البث المباشر

محمد الطاهر وابراهيم المطهر۱

الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 09:26 بتوقيت طهران

سلام من الله عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة منه وبركات..
أزكى التحيات الولائية نهديها لكم من مطلع سادسة حلقات هذا البرنامج نستهدي فيها بالسيرة المعطاء لإثنين آخرين من شهداء ملاحم السبي في القيام الحسيني المقدس.
إنهما شهيدان زكيان من روضة العترة النبوية، خلدا في قصة إستشهادهما أروع تجليات القيم والأخلاق المحمدية فهما – عليهما السلام – أسوة خالدة للمحمديين الصادقين في كل عصر ومكان. إنهما الشهيدان المظلومان محمد الطاهر وإبراهيم المطهر سبطا الوصي المرتضى وشبلا مسلم بن عقيل – عليهم جميعاً سلام الله –
مستمعينا الأفاضل، إن مصاديق لطف الله بخلقه أن خلد وعلى الرغم من مساعي الطواغيت لإخفاء ملاحم السبي تفاصيل قصة استشهاد شبلي مسلم بن عقيل لما اشتملت عليه من دروس الرأفة المحمدية بالعباد وصدق التوحيد الخالص لله الذي تجلى في العترة المحمدية.
وهذا ما نشهده في هذه القصة الخالدة من قصص الحق التي أتم الله تخليدها بتخليد مشهد هذين الشهيدين من شهداء واقعة السبي المفجعة.
وق وردت رواية إستشهادهما سلام الله عليهما في عدة من المصادر المعتبرة لعل أهمها الرواية التي أوردها الشيخ الصدوق رضوان الله عليه في كتابه القيم (الأمالي)؛ واعتمدها العلماء المحققون في ترجمتهم لهذين المظلومين من شهداء السبي.
ويضاف إليها رواية معتمدة أوردها من حفاظ أهل السنة الحافظ الموفق الخوارزمي في كتاب (مقتل الحسين عليه السلام)، ورواية مجملة أوردها المؤرخ الطبري في تأريخه وغيرهم.
وأكثر إعتماد المحققين من العلماء على رواية الشيخ الصدوق لإشتمال سندها على عدة من وجوه مدرسة أهل البيت من العلماء الذين أجمع العلماء على سمو منزلتهم العلمية والعملية كما ستأتي الإشارة لذلك في حديث ضيف البرنامج.
وفي هذه الرواية تصريح بأن هذين الشهيدين الطيبين قد أسرا بعد استشهاد الحسين – صلوات الله عليه – ثم حملا الى الطاغية ابن زياد فأمر بسجنهما، ويستفاد من ذلك أنهما – عليهما السلام – لم يرافقا ركب السبايا عند سوقه من كربلاء الى الكوفة بل وصلا بعد تسيير الركب الى الشام وخروجه من الكوفة وإلا لكان الطاغية ابن زياد قد سيرهما ولم يأمر بسجنهما؛ فيستفاد من ذلك أنهما وعند الهجوم على المخيم الحسيني بعد مصرع سيد الشهداء – عليه السلام – قد فرا في البرية كما أمر بذلك الإمام السجاد – عليه السلام – للنجاة من الإحتراق عند حرق الخيام الحسينية أو القتل تحت حوافر خيول شيعة آل أبي سفيان.
أجل، ويُستظهر من ذلك أنهما – عليهما السلام – قد ابتعدا عن موقع المخيم فلم ينتبه لهم البغاة عند جمعهم للعيالات الحسينية، فكان أسرهما بعد تسيير السبايا الى الكوفة، ولذلك حملا عليهما السلام منفردين الى الكوفة ثم سجنهما منفردين فيها بأمر الطاغية ابن زياد وبطريقة كان الواضح أن الطاغية أراد أن يقتلهما ببطء شديد، كما هو واضح من مقدمة الرواية.
أيها الإخوة والأخوات؛ جاء في رواية الشيخ الصدوق – رضوان الله عليه – ما ملخصه: (لما قتل الحسين بن علي – عليهما السلام – أسر من معسكره غلامان صغيران، فأتي بهما الى عبيد الله بن زياد، فدعا سجاناً له، فقال: خذ هذين الغلامين إليك، فمن طيب الطعام فلا تطعمهما، ومن البارد فلا تسقهما وضيق عليهما سجنهما.
قال الراوي: وكان الغلامان يصومنا النهار، فإذا جنهما الليل أتيا بقرصين من شعير وكوز من الماء القراح، فلما طال بالغلامين المكث حتى صارا في السنة قال أحدهما لصاحبه: يا أخي قد طال بنا مكثنا ويوشك أن تفنى أعمارنا وتبلى أبداننا، فإذا جاء الشيخ السجان فأعلمه مكاننا.
فلما جنهما الليل أقبل الشيخ إليهما بقرصين من شعير وكوز من الماء القراح، فقال له الغلام الصغير: يا شيخ أتعرف محمداً؟
أجاب الشيخ: كيف لا أعرف محمداً وهو نبيي؟
فقال الغلام: أفتعرف جعفر بن أبي طالب؟
قال: وكيف لا أعرف جعفراً وقد أنبت الله له جناحين يطير بهما مع الملائكة كيف يشاء؟
فقال الغلام: أفتعرف علي بن أبي طالب؟
أجاب السجان: وكيف لا أعرف علياً وهو ابن عم النبي وأخو نبيي؟
فقال الغلام: يا شيخ فنحن من عترة نبيك محمد – صلى الله عليه وآله – ونحن من ولد مسلم بن عقيل بيدك أسارى.. وقد قضيت علينا سجننا.
قال الراوي: فانكب الشيخ يقبلهما ويقول: نفسي لنفسكما الفداء ووجهي لوجهكما الوفاء، ياعترة نبي الله المصطفى.. هذا باب لسجن مفتوح بين يديكما فخذا أس طريق شئتما... سيراً يا حبيبي الليل واكمنا النهار حتى يجعل الله لكما من أمركما فرجاً ومخرجا.ً
مستمعينا الأعزاء، قال الشيخ علي الجشي – رضوان الله عليه – في تصوير هذا المشهد من قصة استشهاد شبلي مسلم – عليه وعليهم السلام -:

أفدي يتيمي مسلم إذ أسرا

ظلما وفي سجن الدعي عذبا ،

قد ضُيّق السجن عليهما ولا

ذاقا طعاماً طيباً أو مشربا ،

حتى إذا ضاقا بما نالهما

ذرعاً وأمر الله جل اقتربا ،

فخاطبا السجان في أمرهما

وبالنبي المصكفى تقربا ،

هناك خلّا عنهما فانطلقا

صوب الشهادة بعد أسر وسبا


مستمعينا الأكارم، قبل أن نتابع نقل رواية الشيخ الصدوق لقصة استشهاد شبلي مسلم بن عقيل، نستمع لما يقوله أخونا الحاج عباس باقري بشأن اعتبار هذه الرواية ودلالات ما نقلناها منها..
باقري: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم أيها الأحبة ورحمة الله وبركاته.
سند هذه الرواية المهمة التي رواها الشيخ الصدوق رضوان الله عليه بشأن إستشهاد طفلي وشبلي او نجلي مسلم بن عقيل وسبطي الامام علي المرتضى عليهم جميعاً صلوات الله سند معتبر يعني يشتمل على سبع من وجوه مدرسة اهل البيت، مدرسة الثقلين القرآن والعترة عليهم السلام. ثلاثة من هؤلاء الأعاظم والأكابر أصحاب مراقد مشهورة ومزارات وأظهر الله لهم كرامات تدل على علو منزلتهم، الشيخ الصدوق نفسه هو صاحب المرقد الشهير في طهران وهو الذي أظهر الله كرامته في إظهار بدنه سالماً بعدما يربو عن أكثر من ألف سنة تقريباً عن شهادته كما روي عن والد السيد المرعشي حيث كان أحد الحاضرين في إظهار هذه الكرامة كذلك والده الممدوح من قبل الامام العسكري سلام الله عليه. وكذلك علي بن ابراهيم، حمران بن أعين، محمد بن مسلم وجوه الطائفة. السند خال من أي راو متهم بالضعف او الوضع او التدنيس او سائر ما يضعف قوة الرواية، إدعاء مجهولية بعض رواتها يعني إثنين علي بن جابر إدعاء والهاشمي إدعاء مدفوع بما حققه بعض العلماء بأنه اولئك الأكابر لاينقلون إلا عن أشخاص موثقين. وصف الراوي الأول لها بأنه شيخ لأهل الكوفة مثل هذا الوصف عن حمران بن عين لايصدق عادة إلا عن شخص جليل موثق بحيث يكون شيخاً لأهل الكوفة. اذن سند الرواية بالتحقيق سند قوي يجعلها المظهر الأساس وعلى أساسه تقاس الروايات الأخرى الواردة في شهادة هذين الشهيدين الزكيين من شهداء السبي. هذا بالنسبة لسند الرواية أما دلالات المقطع الأول من هذه الرواية فهي متعددة، واضح من الرواية أن الطاغية ابن زياد كان عازماً على قتل هذين الغلامين، طبعاً وصف الرواية لهما يشير الى صغر سنهما، بقية الروايات صرحت بأن أعمارهم لاتتجاوز العقد الأول يعني محمد الطاهر كما ورد لقبه في روايات اخرى وابراهيم المطهر مابين حدود التاسعة او السابعة يعني الكبير حدود تسع سنوات وابراهيم المطهر حدود سبع سنوات. إبن زياد أمر بالتضييق عليهما، أخفى هويتهما عن السجان لكي يشتد في التضييق عليهما. هذا التضييق شمل الطعام وشراب كما هو صريح الرواية وشمل ايضاً وضعهما في حالة منفردة في سجن معزول وإنفرادي حسب المصطلحات المعاصرة ومضيق عليهما ومظلم والله أعلم بما أنزله السجان بهما ولكن كانت سيرتهما، وهنا يطهر التوحيد الخالص في سيرتهما عليهما السلام، كانا يصومان النهار. هذا التعبد لله تبارك وتعالى في تلك الحالة وفي هذه الأعمار يشير الى سمو منزلتهما، هنا أظهرا للسجان حقيقة التوحيد الخالص في أشد الظروف وهما يتعبدان لله تبارك وتعالى ولعل هذا هو أحد أسرار سرعة إستجابة السجان لهما عندما أخبراه بأنهما من عترة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله. يبقى أخيراً أن أشير الى قضية وصف أنهما من العترة، العترة في اللغة هي الأقارب الذين يقام بهم ذكر الرجل يعني مثل الشجرة المقدسة، العترة النبوية هي الشجرة المقدسة التي يحفظ بها اسم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، نهج النبي الأكرم صلى الله عليه وآله فهما عليهما السلام من العترة النبوية بهذا المعنى الدقيق فقد جليا بشهادتهما وبسيرتهما حقيقة النهج المحمدي والرأفة المحمدية بالعباد والسعي لإنقاذهم من ظلمات الجهل والجهالة. 
نشكر أخانا الحاج عباس باقري على هذه التوضيحات ونتابع من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران تقديم سادسة حلقات برنامج (شهداء السبي).
أيها الأحبة، جاء في تتمة رواية الشيخ الصدوق المعتبرة بشأن استشهاد شبلي السفير الحسيني الخالد مسلم بن عقيل، الحديث عن ما آل إليه حالهما بعد خروجهما من سجن الطاغية ابن زياد وقد شدد الطلب لهما بغضاً للعترة النبوية الهادين الى الأخلاق المحمدية.
قال الراوي: (سار الغلامان، فلما جنهما الليل إنتهيا الى عجوز على باب، فقالا لها: ..إنا غلامان غريبان حدثان.. وهذا الليل قد جننا، أضيفنا سواد ليلتنا هذه، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق
فقالت لهما: فمن أنتما يا حبيبيّ، فقد شمت الروائح كلهما، فما شممت رائحة أطيب من رائحتكما؟!
فقالا: نحن من عترة نبيك محمد – صلى الله عليه وآله – هربنا من سجن عبيدالله بن زياد من القتل. 
فقالت: يا حبيبيّ، إن لي ختناً – أي صهراً – فاسقاً، قد شهد الواقعة مع عبيدالله بن زياد، أتخوف أن يصيبكما هاهنا فيقتلكما. 
أجل أيها الأكارم، لقد نفذ النور الإلهي المتجلي في سيماء هذين الزكيين من العترة المحمدية الى قلب هذه العجوز الصالحة فغمره بمودة قربى الرسول ولذلك خافت عليهما من أعدائه – صلى الله عليه وآله – فماذا كان جوابهما؟
قال الراوي: (فقالا: أضيفينا سواد ليلتنا هذه، فإذا أصبحنا لزمنا الطريق... ثم أتتهما بطعام.. فلما ولجا الفراش، قال الغلام الصغير للكبير: يا أخي إنا نرجو أن نكون قد أمنا ليلتنا هذه، فتعال حتى أعانقك وتعانقني وأشم رائحتك وتشم رائحتي قبل أن يفرق الموت بيننا)
هذه العبارات النيرة تكشف، مستمعينا الأفاضل، أن هذين الزكيين كانا على موعد مع الشهادة، يعلمان بأن الله قد خيّر لهما مصرعاً هما لاقياه ولكن بعد أن يسجلا للأجيال دروساً في الثبات على القيم المحمدية.
وهذا ما نستجليه في لقائنا المقبل من هذا البرنامج بإذن الله ونحن نتابع التأمل في قصة استشهاد شبلي مسلم – عليه السلام – ونختم اللقاء بأبيات للأديب الولائي السيد سلمان هادي آل طعمة يقول فيها مبدأها مخاطبهما لهما – عليهما السلام -:

لكما في ذرى المعالي مقام

وجلال تزهو به الأيام ،

أنتما في الوجود موئل فضل

منكما يجتنى المنى والمرام ،

لمصاب الشهيدين سالت دموع

وبكت أعين وشب ضرام ،

كيف لا تندب الملائك شجواً

ولمجديهما لا يطأطأ هام؟ ،

أشرقا فرقدين في جنح ليل

مثلما قد أطل بدر تمام ،

ورثا فضل مسلم بن عقيل

لهما الخلد مبدأ وختام ،

طف بقبريهما المكلل بالعز

فإن الفخار فيه يقام ،

مرقد فيه هيبة وجلال

شخصت نحوه النفوس الكرام


لكم جزيل الشكر مستمعينا الأكارم على جميل متابعتكم لحلقة اليوم من برنامج (شهداء السبي) إستمعتم لها مشكورين من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران..
دمتم في أمان الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة