في ذلك الوقت؟
السيد عبد السلام زين العابدين: احسنت يعني اللين هناك مفهومان عندنا في القرآن الكريم يعني مفهوم الادهان ومفهوم اللين، مفهوم الادهان طبعاً «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» الادهان كما يعرفه الراغب الاصفهاني، الادهان اللين في الدين عندما يكون اللين في المبدأ وفي الدين هذا ادهان، الادهان مرفوض ولكن اللين في الاسلوب «اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى» ولهذا نحن حينما نقرأ مثلاً نكمل قصة موسى (عليه السلام) مع فرعون رغم انه الله عزوجل «فَقُولا لَهُ قَوْلا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى، قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى»، انظر «فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى»، انظر يعني هناك شدة، هناك قوة، هناك صرامة، هذا لا يمنع يعني صرمة المضمون لا تمنع من لين الاسلوب، ينبغي ان نفرق بين الدعوة الى الله بين اللين في الاسلوب وبين اللين في الدين، اللين في الدين يعني ان تتنازل عن مبادئك الاساسية، هذا ادهان والادهان مرفوض، القرآن الكريم في سورة القلم يخاطب النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» ولهذا هي كانت حكيمة، هي عرفت ان هذا الكتاب وهذا الذي يهددها عنده ثقة بنفسه، طبعاً كلام ملك مع ملك يعني هنا الكلام ملكي بحيث هي فهمت وكانت في النتيجة يعني رسالة «سُلَيْمَانُ» كانت ايجابية لأنها ارادت ان تختبر هذا الذي يتكلم بهذه الثقة وهذا الكلام هل هو انسان عادي، الجنود، الملأ «قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ» يعني لوحوا لها بالحرب لكن هي عاقلة، دائماً العاقل يحتمل اسوء الاحتمالات «قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ» فهي امرأة عاقلة ولهذا ارسلت بمراسلين وعرفت بعد ذلك ان «سُلَيْمَانُ» لم يكن انساناً عادياً، ملكاً ارضياً وانما كان نبياً من الانبياء.

*******

قصة النبي سليمان والهدهد

لقد أصغى «سُلَيْمَانُ» (عليه السَّلام) إلى كلام الْهُدْهُدَ بكل اهتمام، وفكـّر مليّاً، ولعلّ «سُلَيْمَانُ» كان يظنّ أن كلام الْهُدْهُدَ صحيح ولا دليل على كذب بهذا الحجم. لكن بما أن هذه المسألة لم تكن مسألة بسيطة، بل لها أثر كبير في مصير بلد كامل وأمّة كبيرة! فينبغي أن لا يكتفي بمخبر واحد، بل ينبغي التحقيق أكثر في هذا المجال: «قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ».
وكتب كتاباً وأعطاه للهدهد وقال له: «اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ».
اجل امر النبي «سُلَيْمَانُ» (عليه السَّلام) الْهُدْهُدَ بان يلقي الكتاب عليهم وينظر الى ردّة فعلهم.
أخذ الْهُدْهُدَ الكتاب ونفّذ أوامر «سُلَيْمَانُ» (عليه السَّلام) ثم وقف في مكان حيث كان يستطيع سماع ردّهم على الكتاب.
فتحت ملكة سبأ كتاب «سُلَيْمَانُ»، واطّلعت على مضمونه، وحيث إنها كانت من قبل قد سمعت بأخبار «سُلَيْمَانُ» واسمه، ومحتوى الكتاب يدلّ على إقدامه وعزمه الشديد في شأن بلدة (سبأ)، لذلك فكـّرت ملياً، وقد أدهشت تماماً بسبب هذا الكتاب.
ووسط مجلس المستشارين، قامت بلقيس بقراءة رسالة «سُلَيْمَانُ» على رؤساء قومها ووزرائها. بداية قالت: «يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ».
ثم شرعت بقرائة الرسالة: «وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ».
هذا هو نصّ خطاب الملك «سُلَيْمَانُ» لنا، إنه يأمر في خطابه أن نأتيه مسلمين، هكذا مباشرة فلا يكتفي بالنهي عن عبادتنا للشمس.
طرحت الملكة بلقيس على رؤساء قومها الرسالة وكانت تشاورهم في جميع الأمور. كان ردّ فعل الملأ وهم رؤساء قومها التحدّي وقد أثارت الرسالة غرور القوم، وإحساسهم بالقوة. أدركوا أن هناك مَنْ يتحدّاهم ويلوح لهم بالحرب والهزيمة ويطالبهم بقبول شروطه قبل وقوع الحرب والهزيمة فقالوا للملكة بلقيس «نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ».
ولكن يبدو أن الملكة كانت أكثر حكمة من رؤساء قومها، فإنّ رسالة «سُلَيْمَانُ» أثارت تفكيرها أكثر ممّا استنفرتها للحرب. فكـّرت الملكة طويلاً في رسالة «سُلَيْمَانُ». ونظرت حولها فرأت تقدّم شعبها وثراءه، وخشيت على هذا الثراء والتقدم من الغزو ورجّحت الحكمة في نفسها على التهوّر، وقرّرت أن تلجأ إلى اللّين، وترسل إليه بهدية وقدّرت في نفسها أنه ربما يكون قد سمع عن ثراء المملكة، فحدثت نفسها بأن تهادنه وتشتري السَّلام منه بهدية.
قدّرت في نفسها أيضاً أنّ إرسالها بهدية إليه، سيمكن رسلها الذين يحملون الهدية من دخول مملكته، وسيكون رسلها عيوناً في مملكته، يرجعون بأخبار قومه وجيشه، وفي ضوء هذه المعلومات، سيكون تقدير موقفها الحقيقي منه ممكنا. أخفت الملكة ما يدور في نفسها، وحدّثت رؤساء قومها بأنها ترى استكشاف نيّات الملك «سُلَيْمَانُ»، عن طريق إرسال هدية إليه، انتصرت الملكة للرأي الذي يقضي بالانتظار والترقـّب. وأقنعت رؤساء قومها بنبذ فكرة الحرب مؤقتاً، لأن الملوك إذا دخلوا قرية انقلبت أوضاعها وصار رؤساءها هم أكثر من فيها تعرّضاً للهوان والذل.
اقتنع رؤساء قومها حين لوّحت الملكة بما يتهدّدهم من اخطار.
وصلت هدية الملكة بلقيس إلى الملك النبي «سُلَيْمَانُ». جاءت الأخبار لسُلَيْمَانُ بوصول رسل بلقيس وهم يحملون الهدية وعلم«سُلَيْمَانُ» على الفور أن الملكة أرسلت رجالها ليعرفوا معلومات عن قوّته لتقرّر موقفها بشأنه ونادى «سُلَيْمَانُ» في المملكة كلّها أن يحتشد الجيش ودخل رسل بلقيس وسط غابة كثيفة. فوجىء رسل بلقيس بأنّ كلّ غناهم وثرائهم يبدو وسط بهاء مملكة «سُلَيْمَانُ» لا شيء وصغرت هدّيتهم في أعينهم. وفوجئوا بأنّ في الجيش أسوداً ونموراً وطيوراً وأدركوا أنهم أمام جيش لا يُقاوَمْ.
ثم قدّموا لسُلَيْمَانُ هدية الملكة بلقيس على استحياء شديد. وقالوا له نحن نرفض الخضوع لك، لكنّنا لا نريد القتال، وهذه الهدية علامة صلح بيننا ونتمنّى أن تقبلها. نظر «سُلَيْمَانُ» إلى هدية الملكة وأشاح ببصره كشف «سُلَيْمَانُ» عن رفضه لهديتهم، وأفهمهم أنه لا يقبل شراء رضاه بالمال. يستطيعون شراء رضاه بشيء آخر «أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ»، ثم هدّدهم «ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ». 
وصل رسل بلقيس إلى سبأ وهناك هرعوا إلى الملكة وحدّثوها أن بلادهم في خطر، حدّثوها عن قوة «سُلَيْمَانُ» واستحالة صدّ جيشه. أفهموها أنها ينبغي أن تزوره وتترضّاه. وجهّزت الملكة نفسها وبدأت رحلتها نحوه.

*******

من هدي الائمة (عليهم السَّلام)

ورد في التفسير المنوب للامام الحسن العسكري (عليه السَّلام) قوله: إن الله خصّ بصورة الفاتحة محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وشرفه بها ولم يشرك معه فيها احداً من انبيائه ما خلا «سُلَيْمَانُ» (عليهم السَّلام) فإنه اعطاه منها: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» ألا تراه يحكي عن بلقيس حين قالت: «إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ، إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ».

*******

دروس وعبر

والآن احبة القرآن لنغترف شيئاً من المواعظ والدروس التي تحفل بها الآيات المباركة: 
قوله: «قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ».
يثبت بصورة جيدة أنه يجب الأهتمام في المسائل المصيرية المهمّة، حتى لو أخبر بها (فرد) صغير، وأن يعجل في التحقيقات اللاّزمة (كما تقتضيه السين) في جملة (سننظر) الدرس الآخر هو ان النبي «سُلَيْمَانُ» (عليه السَّلام) لم يتهم الْهُدْهُدَ فيحكم عليه بالكذب ولم يصدق كلامه دون أيَّ دليل بل جعله أساساً للتحقيق إذن لا تكذيب ولا تصديق بل التبيين والتحقيق.
لقد اختار «سُلَيْمَانُ» الْهُدْهُدَ لنقل كتابه الى ملكة سبأ وفي هذا درس مهم هو انه يجب اختيار الأكفاء ومن له علم بالموضوع لا الذي يكون بعيداً عن القضية.
ان نكتب البسملة أي عبارة «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» كاملة حتى وإن كان كتابنا قصيراً ككتاب النبي «سُلَيْمَانُ» (عليه السَّلام)، في بعض الاحيان تصبح القدرة والامكانيات العظيمة مانعاً لتقبّل الحقّ كما شهدنا موقف الملأ عندما اخذت بلقيس مشورتهم في الأمر حيث قالوا «نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ».
الملوك لهم علاقة شديدة بالهدايا، فيمكن أن يذعنوا للهدايا الغالية أمّا الأنبياء فلا.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم