البث المباشر

حضور ذات المبدع في الفن الاسلامي

الأربعاء 23 يناير 2019 - 12:09 بتوقيت طهران

الحلقة 11

السلام عليكم ايها المستمعون الكرام ورحمة الله. مع الفن الاسلامي الذي ورثناه في صوره المختلفة يبرز سؤال مهم، اين هو حضور الفنان في هذا الفن؟ اين انا الفنان ومشاعره الخاصة؟ اين احاسيسه وتفرده وخصوصياته؟ الواقع هو ان المتأمل لهذا الفن انما يقف قبالة فن تغيب عنه اسماء مبدعيه، انه على الرغم من انتشار الفن الاسلامي كمساجد وخط وزخرفة ونسيج وحفر وعلى الرغم من حضوره كأبداع مميز على مدى قرون وفي اكثر من بيئه وقارة فأن حضور الفنان كذات وكصفات وكخصوصيات انسانية فردية يكاد يكون معدوماً، ان الفنان كذات وكعالم ابداعي مستقل غائب فعلاً، ففي الوقت الذي نستطيع فيه قراءة هذا الفن بآثاره قراءة تاريخية وجمالية فأنه يتعذر علينا ان نؤخر او ان نقومه من خلال فنانيه، انه لاثر فني مستقل ومميز لكنه يخلو من توقيع الفنان.
الشيء المهم الذي ينبغي ان نتفطن له ها هنا هو ان غياب الفنان كذات مستقلة عن الفن الاسلامي لا يكشف عن الخصائص والصفات التي تفرد بها هذا الفن وحسب بل ان هذا الغياب ليضع المتأمل ازاء قيم جمالية تثير اسئلة كبرى حول غاية الفن ومعناه وحول مهمة ‌الفنان ووظيفته، ان القيم الفنية الحديثة لم توحد بين الفنان والعمل الفني فحسب بل راحت تقرأ تاريخ الفن على ان تاريخ فنانين، اما الاسماء التي تترد احياناً هنا وهناك في تاريخ الفن لدى المسلمين كأسماء بعض الرسامين والخطاطين والمهندسين كالواسطي الرسام واين مقلة الخطاط وسنان المهندس او غيرهم من الاسماء فأنما يمكن قراءتها كتواقيع للعمل الفني فهي تظل اسماء اشبه شيء بعناوين لامعة واستثنائية او كمحطات رمزية، ذلك انها لاتمثل خصوصية ابداعية او توجهات فنية تكون خصوصيات وتوجهات في الرسم او الخط او العمارة.
انه اذا كان من الجائز قراءة الشعر العربي على سبيل المثال بشعراءه كأمرؤ القيس والمتبني وابي تمام وابي نواس وغيرهم فأنه من غير الممكن قراءة الفن الاسلامي من خلال فنانيه فكيف يمكن ان يحضر الفن ويغيب الفنان، ينبغي ان نبادر اولاً الى القول بأنه ليس المراد بالغياب هنا الغاء دور الفنان الفرد فلقد عرف تاريخ الفن الاسلامي تكريماً واحتراماً للخطاطين او الرسامين او النقاشين او النساجين، واصل احياناً حد التبجيل والتمييز انطلاقاً من الانجازات او القدرات التي حققها هذا الفنان او ذاك على الصعيد الجمالي او المبدئي فحين يستطيع الفنان ان يقدم حلولاً جديدة او طرقاً او اساليباً تصلح لان تتحول الى قواعد جديدة عامة‌ في اي لون فني يتخذ له موقعاً خاصاً ويحظى بهذا التبجيل والتمييز.
لو اقتربنا من نماذج لاثار هذا الفن لوجدنا غياب الفنان واضحاً ‌جلياً، ترى كيف كان يتم تحقيق الرسوم المعروفة الان باسم المنمنمات؟ الحقيقة اللافتة للنظر هنا هي ان المنمنمة‌ على الرغم من صغر حجمها لم تكن من نتاج فنان واحد او حصيلة جهد فرد واحد بل هي على صغرها نتاج انسان كان يمثل جماعة انه نتاج جماعة ‌وحصيلة جهود متعددة، هي اولاً تصور او طرح يقدمه المعلم اي استاذ الفن وهي ثانياً تصميم اولي او ترجمة عملية للتصور او الطرح يقوم به المصمم او المنفذ، حيث يترجم عالم المنمنمة المتخيل او المتصور الى خطوط واشكال وعلاقات ثم يجي دور الملون الذي عليه ان يحضر الوانه من مسحوق احجار الياقوت والزمرد وعين النمر وسائر الاحجار الكريمة بعدها تأتي مهمة المذهب الذي عليه ان يسكب الذهب في الحدود المخصصة للذهب ثم يجيء دور المزخرف الذي يقوم برسم الاطر وزخرفة الهوامش والحواشي بعدها تمر على المنمنمة يد الخطاط اذا كانت ثمة كتابة تتضمنها هذه المنمنمة.
وهكذا لابد لهذه المنمنمة التي لا تتعدى عشرات السانتيمترات من ان تنتقل من يد الى يد في محترف لابد له من ان يضم مجموعة من الافراد، كل واحد منهم مختص بحرفة او صنعة او فن يتحلقون ويتعاونون لتحقيق عمل واحد، وكان لابد ان يرافق هذه العملية‌ المعقدة اشراف المعلم او الاستاذ او اشراف المدقق وقد يزداد عدد العاملين على تحقيق هذه المنمنمة او ينقص على حسب اتساع المحترف وشهرته كمحترف فني. من رسم هذه المنمنمة تبدو الاجابة عن هذا السؤال صعبة جداً خصوصاً حين ندرك ان جمالية المنمنمات تقوم على التناسق والتناغم والوحدة القائمة بين العناصر المكونة لها من طرح ورسم وتلوين وتذهيب وخط وزخرفة وتخطيط. ان المنمنمة على رغم ايحاءاتها بموضوع ما او انها ترسم لترافق قصائد شاعر او كتاب كاتب، تبقى عملاً فنياً مستقلاً في نفسه تنحصر لغتها الجمالية في اشكالها ودلالاتها الرمزية وفي العلاقات التي تقيمها هذه الاشكال كعلاقات الفضاء والنسبية والتماثل والتعاكس والتوازن وما الى ذلك. فهل نستطيع ان نقول ان المعلم هو الفنان او هو الملون او هو الخطاط او هو صاحب المحترف، المشرف على ادارته؟
ان الفنان هو هؤلاء جميعاً وهو ايضاً كل واحد منهم بمفرده، اي ان الفنان هنا هو الاتقان وهو التقنية في التصوير والتعبير والتنفيذ والتحقيق واذا كنا ازاء هذه الصفات فأن من الضروري او من الحتمي ان يغيب الفنان ذاتاً فنية مستقيلة بصفاتها وخصائصها، فالاتفاق والتقنية هنا جماعيان ومن ثم فأن الفنان اصبح اكثر من واحد اي اكثر من ذات لنتأمل ايضاً كيف كان يتم تحقيق السجادة كأثر فني من تكلم السجادات التي ما تزال تحتفظ بها المتاحف او القصور الكبرى، يبدأ تحقيق السجادة على اوراق المعلم ايضاً لتخطيط نموذجي او بتصور اولي، يحدد او يرسم هيكلية الاشكال ومسارها، ثم يجيء دور المنفذ الذي بأستطاعته ان يحقق تخطيط المعلم وتصوره ويحوله الى رسم اكثر دقة واكثر واقعية ثم يأتي من يحول الرسم الى نقاط هي عدد عقد خيوط الصوف او الحرير والوانها بحيث تتحول السجادة في هذه المرحلة الى كتاب متعدد الصفحات يضم نقاطاً وعلامات، بعدها تكون وظيفة النساج او النساجين لكي يبدؤا بعقد خيوط الصوف وبالحياكة. وحتى نلتقيكم مرة اخرى نتمنى لكم كل خير وسرور.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة