همسات في شغاف القلب- خلق الألفة

الأحد 10 نوفمبر 2019 - 09:53 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- همسات في شغاف القلب: الحلقة 27

الحمد لله على جميع نعمائه وازكى صلواته على افضل رسله وانبيائه وعلى ‌آله سادة اوليائه.
اخوتنا المستمعين الاكارم... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته واهلاً ومرحباً بكم في لقاء جديد وحديث جديد يدور هذه المرة حول «الالفة» هذه الحالة النفسية - الاجتماعية، وهي من الف الشيء: اي انس به واحبه، والتآلف هو الاجتماع مع الانسجام والمحبة والارتياح.
ولعل الالفة امر مغروس في طبيعة الانسان وطينته، فهو يميل الى معايشة بني اصله واهل آدميته، يألفهم ويألفونه، وهكذا تستمر الحياة ليس لبعض أن يستغني عن بعض، وما حصل من خصام بين بني البشر فانه من استفزازات الشيطان باساليبه العجيبة المعددة، وقد نبه الى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: «انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء...» (المائدة:۹۱).
فارادة ‌الشيطان متجهة دائماً الى ايجاد اسباب الفرقة والنفرة والخلاف والعداوة ‌بين الناس، لينشغلوا عن ذكر الله تعالى وعبادته، فالآية تقول بعد ذلك: «ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ‌فهل انتم منتهون». فالخصومات من شأنها ان تجر الى المعاصي اولاً، والى نسيان ذكر الباري تبارك و تعالى ثانياً... بينما تمهد الالفة اجواءً طيبةً ‌للتوجه الى الله جل وعلا وطاعته، لاسيما اذا كانت الالفة ايمانيةً، حيث تسود حالة المحبة في الله بين الاخوان، وتلك هي خصلة في المؤمنين الواعين مشهودة... تعالوا - ايها الاخوة الاعزة- نتأمل في هذه الاحاديث النبوية الشريفة التالية:
«المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف خياركم احسنكم اخلاقاً، الذين يألفون، ويؤلفون خير المؤمنين، من كان مألفة للمؤمنين»...
وجاء عن الامام علي (عليه السلام) قوله: «طوبى لمن يألف الناس ويألفونه على طاعة الله».
بعد هذا - ايها الاخوة الاكارم- نستطيع القول ان هنالك الفتين: الاولى تعقد على ‌اساس المصالح الذاتية، والمنافع الشخصية، عنصرها الاساس هو الانانية، فاذا انتهت المصالح انتهت معها الروابط... وهي اقرب ما تكون شبيهةً بعلاقة المنافقين الذين يتظاهرون فيما بينهم بالمودة ‌ويضمرون اهدافاً اخرى‌ في دواخلهم، قال تعالى في كفشهم: «المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون ايديهم...» (التوبة: ٦۷).
اما الالفة الثانية فهي معقودة على حب الله تعالى، وعنصرها الاساس هو الايمان، وهي لا تنفصم حتى بعد الموت... تعالوا معنا - اخوتنا الاحبة- ننظر في هذه الآيات الكريمة:
«والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض..» (سورة التوبة: ۷۱)
«الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين» (سورة الزخرف: ٦۷)
«ان المتقين في جنات وعيون / ادخلوها بسلام ءامنين / ونزعنا ما في صدورهم من غل اخواناً على سرر متقابلين» (سورة الحجر: ٤٥-٤۷)
اجل .. لأن النوازع طيبة سليمة، وقد جاء عن امير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «رب اخ لك لم تلده امك»، وقوله: «اخوان الدين ابقى مودة...».
ذلك - ايها الاخوة الاماجد- ان الله تعالى يرعى هذه الرابطة الشريفة، اذ هي معقودة وعلى محبته وطاعته، فجعل سبحانه لها اصولاً وآداباً خاصة، وعنون لها عناوين شرعية، حتى صنفها العلماء‌ والفقهاء في ابواب وفصول ضمن مولفاتهم، بل افرد البعض لها كتباً خاصة، كما نقرأ: كتاب (مصادقة الاخوان) للشيخ الصدوق، وكتاب (اصول الكافي) للشيخ الكليني وكتاب (ثواب الاعمال وعقاب الاعمال) للشيخ الصدوق، وكتاب (المؤمن) للحسين بن سعيد الكوفي... وكثيراً من كتب الاخلاق التي تفرد عنوان حقوق المؤمن او باب حق المؤمن على اخيه واداء حقه، وما يوجب الحق لمن انتحل الايمان... ثم تأتي العناوين الفرعية-وهي كثيرة- منها: باب: التراحم والتعاطف، وزيارة الاخوان، والمصافحة والمعانقة، وادخال السرور على المؤمنين، وقضاء حاجة‌ المؤمن وتفريج كربه، واطعامه واكسائه والالطاف به واكرامه وخدمته، ونصيحته، واحيائه.. كيف؟ يقول الامام الصادق (عليه السلام) في ظل قوله تعالى: «من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن احياها فكأنما احيا الناس جميعاً»: من اخرجها من ضلال الى هديً فكانما احياها، ومن اخرجها من هديً الى ضلال فقد قتلها.
نعم - ايها الاخوة الاعزة- فقد جعل الله تعالى للالفة الايمانية دواعيها واسبابها، فهي تدوم مادامت، فالمؤمنون متحابون في الله وعلى هدى الله، وعلى طاعته فيما امر ونهى، وقد حفلت كتب الاخلاق بآداب المجالس اذا عقدت بين المؤمنين وهي تزيدهم الفةً واخوة، ودعت الى التواضع والعفو والشكر والمداراة، واداء الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق كل مؤمن تجاه اخوانه المؤمنين، وفي رسالة الحقوق للامام زين العابدين (عليه السلام) تفصيل واف في ذلك.
وفي التجربة التاريخية الفريدة بين المهاجرين والانصار، مثل سام على عمق الالفة التي كانت بين المؤمنين، حيث تشاطروا اموالهم ودورهم بينهم، ليعيشوا معاً متعاضدين متكافلين متآفلين، وكانوا بحق «يحبون من هاجر اليهم» كما قال تعالى. (الحشر : ۹)
واما سيرة النبي المصطفى صلى ‌الله عليه وآله، فهي مفعمة بصور الالفة الايمانية والانسانية حتى وصفه رب العزة بقوله عز من قائل: «وانك لعلى خلق عظيم» (سورة القلم: ٤) وقوله جل وعلا: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك» (سورة آل عمران: ۱٥۹)
فاجتمع اليه صلى الله عليه وآله اهله ذووه، وحتى الاجلاف من الاعراب، بل انضم اليه اعداؤه وقد اخذهم الاعجاب باخلاقه الكريمة، فالفوه... وعلى سيرته الطاهرة مضى آله ائمة الحق والهدى صلوات الله عليهم، فكانوا يألفون الناس حتى يألفوهم... حتى ألفهم خدمهم وعبيدهم فتعلقوا بهم، وألفهم عامة الناس، بل وحتى اعداؤهم وقد تابوا على ايديهم وقرأوا في وجوههم: «الله اعلم حيث يجعل رسالته».
الراوي: ان من السمات الطيبة الظاهرة في شخصية المصطفى محمد )صلى الله عليه وآله(... تواضعه، وعدم حبه لأن يتميز على الآخرين، لذا كان آلفاً لأمته، وكانت امته آلفةً له.
في كتاب «مكارم الاخلاق» لرضي الدين الحسن بن الفضل الطبرسي، أن النبي صلى الله عليه وآله كان في سفر مع عدة من اصحابه فامر بذبح شاة فقام رجل من الاصحاب وقال:
۱- على ذبحها.
۲- على سلخها.
۳- على تقطيعها.
٤- على طبخها.
الراوي: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): على ان القط لكم الحطب.
يا رسول الله... لا تتعبن - بآبائنا وامهاتنا أنت- نحن نكفيك
الراوي: فقال لهم رسول الله (صلى‌ الله عليه وآله): عرفت انكم تكفوني ولكن الله عزوجل يكره من عبده اذا كان مع اصحابه ان ينفرد من بينهم.
فقام (صلى الله عليه وآله) يلقط الحطب لهم.
الراوي: في (قرب الاسناد) للحميري عن الامام الباقر (عليه السلام)... ان امير المؤمنين علياً عليه السلام صاحب رجلاً ذمياً في سفر له. فقال له الذمي:
الذمي: أين تريد يا عبد الله؟
الراوي: فاجابه امير المؤمنين (عليه السلام): اريد الكوفة.
الذمي: ألست زعمت انك تريد الكوفة؟!
الراوي: فأجابه عليه السلام: بلى.
الذمي: اذن فقد تركت الطريق!
الراوي: قال له الامام علي (عليه السلام): قد علمت.
الذمي: اذن لم عدلت معي وقد علمت ذلك؟!
الراوي: فاجابه الامام سلام الله عليه: هذا من تمام حسن الصحبة، ان يشيع الرجل صاحبه هنيئة اذا فارقه، وكذلك امر نبينا.
الذمي: اهكذا؟!
الراوي: قال له عليه السلام: نعم.
الذمي: لا عجب اذن، فانما تبع محمداً من تبعه لأفعاله الكريمة...
الراوي: فرجع الذمي مع الامام على (عليه السلام)، فلما عرفه أسلم.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم