البث المباشر

الشد العقائدي في نتاجات الفن الاسلامي

الأربعاء 23 يناير 2019 - 14:26 بتوقيت طهران

الحلقة 29

السلام عليكم ايها المستمعون ورحمة الله. الفن الاسلامي التراثي في تجلياته المتنوعة يحكي جوهراً دينياً توحيدياً عبر عنه بأساليب فنية متميزة، الاثر الفني هنا الى جانب قيمته الوظيفية كعمارة وخط وخزف وسجادة وغيرها يريد ان يبوح بمعاني تشد الانسان المسلم الى عقيدة التوحيد وتذكره بها على الدوام، تساعده بذلك سمة التكرار الهندسي الزخرفي الدالة على‌ الاستمرار الى ما لا نهاية، اي الغيب المطلق وهكذا سائر مظاهر هذا الفن التي انتشر في العالم الاسلامي في ثلاث قارات وفي خلال اكثر من عشرة قرون وكانت اعمال الفن الخزفي من اكثر آثار الفن الاسلامي شيوعاً لكثره الحاجة اليها في الحياة اليومية ولرخص ثمنها قياساً الى سائر الآثار الفنية. وقد وجدت هذه الصناعة الفنية للخزف في ايران والعراق ومصر منذ صدر الاسلام في حين يرجح ان مهد الخزف ذي البريق المعدني كان في العراق ابان القرن الثالث الهجري وذاعت في العالم الاسلامي اساليب اخرى في زخرفة الخزف غير البريق المعدني، اهمها رسم الزخرفة تحت الطلاء بلون واحد او بألوان متعددة ومن الموضوعات الزخرفية التي استعملها الفنانون الخزفيون الرسوم الهندسية ولاسيما الدوائر والمناطق والعقود المتشابكة والطيور المتقابلة او المتدابرة والحيوانات التي تحيط بها الفروع النباتية والوريقات والازهار فضلاً عن الرسوم الادمية.
وكانت مدينة ‌قاشان الايرانية من المراكز المهمة في فن الخزف الاسلامي في العصر السلجوقي خاصة في انتاج الخزف ذي البريق المعدني من مختلف الاحجام والاشكال وقد وصلت اليناء اسماء فنانين خزفيين ممن اشتغلوا بصناعة تربيعات القاشاني ذي البريق المعدني كما وصلت قطع مؤرخة منها اقدمها واحدة محفوظة في متحفة القاهرة ترجع الى سنة ستمئة للهجرة، وهذا ولم يكن نشاط الخزفيين في قاشان وقفاً على المحاريب والتربيعات القاشانية بل انهم انتجوا ضروباً‌ حسنة من الاواني والتحف ذوات البريق المعدني، استعملواً فيها معظم الرسوم المعروفة في زخارف المحاريب والتربيعات. صناعة لوحات القاشاني ذي البريق المعدني كانت معروفة ايضاً في مدينة الري ومن آثارها بلاطة مربعة محفوظة في القاهرة قوام زخرفتها منظر من قصة الشاهنامة ومن التماثيل الخزفية الجميلة التي تنسب الى مدينة‌ الري في القرن السابع الهجري اناء من الخزف بالبريق المعدني على هيئة تمثال للعذراء وابنها (عليهما السلام) موجود في برلين ومن انواع الخزف الجديدة في العصر السلجوقي نوع مصنوع من عجينة عليها طلاء ابيض او ازرق فيروزي اوارزق زرنيخي ترسم فوقه الزخارف بالالوان المختلفة من ازرق واسود واخضر واحمر وبني، ويعرف هذا الخزف بالزخارف المنقوشة فوق الطلاء بأسم مينايي وينسب الى مدينة الري في النصف الثاني من القرن السادس والقرن السابع بعد الهجرة. وزخارف التحف الفنية الخزفية من هذا النوع فاخرة تكثر فيها رسوم امراء واميرات بين رجال الحاشية ونساءها او رسوم صيد وقتال وطرب وفروسية وكان هذا النوع الفني من الخزف يعزى الى مدينة الري حتى تم العثور على بعض قطع جميلة منه في ارض قاشان وفي متحفة الفن الاسلامي بالقاهرة لوحتان من القاشاني المموه بالمينا، ارضيتهما زرقاء فيروزية اللون عليها زخارف من فروع نباتية مزهرة ومذهبة، قليلة البروز على احداهما رسم فارسين يحث كل منهما مطيته على العدو الى الجهة اليسرى.
ومن انواع الخزف الذي ابدعه الفنانون في الري وقاشان خزف ذو طلاء‌ ازرق تحته زخارف منقوشة باللون الاسود وقوام هذه الزخارف رسوم نباتية ومراوح نخيلية وزخارف شبه كتابية فضلاً عن رسوم آدمية تجعل هذه الزخارف عظيمة الشبة بزخارف الخزف ذي البريق المعدني ولاسيما في قاشان ومن ابداع الخزفيين في مدينة الري نوع ذو طلاء ابيض او ازرق تحته زخارف قليلة كأنها رسوم تخطيطية مختصرة لكنها واضحة بفضل الفراغ الكبير المحيط بها ومن انواع الخزف التي كثر انتاجها بين القرنين الخامس والسابع بعد الهجرة نوع اخضر ناصع مائل الى الزرقة عليه نقوش سوداء كان يصنع في قاشان والري ومن ابدع التحف المعروفة من هذا النوع ابريق محفوظ في مجموعة شخصية في القاهرة مؤرخ في سنة ٥٦۲ للهجرة وتنتهي رقبته على شكل رأس ديك ولا ريب في ان صناعة مثل هذه التحفة تتطلب مهارة فنية عظيمة لثقب سطحها الخارجي في رسوم معقدة دون ان تتعرض للكسر او التلف او احراق الاناء في الفرن ومن دون ان يتلوى او يتجعد، والمعروف ان قيام الحكم المغولي في ايران منذ بداية النصف الثاني من القرن السابع الهجري لم يحدث تغييراً كبيراً في فن الخزف ذلك ان الاساليب الفنية التي كانت في بداية القرن السابع ظلت ترتقي ارتقاءاً بطيئاً على نحو طبيعي وازدهرت في عصر المغول صناعة الخزف زخرفته بالرسوم المنقوشة تحت الطلاء باللونين الاسود والازرق او فوق الطلاء بالبريق المعدني او الالوان المتعددة، اضافة الى التذهيب كما ازدهرت الزخرفة بالرسوم البارزة وقد ظلت المراكز الفنية في صناعة الخزف السلجوقي زاهرة في عصر المغول الا في مدينة الري وكانت منتجاتها الخزفية في هذا العصر لا تقل في جمالها ودقتها الفنية ‌عن منتجاتها في العصر السلجوقي وكان قصب السبق في عصر المغول لقاشان وسلطان اباد ونيسابور وسمرقند وساوة ومشهد.
اكثر الانواع الخزفية انتشاراً في ايران خلال العصر المغولي وعصر بني تيمور هو الخزف الاخضر والازرق وكانت مصانع الخزف تنتج كميات كبيرة اتيح لا ستعمالها ان يكون منتشراً بين مختلف فئات الناس وكان جل هذه المنتجاب ذا شكل يشهد على الذوق الفني الرفيع مضافاً الى اتقان الصناعة‌ وتضم اسراراً فنية رفيعة في الاواني المطلية بالطلاء وفي احراقها في الفرن وكانت الالوان المستعملة واسعة النطاق نجد فيها الاخضر والازرق بدرجاتهما المختلفة كما نجد في بعض الاحيان الاصفر والابيض والارجواني.
اما زخارف هذا الخزف فكانت محزوزة او مخرمة او بارزة قوامها رسوم طيور وحيوانات وفروع نباتية واشرطة‌ من الكتابات وعلى بعض الصحون الخزفية في هذا العصر رسم سمكات تسبح، ومن امثلة الخزف الاخضر الجميل ابريق محفوظ في القاهرة تنتهي رقبته برأس حيوان وعلى النصف العلوي من بدنه كتابة بالخط النسخي على ارضية من فروع نباتية. ومن هذه الاثار الموجودة الان في القاهرة تحفة اخرى من الخزف الاخضر هي حامل فانوس علي هيئة ابريق والراجح انه من سلطان اباد ومنها كذلك ابريق صغير من الخزف الاخضر الفيروزي على الجزء العلوي من بدنه نطاق من الزخرفة البارزة يتشكل من رسوم حيوانات تسير من اليمين الى اليسار وعلى بدنه نطاق من الكتابة النسخية نصها «العز والاقبال والدولة والسعادة لصاحبه».
هذا وقد استبان ان سلطان اباد كان يحيط بها في القرنين السابع والثامن بعد الهجرة عدد من القرى التي اصابت في صناعة الخزف شهرة واسعة وقد عثر المنتقبون عن الاثار في اطلال تلك القرى على كميات واسعة من الخزف ينسبونها اختصاراً الى سلطان اباد، ولو حظ ان الطلاء الذي يغطي الخزف المنسوب الى سلطان آباد يصيبه الكمخ اي التلون بألوان قوس قزح، اكثر من المعروف في سائر الخزف الايراني وبهذا ينتهي لقاءنا والسلام عليكم ورحمة الله.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة