البث المباشر

اشكالية التسميات الغربية للفن الاسلامي

الخميس 24 يناير 2019 - 16:58 بتوقيت طهران

الحلقة 33

السلام عليكم ايها الاصدقاء ورحمة‌ الله. حين بدأ الغربيون بدراسة الفن الاسلامي التراثي اطلقوا عليه اسماء ‌شتى لكنها لا تعبر عن حقيقة هذا الفن الذي انتشر في ثلاث من قارات العالم في زمن استطال اكثر من عشرة قرون متخطياً حدود الاقاليم الجغرافية والقوميات البشرية ليوحدها في هذه النظرة التوحيدية التجريدية التي انبثقت منها تجليات الفن الاسلامي في شتى الميادين، الاسماء‌ التي اطلقها الدارسون الغربيون على هذا الفن بعضها لا يصلح الا لجانب من الفن الاسلامي وبعضها بعيد عن الدقة لانه يخالف الحقائق الثابتة فمنهم من سماه الفن الشرقي وهو اسم ربما يصح اطلاقه على الفنون الاسلامية‌ التي ازدهرت في بلاد العرب والشام والعراق وقد تضاف اليها مصر وصقلية والاندلس ولكنه اسم لا يصلح للفنون الاسلامية في ايران وكذلك الهند وتركية، وسماه اخرون الفن المغربي بيد ان هذه التسمية قاصرة ايضاً لا يمكن ان تطلق الا على مظاهر الفن التي ازدهرت في الاندلس ومراكش والجزائر وتونس دون غيرها من اقاليم العالم الاسلامي. واختار بعض الدارسين الغربيين للفن الاسلامي اسم الفن العربي ولكنها تسميه تسقط من الاعتبار ذكرى سائر المسلمين لانها تبخس حق الايرانيين والشعوب الاخرى التي كان لها فضل كبير في ابداع الفن الاسلامي وتطويره، الى جوار هذا فأن اصحاب هذه التسمية يقتطعون من الفن الاسلامي بعض اقسامه فيطلقون عليه اسماء مستقلة ويقيمون الى جنب الفن العربي فناً فارسياً وفناً تركياً وقناً هندياً وربما فصلوا عنه الفن المغربي ايضاً. انت ترى اذن ان الغربيين يسوء لهم ان يسموا الفن الاسلامي بأية تسمية يريدون كما يشاؤون الا تعبير الفن الاسلامي فأنهم كانوا يهربون منه ويجتنبونه ليسلخوا هذا الفن الكبير العريق عن السمة الاسلامية الاصيلة له، ولا ريب في انك تخمن السبب الذي كان وراء مثل هذا التعامل النابذ لاسم الاسلام وما يتضمنه من رواسب صليبية واخرى معادية ايضاً للاسلام والمسلمين، الواقع ان خير ما تسمى به الفنون التي ازدهرت في العالم الاسلامي انما هو الفن الاسلامي لان الاسلام كان باعثها وحلقة الوصل بينها على رغم تباعدها الجغرافي في شتى الاقاليم وعلى الرغم من توزعها في عشرة قرون من الزمان الطويل.
الفن الاسلامي هو اوسع الفنون في العالم واطولها عمراً اذا استثنينا الفن الصيني، اذ امتدت رقعته الجغرافية من الهند وآسيا الوسطى شرقاً الى الاندلس والمغرب الاقصى غرباً ومن حوض الطونة واقليم القفقاز وصقلية شمالاً الى بلاد اليمن جنوباً، ولد هذا الفن في القرن الاول الهجري وظل ينمو ويشد حتى بلغ عنفوان شبابه في القرنين السابع والثامن ثم بدأ يدب اليه الضعف منذ القرن الثاني عشر الهجري بعد ان تأثر المسلمون بمنتجاب الفنون الغربية واقبلوا على تقليدها وقل اهتمامهم بالاساليب الفنية الموروثة وظنوا في الوقت اللازم لاتقانها حين اصبحت السرعة في الانتاج والاقتصاد في النفقات اساس الحياة الاقتصادية، ومن الطبيعي ان فن العمارة والاثار الفنية الاخرى لم يكن ذا طراز واحد في القرون الطويلة التي ازدهر فيها هذا الفن الاسلامي وطبيعي كذلك انها لم تكن واحدة في كل اقاليم المسلمين، فكانت الاساليب الفنية المحلية تتطور في كل اقليم تطوراً لا يفقد صلتها بماضيها الخاص ولكنه يخضعها لكثير من القواعد والرؤى التي حملها المسلمون من الرؤية الاسلامية الشاملة للفنون.
قامت في العالم الاسلامي اذن طرز او انماط او مدارس او اساليب فنية كانت تتطور بتطور العصور وتتأثر بالوقائع السياسية والاجتماعية وكانت الفروق بين هذه الطرز الفنية اظهر ما تكون في فن العمارة ذلك ان فن البناء هو اكثر الفنون اتصالاً بالاقليم الذي تنشأ فيه كما ان تأثر بعض هذه الفنون ببعض اسهل في ميدان الفنون الزخرفية وحسبنا ان الاثار الفنية التي تتجلى فيها الاساليب الزخرفية كانت تنقل من اقليم الى آخر على ايدي التجار الذين كانوا يجوبون انحاء العالم الاسلامي وقد امتد نشاطهم الى الشرق الاقصى وجزر المحيط الهندي وصحارى السودان وجنوب روسيا وسواحل بحر البلطيق وجنوب اوربا وغربها، وهكذا نرى ان العمائر والتحف الاسلامية لها طابع خاص ولكنها يتميز بعضها من بعض وتختلف بحسب الاقاليم المختلفة فالعمائر تختلف في مواد العمارة نفسها وفي انواع الاعمدة ويتجانها، وفي العقود او الاقواس وفي المآذن والقباب والدلايات او المقرنصات وفي انواع الزخارف الهندسية والنباتية والكتابية وتتفاوت ايضاً في المواد التي تغطي الجدران كالجص والقاشاني. اما التحف فتختلف طرق صناعتها واساليب زخرفتها والالوان المفضلة فيها والاشكال التي تشيع في اقليم دون آخر هذا الى جوار ان بعض انواع التحف كانت تزدهر صناعتها في اقليم دون سائر الاقاليم الاسلامية بسبب وفرة موادها الاولية فيه او لغير ذلك من العوامل والاسباب.
المسجد اهم المباني التي تتجلى في فن العمارة الاسلامية وقد تطورت عمارة المسجد بعد التوسع الجغرافي للدولة في صدر الاسلام ولم تلبث المساجد ان اصبح لها نطام خاص فكان لمعظمها جزء اوسط يسمى الصحن قد يكون مكشوفاً او مسقوفاً وتحيط به اربعة اجزاء اخرى تسمى اروقة اوسعها رواق القبلة وفيه المحراب تغطى هذه الاروقة بسقوف مستوية محمولة على عقود واقواس تقوم على اعمدة من الرخام او الحجر او على اكتاف من البناء وقد حدث تطور في تصميم المساجد عندما ظهر نظام المدارس في حياة المسلمين اذ شيدت عمائر خاصة في القرن الخامس الهجري للتدريس وكانت هذه العمائر الخاصة او المدارس مساجد جعلت وقفاً على العلم الى جانب اقامة الشعائر فيها. تصميم المدارس كان يشمل في معظم الاحيان صحناً مكشوفاً تحيط به اربعة ايوانات في شكل متعامد وفيه سلم يوصل الى الدور العلوي ومساكن وملحقات للاساتذة والطلبة، والمعروف ان المساجد الاولى ذات الاروقة لم تكن تمكن المصلين من سماع الخطب ورؤية امام الجماعة ولاسيما إذا كان السقف محمولاً على اكتاف من البناء كما في جامع ابن طولون مثلاً في مصر في حين كانت رؤية الامام وسماع الخطيب ايسر في المدارس ذات الايوانات المتعامدة ولهذا غدا عدد من المساجد يبنى على نظام المدارس منذ القرن السابع الهجري وكان بعض سلاطين المماليك يشيد مسجدين احدهما على نظام المدرسة ويبنى في قلب المدينة قريباً من الطلاب والاخر على النظام القديم ذي الاروقة ويبنى في اطراف المدينة‌ لغرض الصلاة فيه فحسب. وامتاز الطراز المغربي بكثرة المدارس التي اوجدها سلاطين الموحدين في المغرب والاندلس واشتهرت مدينة فاس بكثرة ماشيد فيها من مدارس جميلة كانت تشتمل غالباً على عدة‌ غرف للطلاب وعلى قاعة كبيره للدرس وللنوم في بعض الاحيان وكان بناء المدرسة من طابقين وفي وسطه صحن مكشوف والسلام عليكم ورحمة الله.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة