قصة النبي موسى والخضر

السبت 16 مارس 2019 - 17:01 بتوقيت طهران

الحلقة 6

الحمد لله رب العالمين والصلاة على المبعوث رحمة للعالمين محمد وآله الطيبين.
نلتقي بكم عبر لقاء آخر من لقاءات القصص الحق لنقف واياكم عند تتمة الحكاية القرآنية التي وردت في سورة الكهف من الآية ۷۹ حتى ۸۲ وهي تتحدث عن رحلة النبي موسي والخضر عسى الله ان يكتبنا من المتدبرين في آياته.
- في بداية البرنامج وبعد مقدمة عن اجواء الحكاية القرآنية، ثم نتعرف على اهم المفردات ومعاني العبارات القرآنية، ثم ننتقل الى ضيف هذه الحلقة فضيلة السيد عبد السلام زين العابدين ليجيبنا عن بعض الاسئلة حول هذه الايات القرآنية، رواية عن الامام الصادق (عليه السلام) بشأن حكاية النبي موسى والخضر (عليه السلام)، واخيراَ ننهی البرنامج بالقاء الضوء علی اهم النقاط والدروس المستفادة منها بتوفيق من الله.

*******

بعد أن أصبح الفراق بين موسى والخضر (عليهما السلام) أمراً حتمياً، كانَ مِن اللازم أن يقوم الخضر بتوضيح أسرار أعماله التي لم يستطع موسى أن يصبر عليها، وفي الواقع فإِنَّ استفادة موسى مِن صُحبته تتمثل في معرفة أسرار هذه الحوادث الثلاثة العجيبة، والتي يمكن أن تكون مفتاحاً للعديد مِن المسائل، وجواباً لكثير من الأسئلة.
قوله تعالى: «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ» الی آخر الآية هو بدأ في تفصيل ما وعد الخضر إجمالا بقوله: «سَأُنَبِّئُكَ» وقوله: «أَنْ أَعِيبَهَا» أي أجعلها معيبة وهذه قرينة على أن المراد بكل سفينة كل سفينة غير معيبة.
كلمة «وَرَاء» لا تعني هُنا الجانب المكاني، وإِنّما هي كناية عن الخطر المحيط بهم اي (خطر الملك) بدون أن يعلموا به، وبما أنَّ الإِنسان لا يحيط بالحوادث التي سوف تصيبهُ لاحقاً، لذا استخدمت الآية التعبير الآنف الذكر.
يفيد استخدام كلمة (مسكين) أنَّ «المسكين» ليسَ هو الشخص الذي لا يملك شيئاً مطلقاً، بل هي وصف يُطلق على الأشخاص الذين يملكون أموالا وثروة لكنَّها لا تفي بحاجاتهم.
ويحتمل أيضاً أن يكون السبب في إِطلاق وصف «الْمَسَاكِينِ» عليهم ليسَ بسبب الفقر المالي، بل بسبب افتقارهم للقوّة والقدرة، وهذا التعبير يستخدم في لغة العرب، كما وأنَّهُ يتلاءم مع الجذور الأصلية لمعنى مسكين لغوياً، والذي يعني السكون والضعف قوله تعالى: «وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا».
إِنَّ تعبير «خَشِينَا» جاء هُنا بمعنى: لم نكن نرغب، وإِلاَّ لا معنى للخوف في هذه الموارد بالنسبة لشخص بهذا المستوى مِن العلم والوعي والقدرة.
وبعبارة أُخرى، فإِنَّ الهدف هو الإِتقاء مِن حادث سيء نرغب أن نقي الأبوين مِنهُ على أساس المودّة لهما قوله تعالى: «فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا».
«زَكَاةً» هنا بمعنى الطهارة والنظافة، ولها مفهوم واسع حيث تشمل الإِيمان والعمل الصالح، وتتسع للأُمور الدينية والمادية، وقد يكون في هذا التعبير ما هو جواب على اعتراض موسى (عليه السلام) الذي قال: «أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً...».
فقالَ لهُ العالم في الجواب: إِنَّ هذه النفس ليست زكية، وأردنا أن يُبدلهما ربّهما ابناً طاهراً بدلاً عن ذلك وفي روايات عديدة نقرأ«أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبيّاً».
والآية تلوح إلى أن إيمان أبويه كان ذا قدر عند الله ويستدعي ولداً مؤمناً صالحاً يصل رحمهما وقد كان المقضي في الغلام خلاف ذلك فأمر الله الخضر بقتله ليبدلهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما.
قوله تعالى: «وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا». فهنا يقول الخضر للنبي موسي (عليه السلام) ما معناه أنا كُنت مأموراً ببناء هذا الجدار بسبب جميل وإحسان أبوي هذين اليتيمين، كي لا يسقط وينكشف الكنز ويكون معرّضاً للخطر.
وذكر يتم الغلامين ووجود كنز لهما تحت الجدار ولو انقض لظهر وضاع وكون أبيهما صالحاً كل ذلك توطئة وتمهيد لقوله: «فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا»، وقوله: «رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ» تعليل للارادة فرحمته تعالى سبب لارادة بلوغهما واستخراجهما كنزهما، وكان يتوقف على قيام الجدار فأقامه الخضر، وكان سبب انبعاث الرحمة صلاح ابيهما وقد عرض أن مات وايتم الغلامين وترك كنزاً لهما.
وقوله: «وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي» كناية عن أنه إنما فعل ما فعل عن أمر غيره وهو الله سبحانه لا عن أمر أمرته به نفسه.
وقوله: «ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا» أي مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا من اسطاع يسطيع بمعنى استطاع يستطيع.

*******

اسئلة الخبير

ننتقل الى الحوار مع السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية في الحوزة العلمية بشأن تتمة حكاية موسى والخضر (عليهما السلام):
المحاور: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته استضيف السيد عبد السلام زين العابدين ونتحدث معه حول قصة النبي موسى والخضر (عليهما السلام)، الا يتنافى العهود المتتالية التي قدمها النبي موسى للخضر بان يصبر ولايعترض عليه في مسألة العصمة؟
السيد عبد السلام زين العابدين: بسم الله الرحمن الرحيم طبعاً هذا السؤال يرد كبيراً في قصة موسى (عليه السلام) وهو كليم الله مع الخضر (عليه السلام) وهو العبد الصالح طبعاً هنا قال «قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا» كأن موسى (عليه السلام) وعد الخضر (عليه السلام) العبد الصالح كما يعبر القرآن الكريم وعده ان يصبر على، «وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا» طبعاً هنا ذكر المفسرون القدماء والمعاصرون ان موسى (عليه السلام) قيد الوعد بالمشيئة الالهية «سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا» هذا التقييد افاد موسى (عليه السلام) كثيراً ولهذا مثلاً الشيخ الطوسي في التبيان يقول قيده بالمشيئة «سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا» لأنه جوز ان لا يصبر فيما بعد ليعجز عنه ليخرج بذلك من كونه كاذباً، هذا تصريح الشيخ الطوسي في التبيان، كذلك مثلاً قيد بالمشيئة للتيمن او لتجويزه ان لا يصبر لصعوبة الصبر على ما يخالف المعتاد بلا خلف يعني المفسرون الشيعة يجمعون على ان موسى (عليه السلام) قيد الوعد بالمشيئة ولم يشأ الله عزوجل ان يصبر موسى (عليه السلام) هذا امر والامر الثاني ان موسى تصرح الاية المباركة «لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ» هنا وقع الحديث بمعنى النسيان، بعضهم فسره تفسيراً حقيقياً يعني النسيان الحقيقي وبعضهم فسره بالتفسير المجازي بمعنى الترك، ولكن السيد علم الهدى، السيد الشريف المرتضى في كتابه الرائع تنزيه الانبياء يقول النسيان في مثل هذه الحالات او في مثل هذه الامور لا يضر بالعصمة، اقرأ لك نص ما قاله الشريف المرتضى في تنزيه الانبياء يقول اذا حملنا هذه اللفظة يعني «لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ» مع النسيان على غير النسيان الحقيقي فلا سؤال فيها يعني مافي اشكال بمعنى الترك يعني واذا حملناها على النسيان فالحقيقة كان الوجه في ان النبي (عليه السلام) انما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤديه عن الله تعالى او في شرعه او في امر يقتضي التنفير عنه فأما فيما هو خارج عما ذكرنا فلا مانع من النسيان، الا ترى انه اذا نسي او سهى في مأكله او مشربه على وجه لا يستمر ولا يتصل فينسبوا اليه انه مغفل؟ فأن ذلك غير ممتنع يعني بحيث بعض القضايا حينما ينساها النبي مثلاً في مأكله او في مشربه وهذا النسيان ليس متصلاً بحيث يقول ان هذا كثير النسيان او يخل بعصمته او بضبطه للقضايا وان كانت قضايا جزئية ولاعلاقة لها بالتشريع لكن حينما تتكرر هذه الامور قد تؤثر في شخصية النبي او في سمعته.
المحاور: طيب فضيلة السيد هل يمكن للفقهاء ان يستخدموا الايات المذكورة من اجل وضع قوانين فقهية ام لا؟
السيد عبد السلام زين العابدين: يعني في هذا الامر يعني ان تقتل انسان مثلاً طفل صغير بعلم لدني هذا طبعاً لا يجوز الا للخاصة من الله عزوجل ارسلهم وبعثهم وكلفهم بهذا الامر اما هناك دروس كثيرة شرعية يستفيدها الفقهاء من قصة موسى مع العبد الصالح مثلاً الدرس الكبير الذي استفاده الامام الصادق (عليه السلام) في حديث الزرارة والسفينة المخروقة ولهذا الشيخ الانصاري في كتاب المكاسب يعتبر من مجوزات الغيبة حفظ الاخر حينما يكون الاخر مؤمناً وهناك سلطة جائرة وظالمة تريد ان تأخذ هذا المؤمن فيجوز لك ان تغتاب هذا او تبهت هذا الانسان وكان الامام يبهت زرارة او كان الامام الصادق (عليه السلام) يتكلم ضد زرارة من اجل ان يحفظ زرارة ولهذا زرارة بعث ابنه الى المدينة، من الكوفة الى المدينة فالامام الصادق (عليه السلام):(بعث له برسالة رائعة ما مضمونها) اني اعيبك دفاعاً مني عنك فأن الناس والعدو يسارعون الى كل من قربناه وحمدنا مكانه لأدخال الاذى في من نحب ونقرب ويرمونه لمحبتنا له وقربه ودنوه منا ويرون ادخال الاذى عليه وقتله ويحمدون كل من عبناه نحن فأنما اعيبك لأنك رجل اشتهرت بنا وبميلك الينا وانت بذلك مذموم عند الناس وغير محمود الاثر في مودتك لنا فأحببت ان اعيبك، انظر هذا الاستفادة الفقهية الرائعة من (فأردت ان اعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصباًً) الامام الصادق (عليه السلام) يقول لزرارة فأحببت ان اعيبك ليحمدوا امرك في الدين بعيبك ونقصك ويكون بذلك منا دافع شرهم عنك، يقول الله عزوجل «أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا» بعد ذلك الامام يقول:(فأنك والله احب الناس الي واحب اصحاب ابي حياً وميتاً فأنك يا زرارة افضل سفن بحر القمقام الزاخر وان من وراءك ملكاً ظلوماً غصوباً يرقب عبور كل سفينة صالحة ترد من بحر الهدى ليأخذها)، كذلك بوجه الحكمة يعني الامام الحسن (عليه السلام) حينما اعترض عليه في الصلح مع معاوية فقال مثلي ومثلكم بهذا المعنى يعني كمثل العبد الصالح مع الخضر حينما لم يعرف موسى وجه الحكمة فأعترض على الخضر كذلك انتم اعترضتم علي ورفضتم الصلح لأنكم لاتعرفون وجه الحكمة في ذلك. 
المحاور: نعم السيد عبد السلام زين العابدين استاذ العلوم القرآنية من قم المقدسة شاكراً لكم هذا الحضور معنا. 

*******

قصة النبي موسي والخضر

لقد تابعتم معنا حكاية رحلة النبي موسی (عليه السلام) والخضر (عليه السلام) وما شاهده موسی (عليه السلام) من اعمال قام بها الخضر اثارث دهشته ورغم العهود المتكررة التي اعطاها موسی للخضر بان لا يساله عن ما يقوم به من الاعمال ويصبر الا ان موسی لم يلتزم بذلك فحان موعد الفراق اذ أصبح ذلك بين موسى والخضر(عليهما السلام) أمراً حتمياً، فكانَ مِن اللازم أن يقوم الأستاذ الإِلهي بتوضيح أسرار أعماله التي لم يستطع موسى أن يصبر عليها.
توجه موسی الی الخضر قائلاً: بالله عليك قل ماذا وراءك لم خرقت السفينة وقد كانت لمساكين يعملون في البحر لم قتلت ذلك الغلام البريء.
هنا قاطعه الخضر (عليه السلام) قائلاً: اصبر، اصبر يا موسی حتی اخبرك بحقيقة ما قمت به من اعمال.
تحدث الخضر بكل ثقة واطمئنان الی موسی قائلاً: اعلم يا موسی ان ما فعلته لم يكن عن أمري، فقد كنت انفذ إرادة علياً، وكانت لهذه الإرادة العليا حكمتها الخافية، يا موسی ان تلك التصرفات كانت توحي بالقسوة الظاهرة، بينما تخفي حقيقتها رحمة حانية، لا يعلم موسى، رغم علمه الهائل غير قطرة من علم العبد الرباني، ولا يعلم العبد الرباني من علم الله إلا بمقدار ما اراد الله ان يعرف.
يا موسی إن أصحاب السفينة سيعتبرون خرق سفينتهم مصيبة جاءتهم، بينما هي نعمة تتخفى في زي المصيبة نعمة لن تكشف النقاب عن وجهها إلا بعد أن تنشب الحرب ويصادر الملك كل السفن الموجودة غصباً، ثم يترك هذه السفينة التالفة المعيبة وبذلك يبقى مصدر رزق الأسرة عندهم كما هو، فلا يموتون جوعاً.
هنا قاطعه موسی: الغلام الغلام لم قتلته...؟ 
أجابه الخضر: اما الغلام سيعتبر والد الطفل المقتول وأمه أن كارثة قد دهمتهما لقتل وحيدهما الصغير البريء، غير أن موته يمثل بالنسبة لهما رحمة عظمى، فإن الله سيعطيهما بدلاً منه غلاماً يرعاهما في شيخوختهما ولا يرهقهما طغياناً وكفراً كالغلام المقتول.
كان النبي موسی (عليه السلام) ينظر بدهشة الی الخضر وهو يكشف حقيقة ما قام به من اعمال فاكمل الخضر حديثه لموسی (عليه السلام) قائلاً: واما الجدار الذي أتعبت نفسي باقامته، من غير أن اطلب أجراً من أهل القرية، كان يخبئ تحته كنزاً لغلامين يتيمين ضعيفين في المدينة. ولو تركت الجدار ينقض لظهر من تحته الكنز فلم يستطع الصغيران أن يدفعا عنه ولما كان أبوهما صالحا فقد نفعهما الله بصلاحه في طفولتهما وضعفهما، فأراد أن يكبرا ويشتد عودهما ويستخرجا كنزهما وهما قادران على حمايته.
ثم انفض الخضر يده من الأمرواختفى، اجل اختفی هذا العبد الصالح ومضى في المجهول كما خرج من المجهول.

*******

من هدی اهل البيت (عليهم السلام)

في تفسير البرهان، عن جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) في حديث: أن موسى لما كلمه الله تَكْلِيمًا، وأنزل عليه التوراة، وكتب له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء، وجعل آية في يده وعصاه، وفي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وفلق البحر واغراق الله فرعون وجنوده عملت البشرية فيه حتى قال في نفسه: ما أرى الله عز وجل خلق خلقاً أعلم مني فأوحى الله إلى جبرئيل: أدرك عبدي قبل أن يهلك، وقل له: أن عند ملتقى البحرين رجلاً عابداً فاتبعه وتعلم منه. 
فهبط جبرئيل على موسى بما أمره به ربه عز وجل فعلم موسى أن ذلك لما حدثته به نفسه فمضى هو وفتاه يوشع بن نون حتى انتهيا إلى ملتقى البحرين فوجدا هناك الخضر يعبد الله عز وجل كما قال الله في كتابه: «فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا» والحديث طويل يُذكرُ فيه صحبته للخضر وما جرى بينهما مما ذكره الله في كتابه. 

*******

دروس وعبر

لقد رأينا مِن سياق القصّة القرآنية أنَّ موسى اعتراض على الرجل العالم، ولكنَّهُ بعد أن استمع للتوضيحات وأحاط ببواطن الأُمور عاد واقتنع من الضروري معرفة ان في هذا العالم نظامين هما: «النظام التكويني، والنظام التشريعي»، وبالرغم مِن أنَّ هذين النظامين مُتناسقين فيما بينهما في الأصول الكلية، ولكنها قد ينفصلان ويفترقان في الجزئيات.
على سبيل المثال، يقوم الله سبحانه وتعالى ومِن أجل اختبار العباد، بابتلائهم بالخوف ونقص في الأموال والثمرات وموت الأعزّة وفقدانهم حتى يتبيّن الصابر مِن غيره تجاه هذه الحوادث والابتلاءات.
إِنَّ أمثال هذه الأُمور كثيرٌ للغاية، وهي تُظهر ـ بشكل عام ـ أنَّ عالَم الوجود، وخصوصاً خلق الإِنسان، قد قام على النظام الأحسن، حيث وضعَ الله تعالى مجموعة مِن القوانين والمقررات التكوينية حتى يسلك الإِنسان طريق التكامل، وعندما يتخلف عنها فسيُصاب بردود فعل مُختلفة.
ولكنّا مِن وُجهة قوانين الشرع وضوابط الأحكام لا نستطيع أن نصنِّف الأُمور في إِطار هذه القوانين التكوينية.
على سبيل المثال نرى أنّ الطبيب يستطيع أن يقطع إصبع شخص معين بحجّة عدم سراية السم إِلى قلبه، ولكن هل يستطيع أي شخص أن يقطع إِصبع شخص آخر بحجّة تربيته على الصبر أو عقاباً لهُ على كفرانه للنعم؟ (بالطبع الخالق يستطيع القيام بذلك حتماً لأنَّهُ يُلائم النظام الأحسن).
والآن بعد أن ثبت وتوضح أنّ في العالم نظامين (تكوينياً وتشريعياً)، وأنَّ الله هو الحاكم والمسيطر على هذين النظامين، لذا فلا مانع في أن يأمر تعالى مجموعة بأن تطبّق النظام التشريعي، بينما يأمر مجموعة مِن الملائكة أو بعض البشر (كالخضر مثلاً) بأن يطبقوا النظام التكويني.
ومِن وجهة النظام التكويني لا يوجد أي مانع في أن يبتلي الله طفلاً غير بالغ بحادثة معينة، ثمّ يموت ذلك الطفل بسبب هذه الحادثة، وذلك لعلم الله تعالى بأنَّ أخطاراً كبيرة كامنة لهذا الطفل في المستقبل كما أنَّ وجود مثل هؤلاء الأشخاص وبقاءهم يتمّ لمصلحة معينة كالإِمتحان والإِبتلاء وغير ذلك.
وأيضاً لا مانع في أن يبتلي الله اليوم انساناً بمرض صعب يقعده الفراش لعلمه تعالى بأنَّ خروجه مِن البيت سيعرضه لحادثة خطيرة لا يستحقها، لذا فهو تعالى يمنعه مِنها.
بعبارة أُخرى: إِنَّ مجموعة مِن أوليائه وعباده مكلّفون في هذا العالم بالبواطن، بينما المجموعة الأُخرى مكلّفون بالظواهر والمكلّفون بالبواطن لهم ضوابط وأصول وبرامج خاصّة بهم، مثلما للمكلّفين بالظواهر ضوابطهم وأصولهم الخاصّة بهم أيضاً.

*******

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم