البث المباشر

فن العمارة الاسلامية في عهد المماليك

الخميس 24 يناير 2019 - 17:10 بتوقيت طهران

الحلقة 41

السلام عليكم ايها الاصدقاء ورحمة الله. وعد فن العمارة اغلى تجليات الفن الاسلامي التراثي وقد شهد الفن نماءاً وتطوراً خلال العصور، بيد ان عصر المماليك في مصر يعد العصر الذهبي في فن العمارة الاسلامية ما بين عامي ٦٤۸ الى ۹۲۳ للهجرة وقد كان الاقبال في هذا العصر كبيراً على تشييد العمائر من مساجد ومدارس واضرحة واسبلة وحمامات، كما ظهر التنوع والاتقان والاناقة في شتى العناصر العمارية من وجهات ومنارات وقباب وزخارف جصية ورخامية وقد رعي في بناء المساجد تصميم المدارس والاضرحة من دون ان يهمل تماماً تصميم الجوامع ذات الايوانات والاعمدة والاكتاف، اما في العمائر التي رعي فيها تصميم المدرسة ذي الايوانات المعقودة المتقابلة فقد زيد في مساحة البناء ليكون مدرسة ومسجداً في الوقت نفسه بل ان رسمين كانا ينطلقان ليمثلا ذلك الشيء في مثل هذه الحال وكان ايوان القبلة في هذه المدارس والمساجد اوسع من سائر الايوانات بحيث تبدو كأنها حميات في الجدران وهي في هذا على عكس المدارس الايرانية التي اتبع في تصميمها التماثل التام وقد انتشر في عصر المماليك جراكس في القرن التاسع الهجري تصميم جديد صغرت فيه مساحة المدرسة او المسجد واستخط الصحن المكشوف، ولا ريب في ان من اجمل العمائر في هذا العصر ذلكم المسجد الفخم الذي يقوم في سفح قلعة الجبل في القاهرة، ولهذا الجامع مظهر جميل ومساحة عظيمة وتصميم عجيب وقبة كبيرة وابواب فخمة وايوانات عالية وزخارف دقيقة والقادم الى هذا الجامع يعجب بحيطانه العالية الضخمة وبالافريز الذي يتوجها ويمتاز بما فيه من زخارف عمرانية‌ تشبه خلايا النحل وتخدع النظر، فتبدو الجدران اعلى مما هي عليه في الحقيقة. وللجامع منارتان عظيمتان في الجانب القبلي الشرفي، يبلغ ارتفاع كبراهما ستين سانتيمتراً وواحداً وثمانين متراً، ولعل جزءاً كبيراً من عظمة هذا المسجد العظيم يعود الى توافق اجزاءه واتزانها وتناسبها فأن المهندس لم يبتكر فيه كل شيء وانما الف بين الاساليب الشائعة ومزجها على نمط تجلت فيه عبقريته واستطاع ان ينتج بذلك اثراً فنياً لا يقل عن ابدع العمائر كمالاً وتماسكاً ووحدة.
وذاع بناء المذافن الكبيرة في عصر المماليك وهي تتشابه في تصميمها الى حد كبير ولا ريب في انها تشبه في كثير من العناصر العمرانية ما عرفه القوم من الاضرحة في بلاد تركستان ولكن ارتقى تصميمها في مصر وتطور بناءها ومن مجموعات العمائر المملوكية العظيمة الشأن قبة ومارستان ومدرسة السلطان قلاوون. وقد شيدت على جزء من ارض القصر الغربي الفاطمي وتمت عمارتها سنة ٦۸٤ للهجرة ولهذه المجموعة مدخل رئيسي في الوجة الشرقية التي تمتاز بما فيها من حنايا جميلة محمولة على عمد رخامية وبشبابيك ذات اشكال هندسية دقيقة وشريط من الايات القرانية والكتابة التاريخية وفي الطرف البحري من الوجة مأذنة قاعدتها ودورها الاوسط مربعان والدور العلوي مستدير ويؤدي الى المدخل مجازاً طويل فيه من اليمين بابان يؤديان الى القبة وبابان الى اليسار يؤديان الى المدرسة او المسجد وينتهي هذا المجاز من الجهة الغربية لباب كان يؤدي الى المارستان الذي لم يبق الان من آثاره شيء يستحق الذكر.
لا ريب ان القبة ابدع ما في هذه المجموعة وهي محمولة على اعمدة من الجرانيت ذات يتجان مذهبة ويشبه تصميم هذه القبة تصميم قبة الصخرة من بعض الوجوه وقبة قلاوون آية من آيات الفن الاسلامي بسقوفها المذهبة وزخارفها الجصية ومحرابها الغني ذي الفسيفساء الدقيقة، ومن مميزات العمارة المملوكية زيادة العناية‌ بوجهات المساجد وهي العناية التي بدأت في عمائر الطراز الفاطمي واصبحت بعد ذلك قاعدة متبعة في عصر المماليك وتتجلى احياناً في تتابع طبقات افقية من احجاز صغيرة واخرى حمر داكنة وتتجلى احياناً اخرى بتجاويف او حنايا عمودية طويلة قد تفتح فيها نوافذ وقد تنتهي في اعلاها بزخارف عمرانية من المقرنصات كما تتجلى في اشرطة من الزخارف والكتابات القرآنية او التاريخية.
ونلاحظ ان المهندس كان يحرص كل الحرص على ابراز الوجهة وما فيها من تجاويف وحنايا فكان يفضل ان لا يكون المدخل في وسطها بل يكون في ركن منها وان يكون مرتفعاً بعض الارتفاع يصعد اليه بسلم من بعض درجات، ومن الوسائل التي ادت الى ابراز الواجهة اتخاذ المأذنة في طرف منها بحيث يكون للمسجد مأذنة في ركن او مأذنتان في ركنين من اركانه وتبدو المأذنة من دون قاعدة مستقلة لها وكأنها قائمة فوق شرافات المسجد.
امتازت المآذن في العصر المملوكي برشاقتها واعتدال ارتفاعها وبأن معظمها ذو قاعدة مكعبة فبدن مثمن فدورة علوية اسطوانية الشكل وازدهرت في العمائر المملوكية زخرفة، وارضيات ذات رخام ملون، وكانت المحاريب ميداناً للابداع في الفسيفساء الرخامية فأنها لم تكن تصنع من الخشب او تزخرف بالجص، كما كان الحال في العصر الفاطمي بل اصبحت في كثير من الاحيان تغشى بالرخام الملون والصدف كما في جامع المارداني ومدرسة السلطان حسن ومسجد السلطان الظاهر برقوق. وكانت المنابر تصنع من الرخام في كثير من الاحيان كما في جامع آق سنقر اي الجامع الازرق ومدرسة السلطان حسن او تصنع من الحجر كما في تربة برقوق. اما العمائر المدينة فلم يبق منها الا مداخل بعضها او اجزاء من بعضها الاخر واهمها جميعاً القصر الذي شيده الامير بشتاك على جزء من ارض القصر الشرقي الفاطمي سنة ۷۳٥ للهجرة، ولم يبق منه غير جزء من الوجة ثم المدخل والقاعة الكبرى وما يحف بها حجرات وتتسم هذه القاعة بجمال سقوفها المذهبة فضلاً عن وزراتها الزخافية الدقيقة وابداع ما فيها من التحف والادوات الخشبية ذات الزخارف المخطوطة او المحفورة والمطعمة.
ومن منشآت الامير بشتاك في عصر المماليك حمام بشارع سوق السلاح في القاهرة يرجع الى نحو سنة ۷٤۰ للهجرة ولكن لم يبق منه الا مدخله المكسو بالرخام الملون، هذا ولا يعرف اي حمام من الطراز الفاطمي ولا من العصر الايوبي، وما يعرف من الحمامات المملوكية لا يتجاوز مدخل حمام بشتاك وقبة مخربة من حمام الملك المؤيد من القرن التاسع الهجري.
وقد كانت مصر تمتاز على سائر الاقاليم الاسلامية بأبداع حماماتها وحسبنا هنا ما كتبه في هذا الصدد عبد اللطيف البغدادي حين زار مصر في نهاية القرن السادس الهجري، قال «واما حماماتهم فلم اشاهد في البلاد اتقن منها وصفاً ولا اتم حكمة ولا احسن منظراً ومخبراً».
ومن آثار القصور المملوكية مدخل قصر الاميرقوصون خلف مدرسه السلطان حسن، ويرجع الى القرن الثامن الهجري وبقايا قصر الامير طاز بشارع السيوفية بالقاهرة ويشمل المدخل والقاعة الكبيرة ذات السقوف الجميلة المتعددة الانواع ومن آثار العمائر المدينة‌ المملوكية مدخل وكالة قوصون ومدخل وكالة قايتباي بباب التصر ومقعد مماي المعروف بأسم بيت القاضي في القاهرة، وهذا المقعد جزء من دار كبيرة شيدها الامير مماي السيفي احد امراء السلطان قايتباي وتمتاز وجهة‌ المقعد ببابها بالمقرنصات الجميلة والعقود المحمولة على اربعة اعمدة يتجانها على هيئة زهرة اللوتس. هذا والملاحظ في العمائر المدينة المملوكية ان الزخارف الرخامية والعقود والاعمدة والتيجان لا تستعمل فيها بقدر ما استعملت في العمائر الدينية. والى لقاء آخر دمتم سالمين.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة