البث المباشر

اللوبي وجماعات الضغط في الولايات المتحدة (2).. اللوبي الأيرلندي

الأحد 18 يناير 2026 - 09:51 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة الثانية- سنتحدث في هذه الحلقة، عن تاريخ اللوبي الأيرلندي ومكانته في السياسة الأمريكية.

مرحبًا..

أنتم تستمعون إلى بودكاست " اللوبي وجماعات الضغط في أمريكا ".

يُعدّ اللوبي في الولايات المتحدة الأمريكية من أهمّ العوامل المؤثرة في صياغة سياسات الحكومة الأمريكية، إذ تزخر دوائر صنع القرار فيها بجماعات ضغط مختلفة تسعى لتحقيق مصالحها وأهدافها الخاصة، لذا يكون من المستحيل نوعاما فهم السلوك السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية بشكل صحيح دون فهم طبيعة هذه الجماعات وطريقة عملها.

تعالوا معي للتعرف على مفهوم اللوبي أي الضغط السياسي، ومكانته في أمريكا، في هذا البودكاست.

لهذا الغرض، راجعنا كتاب "اللوبي وجماعات الضغط في أمريكا" للأستاذ في الجامعة العبرية في القدس ألن روزنتال.

وفي عدة حلقات، وبالاستناد إلى محتويات هذا الكتاب ومصادر أخرى متاحة، سنتحدث معكم عن دور اللوبي وجماعات الضغط في السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية، بالإضافة إلى أنواع اللوبيات في هذا البلد.

في هذه الحلقة، سنتحدث معكم عن اللوبي الأيرلندي ومكانته في السياسية الأمريكية.

يشير مصطلح "الأمريكيون الأيرلنديون" إلى الأمريكيين الذين تعود أصولهم إلى جزيرة أيرلندا. ووفقًا لمكتب الإحصاء الأمريكي، فإن الأمريكيين الأيرلنديين، البالغ عددهم حوالي 35,856,000 نسمة يشكلون 10% من إجمالي سكان الولايات المتحدة، ويُعتبرون بعد الأمريكيين الألمان ثاني أكبر مجموعة عرقية من حيث عدد السكان في الولايات المتحدة.

في الواقع، يُعتبر الأمريكيون الأيرلنديون جزءًا مهمًا من الشتات الأيرلندي، الذين ينتشرون بالإضافة إلى الولايات المتحدة، في دول أخرى مثل كندا وأستراليا وبريطانيا العظمى والمكسيك ونيوزيلندا والأرجنتين وجنوب إفريقيا ودول أوروبية في منطقة البحر الكاريبي.

يعود تاريخ الشتات الأيرلندي في الولايات المتحدة إلى استقلال هذا البلد، بل وأقدم من ذلك، ويُعد وجود الأيرلنديين في فترات مختلفة من التاريخ الأمريكي ومراحل تحوله أمرًا بالغ الأهمية. على الرغم من أن هذه الجالية تُعرف عمومًا باسم الأيرلنديين، إلا أنه عند الفحص الدقيق، يمكن رؤية فئتين رئيسيتين هما الأمريكيون الأيرلنديون والأمريكيون الاسكتلنديون الأيرلنديون.

الأمريكيون الأيرلنديون، الذين يشكلون نسبة كبيرة من الأيرلنديين في أمريكا يعتنقون مذهب الكاثوليك ويعيشون في الغالب في المناطق الساحلية من الولايات المتحدة، مثل الساحلين الشمالي الشرقي والغربي، ومدن مثل نيويورك وفيلادلفيا وشيكاغو وبوسطن، بينما يعيش الأمريكيون الأيرلنديون الاسكتلنديون في الغالب في جنوب ووسط الولايات المتحدة، وفي ولايات مثل شمال نيو إنجلاند، وكارولاينا الجنوبية والشمالية، وجورجيا.

على الرغم من اختلاف أولوياتهما ووجهات نظرهما، عموما فقد أنشأت هاتان المجموعتان مجتمعًا تحت اسم الجالية الأيرلندية منتشرين في جميع أنحاء الولايات المتحدة تقريبًا، وبفضل موقعه التاريخي وتماسكه التنظيمي، تركوا أثرًا سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا كبيرًا على المجتمع الأمريكي بأكمله.

إن الثقافة الدينية والعائلية للأيرلنديين، وشعورهم القوي بالاندماج على مر السنين، جعلت من الأمريكيين الأيرلنديين جماعة ضغط مهمة سواء لأنفسهم، أو للأيرلنديين حول العالم، أولأيرلندا في الولايات المتحدة.

مقارنةً بالمجموعات العرقية الأخرى يتمتع المجتمع الأيرلندي الأمريكي بأكبر قدر من التكامل والتماسك السياسي والاجتماعي والاقتصادي مع المجتمع الأمريكي ، إذ يتمتع بنفوذ ومكانة لا مثيل لهما. يمكن البحث عن أسباب ذلك في عوامل مثل الشعور القوي بالعرق، والانتماء الأسري، والديني.

أدى الشعور القوي بالوحدة العرقية لدى الأيرلنديين منذ الأيام الأولى لهجرتهم إلى الولايات المتحدة إلى تكوين مجتمعات محلية صغيرة في مدن مثل نيويورك وبوسطن.

ولأن المهاجرين الأيرلنديين كانوا فقراء ولم يكن لديهم ما يكفي من المال للسفر إلى المناطق الشرقية من أمريكا وشراء الأراضي والزراعة، فقد استقروا في الموانئ فور وصولهم، وزاد عدد سكانهم تدريجيًا.

بالإضافة إلى اللغة والثقافة المشتركتين، كان الدين أيضًا عاملاً في تماسك هذه المجتمعات. بمعنى آخر، على الرغم من أن الهجرة الواسعة للكاثوليك الأيرلنديين إلى أمريكا منذ بداية القرن التاسع عشر أدت إلى تشكيل جماعات معادية للكاثوليك، مثل "حركة الجاهلين" التي دعمت الأمريكيين الأصليين والبروتستانت، ومهدت الطريق للتمييز والعنف ضد الشعب الأيرلندي، إلا أنها من ناحية أخرى عززت وحدتهم وشعورهم بأنهم سيستفيدون من الأمن والرخاء المتزايد إذا ما اجتمعوا معًا.

في الواقع، أدى الشعور بالقمع الديني، إلى جانب الانتماء الوطني، إلى تماسك المجتمع الأيرلندي وترابطه بشكل متزايد.

في غضون ذلك، لا ينبغي إغفال دور الكنيسة الكاثوليكية الأيرلندية في تعزيز توحيد المجتمع المذكور. فعلى مدى السنوات الماضية، كان التجمع في الكنيسة والمشاركة في برامجها أهم حدث اجتماعي للأيرلنديين.

ومن خلال إنشاء مدارسها الخاصة، قامت الكنيسة الكاثوليكية عمليًا بتعليم الجيل الجديد من الأيرلنديين في أمريكا، وشجعتهم على إنجاب المزيد من الأطفال، مما ساعد على توسيع نطاق المجتمع الأيرلندي.

ساهم تحسّن الاقتصاد الأمريكي، وخاصةً بعد الحرب الأهلية، في هذه العملية، إذ تحسنت تدريجيًا الحياة الأسرية للأيرلنديين، وتوفّرت ظروف مناسبة للنهوض بطبقتهم الاجتماعية.

ولأن الثقافة التقليدية للأيرلنديين كانت متوافقةً تمامًا مع خصائص الطبقة الوسطى الأمريكية، فقد تبنوا بسهولة أنماط وسلوكيات هذه الطبقة، ونتيجةً لذلك نجحوا في تعزيز مكانتهم كطبقة أمريكية وسطى وترسيخها في بداية القرن العشرين.

بالإضافة إلى الخصائص المذكورة آنفًا، دأب الأيرلنديون على استخدام أدواتهم ببراعة لتحقيق أهدافهم. ومن أهم هذه الأدوات الحركة العمالية، التي لعب الأيرلنديون دورًا بارزًا في نشأتها وتطورها في أمريكا.

باختصار، كانت الحركة العمالية الأمريكية طوال القرن العشرين سببًا للتغيير الاجتماعي في هذا البلد، وقد أعاد الجهد والنضال من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية وحق العمال في اتخاذ قرارات لتشكيل البيئة السياسية للولايات المتحدة. كما أن التأثير الثقافي للنقابات العمالية وأهميتها تجاوزا تأثيرها السياسي، وشكّلا الثقافة الشعبية الأمريكية.

فور وصولهم إلى الولايات المتحدة في أربعينيات القرن التاسع عشر إنجذب المهاجرون الكاثوليك الأيرلنديون إلى مشاريع الطرق والقنوات والسكك الحديدية والتعدين الكبرى، وشكّلوا الركيزة الأساسية للموارد البشرية لهذه المشاريع.

بالإضافة إلى حضورهم في الحركة العمالية، كان للأيرلنديين، منذ خمسينيات القرن التاسع عشر وحتى اليوم، حضورٌ بارز في إدارات الشرطة والإطفاء في المدن الأمريكية الكبرى، وفي نيويورك وشيكاغو ونيوأورلينز وسان فرانسيسكو، ويكون معظم موظفي وقيادات هذه الإدارات من أصل أيرلندي.

من الأدوات المهمة الأخرى للأيرلنديين الأمريكيين قوتهم التنظيمية العالية، وحضورهم في القيادة الحزبية والسياسية، حيث كان معظم قادة الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية والنقابات العمالية والحزب الديمقراطي في المدن الكبرى، منذ خمسينيات القرن التاسع عشر وحتى اليوم، من أصل أيرلندي.

يقتصر هذا التنظيم على مراكز المنظمات غير التقليدية، ويشمل أيضًا الجامعات ومعاهد التعليم العالي. يُعد جون إف كينيدي بطلًا سياسيًا للكاثوليك الأيرلنديين. كما يعد آل سميث، الذي خسر الانتخابات الرئاسية عام ١٩٢٨ أمام هربرت هوفر، أول كاثوليكي أيرلندي يترشح للرئاسة.

خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر إلى ستينيات القرن العشرين عدى العشرينيات منه فقد صوّت ما بين ٨٠٪ و٩٥٪ من الكاثوليك الأيرلنديين لصالح الحزب الديمقراطي. واليوم، ينشط معظم الكاثوليك الأيرلنديين في الحزب الديمقراطي، على الرغم من أن بعضهم كان ولا يزال نشطًا في قيادة الحزب الجمهوري.

بالإضافة إلى نشاطهم الحزبي، يتمتع الكاثوليك الأيرلنديون بحضور بارز في المناطق الحضرية، حيث شغلوا مناصب مهمة في العديد من المدن الكبرى، بما في ذلك بوسطن وسينسيناتي وهيوستن ونيويورك وسانت لويس وسانت بول وسان فرانسيسكو.

شهدت مدن مثل شيكاغو وبوسطن وجيرسي سيتي أكبر عدد من رؤساء البلديات المولودين في أيرلندا، وحاليًا، فإن رؤساء بلديات شيكاغو وبالتيمور وميلووكي وأوكلاند وأوماها وسانت بول وجيرسي سيتي وروتشستر وسبرينغفيلد وروكفورد وسان فرانسيسكو وسكرانتون وسيراليون هم من أصول أيرلندية وينتمون إلى الحزب الديمقراطي.

بالإضافة إلى الكاثوليك الأيرلنديين، كان للأيرلنديين البروتستانت أو الأيرلنديين الاسكتلنديين حضورٌ بارزٌ في السياسة الأمريكية، وخاصةً في منصب رئاسة الجمهور، وذلك على الرغم من أن نفوذهم ليس بنفس قوة نفوذ الكاثوليك، وأن تأثير أصواتهم لم يُدرس بشكل كافٍ.

وبالجملة يمكن اعتبار ما لا يقل عن ثلاثة وعشرين رئيسًا أمريكيًا من أصل أيرلندي أو ذوي جذور أيرلندية. تتفاوت درجة الأصول الأيرلندية، على سبيل المثال، وُلد والد ووالدة أندرو جاكسون في أيرلندا، في حين جورج دبليو بوش هو ابن اثنين من الأمريكيين الأيرلنديين. كان لكينيدي جذور أيرلندية أكثر، وكان والد ريغان أيرلنديًا ووالدته أيرلندية اسكتلندية. كان جيمس نوكس بولك أيضًا أيرلنديًا اسكتلنديًا.

عمومًا يُقال إن أكثر من ثلث رؤساء الولايات المتحدة من أصول اسكتلندية أيرلندية (بروتستانتية)، ويعود أصلهم إلى أولستر. ويُعدّ بيل كلينتون مثالًا بارزًا على هذه المجموعة من الأمريكيين الأيرلنديين، حتى أنه زار أولستر مرتين خلال فترة رئاسته.

لطالما كان استخدام المعطيات الثقافية والتأثير في مجال الثقافة العامة أداةً أخرى استخدمها الأمريكيون الأيرلنديون على مر السنين وحتى يومنا هذا. فالاحتفال السنوي بعيد القديس باتريك، الذي يُعرف بأنه رمز للوجود الأيرلندي في أمريكا، على الرغم من كونه طقسًا دينيًا، أصبح فرصةً للاحتفال بجميع العادات والتقاليد الأيرلندية العريقة.

وقد بلغ هذا الاحتفال مكانةً وتأثيرًا ثقافيًا كبيرًا لدرجة أن الكونغرس أطلق على شهر مارس، الذي يُحتفل به، اسم شهر التراث الأيرلندي الأمريكي. علاوةً على ذلك، فإن الأيرلنديين منذ وصولهم إلى الولايات المتحدة، نشطوا في معظم المجالات الفنية والثقافية، كالأدب والفنون البصرية والرياضة، والعديد من الشخصيات البارزة في هذه المجالات من أصل أيرلندي.

وقد مكّن هذا الحضور والتأثير الكبير الجالية الأيرلندية من تحسين صورتها واكتساب مكانة اجتماعية مرموقة على مدار تاريخها في أمريكا.فا

حسنًا،

أيها الأصدقاء الأعزاء،

إذا كنتم تتابعون هذا البودكاست، فهذا يعني أنكم استمعتم إلى الحلقة الثانية كاملةً من بودكاست " اللوبي وجماعات الضغط في أمريكا"، ولهذا السبب، نود أن نشكركم من أعماق قلوبنا.

في هذه الحلقة، تناولنا تاريخ اللوبي الأيرلندي في أمريكا، وتحدثنا معكم عن دوره وتأثيره على البنية السياسية والاجتماعية لأمريكا.

في الحلقة القادمة، سنقدم لكم معلومات عن جماعة ضغط أخرى في أمريكا.

يسعدنا مرافقتكم في الحلقات القادمة، وإذا أعجبكم محتواها، عرّفوا أصدقاءكم عليها.

وإلى حلقة أخرى من بودكاست "اللوبي وجماعات الضغط في أمريكا"،

نستودعكم الله

والسلام عليكم.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة