البث المباشر

اختراع الشعب اليهودي (7)

الأحد 11 يناير 2026 - 09:34 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة السابعة- نتطرق في هذه الحلقة إلى تغيير الديانة بين اليهود، والنقاط الجديدة التي تتعلق بزيف التاريخ المزعوم للقومية اليهودية.

ما هي القومية اليهودية؟ ومن هو اليهودي؟ وما هي مسألة تغيير الديانة بين اليهود؟

مرحبا..

أنتم تستمعون الآن إلى الحلقة السابعة والأخيرة من بودكاست "اختراع الشعب اليهودي"، وهو بودكاست مأخوذ من كتاب "اختراع الشعب اليهودي" (The Invention of the Jewish People) من تأليف شلومو ساند، أستاذ مادة التاريخ في جامعة تل أبيب.

ما دفعنا لإعادة قراءة هذا الكتاب هو كونه يتحدى الأسس والمزاعم التاريخية للصهاينة في إنشاء دولة زائفة على أرض فلسطين المحتلة.

العدوان المتواصل من قِبل الكيان الصهيوني على غزة، وجرائم القتل بحق الفلسطينيين، واغتيال قادتهم، واقع لفت أنظار الرأي العام العالمي إلى زيف الرواية التاريخية لإسرائيل.

لقد حاول الصهاينة خلال العقود الماضية تبرير احتلالهم وقتلهم للشعب الفلسطيني من خلال تزييف التاريخ وتقديم أنفسهم كضحايا.

جاءت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، بعد 17 عاماً من الحصار والعقوبات على قطاع غزة، وردّ الفعل الانتقامي وغير المتكافئ من قِبل إسرائيل على هذه العملية، ليكشفا للعالم حقيقة نشوء إسرائيل، وكذب وخداع الصهاينة في احتلال فلسطين.

في هذه المرحلة الحساسة، فإن مراجعة كتاب "اختراع الشعب اليهودي" الذي كتبه أحد الأساتذة الجامعيين في تل أبيب، يُعد أمراً مهماً وجديراً بالاهتمام.

والآن، دعونا نبدأ مع الحلقة السابعة والأخيرة من بودكاست "اختراع الشعب اليهودي"، والتي نراجع فيها موضوع تغيير الديانة بين اليهود، كما نتطرق إلى نقاط جديدة تتعلق بزيف التاريخ المزعوم للقومية اليهودية.

في الحلقة السابقة، تحدثنا عن مفهوم النفي وأكاذيب الصهاينة المتعلقة بهذا الموضوع.

يرى شلومو ساند أن أسطورة النفي لم يبتدعها اليهود في الأصل، بل صنعها المسيحيون، ثم صدقها اليهود أنفسهم. ويذكر في الصفحة 213 من كتابه "اختراع الشعب اليهودي" ما يلي:

"لقد تبنّى اليهود تدريجيًا أسطورة النفي ونسبوها لأنفسهم، وأدخلوها ضمن التقليد اليهودي.

وفي الصفحة ذاتها، يشير أيضًا إلى أن "هذه الأسطورة استندت إلى جهل تاريخي، ناتج عن الأكاذيب العدائية التي روّج لها رجال الكنيسة المسيحية، الذين كانوا يريدون الإيحاء بأن الله عاقب اليهود على صلبهم للمسيح."

وقد استغل الصهاينة هذه الرواية المسيحية إلى أقصى حد، لمنح الشرعية الزائفة على احتلال فلسطين باعتبارها "أرض الأجداد".

من القضايا المهمة التي يعالجها شلومو ساند في كتابه "اختراع الشعب اليهودي"، هي مسألة تغيير الدين بين اليهود.

الفكرة السائدة عن المجتمع اليهودي، هي أنهم لا يختلطون بأتباع الديانات الأخرى، ولا ينشرون دينهم، ولا يقبلون بضمّ معتنقين جدد إلى جماعتهم الدينية. هذه الفكرة، وإن كانت شائعة، إلا أنها خاطئة.

فبحسب ما يعرضه شلومو ساند في أجزاء من الفصل الثالث من كتابه، فإن هذا السلوك لم يكن سائداً بين جميع اليهود، ولم يكن موجوداً في كل الحقب التاريخية لديانتهم. ويقول:

"غالباً ما يُفترض أن اليهودية لم تقم قط بنشر ديانتها، وإذا ما انضمّ إليها بعض المعتنقين الجدد، فإن ‘الشعب اليهودي’ كان يتقبلهم على مضض. ويستشهدون في هذا السياق بالمقولة المشهورة في التلمود: المتهودون الجدد كارثة على إسرائيل، وذلك لتجنب أي نقاش في الموضوع. لكن متى كُتبت هذه العبارة؟

يقول شلومو ساند إن التعايش بين اليهودية والحضارة اليونانية، هو ما حوّل اليهودية، لأكثر من ثلاثمائة عام، إلى ديانة حية وخلاقة. هذا التفاعل بين الديانة اليهودية وفلسفات المدارس الرواقية والأبيقورية، أدى إلى نشوء أدب جديد كانت غايته التأثير في الأرواح واستقطابها.

المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس (Flavius Josephus)،– وعلى حد تعبير ساند – بالغ إلى درجة يقول: إن الكتاب المقدس هو مصدر الحكمة اليونانية، وإن فيثاغورس وأفلاطون استقيا معرفتهما بالله من النبي موسى.

في السياق ذاته، اعتبر العالم الروماني الكبير وارو أن الإله الروماني جوبيتر هو نفسه إله اليهود، واستنتج على أساس المنطق اللاتيني أن:

"ما دام يفهم منه أمرا واحدا فلا يهم أي اسم يُطلق عليه."

بحسب المصادر التاريخية، فقد كانت النساء في روما أكثر ميلاً لاعتناق اليهودية، وقد أسهم عدد كبير من النساء في نشر الديانة اليهودية بين الطبقات العليا في المجتمع الروماني.

وبشكل عام، انتشرت اليهودية من روما إلى أجزاء من أوروبا، مثل الأراضي السِّلافية، والجرمانية، وجنوب بلاد الغال، وإسبانيا، وهي الأراضي التي كانت تابعة للإمبراطورية الرومانية. يضيف ساند أن إنجيل متى يُعد دليلاً آخر على التبشير العلني باليهودية.

وعموما يكتب شلومو ساند:

"كان كثير من الحاخامات يكررون أن الوافدين الجدد إلى الدين يجب قبولهم، وكانوا يطالبون بدمجهم الكامل في صفوف المؤمنين." ومن النقاط اللافتة التي يعرضها الكتاب في هذا السياق، وجود طقس مشترك بين اليهودية والمسيحية، وهو الغطس في الماء أو التعميد.

يشير ساند إلى أن هذا الطقس كان موجودًا في اليهودية الربانية (الحاخامية) وكذلك في المسيحية البولسية، ورغم الاختلافات بين الديانتين، إلا أن هذا الطقس كان مشتركًا".

مع ذلك، يَلفت ساند النظر إلى أن المسيحية النامية قد عرفت مساواة أكبر بين الأعضاء القدامى والجدد، بل وكانت تمنح الوافدين الجدد مكانة مميزة وتعاملهم بلطف أكبر، على عكس ما كان عليه الأمر في الدوائر اليهودية المغلقة.

وهنا يبرز السؤال:

"لماذا أورد شلومو ساند كل هذه التفاصيل في كتابه؟"

الجواب هو:

"لإثبات أن سياسة الانغلاق وعدم السماح للآخرين بالانضمام إلى الجماعة اليهودية ليست سلوكًا دينيًا أصيلاً، بل إن ذلك نهج سياسي صهيوني حديث يخدم السلطة الحاكمة في إسرائيل".

يقدّم شلومو ساند في كتابه اقتراحًا لقرّائه بأن يتأملوا في حال اليهود في إحدى المناطق التي انطلق منها مشروع الدعوة الدينية، وتم فيها اختراع "أسطورة النفي الطويل الخيالي"؛ أي منطقة يهودا، التي قام الحكام الرومان في القرن الثاني الميلادي وخلفاؤهم بتغيير اسمها إلى فلسطين. وقد ردّ الحكماء اليهود بشدة على هذا التغيير باسم "أرض إسرائيل".

من المفيد هنا أن نذكر بعض المقاطع من كتاب "اختراع الشعب اليهودي" التي يعقد فيها ساند مقارنة بين الانفتاح الفكري النسبي لدى المسلمين واليهود في صدر الإسلام.

فهو يرى أن أحد أسرار قوة الجيوش الإسلامية المبكرة كان يكمن في نهج المسلمين المنفتح نسبياً تجاه الشعوب المغلوبة، حيث لم يكن الإسلام يسعى إلى فرض اعتناق الدين بالقوة على سكان الأراضي المفتوحة؛

"شريطة أن يكونوا موحّدين."

يشير ساند إلى أن هذه الملاحظة تنسجم مع الآيات القرآنية التي توصي باحترام أهل الكتاب (لا الكافرين المحاربين والعدائيين).

ولو أردنا أن نُغلق النقاش حول أسطورة النفي ومسألة تغيير الديانة في ما يسمى "الشعب اليهودي"، فعلينا أن نشير إلى قول شلومو ساند التالي: "الأسطورة القومية لليهود، أو هذا البيان القومي، ليس إلا نتاج تاريخٍ خيالي بالكامل".

لم يحصل اقتلاع قسري شامل لليهود أبداً. لقد تُرك المجال لهذه الأسطورة المسيحية، التي تبنّاها التقليد اليهودي، كي تُعرض بحرية في الفضاءات العامة والتعليمية، فتُصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية."

ويضيف أن هذه الأسطورة كانت وحدها كافية لمنح شرعية أخلاقية لإعادة "توطين" "شعب مُهَجَّر" في بلد يسكنه آخرون. وقد بُنيت الذاكرة الجماعية لليهود على أساس نسيان شعائري متعمَّد، ولهذا السبب حققت هذه الذاكرة نجاحًا مذهلاً.

يقول المؤرخ الإسرائيلي إن المسلمين في صدر الإسلام لم يُكرهوا اليهود على اعتناق الإسلام، بل قاموا فقط بمصادرة ممتلكاتهم. ثم، في القرن السابع الميلادي، حلّت أسطورة النفي الخيالية مكان الرواية الدينية غير الموثقة عن الطرد الجماعي بعد سقوط الهيكل الثاني، وظهرت نظرية جديدة مفادها أن الفلاحين الفلسطينيين الحاليين هم أحفاد سكان يهودا.

يتحدث شلومو ساند أيضًا عن خلق وترويج مفاهيم مثل: الشعب التائه، الشعب المنعزل، الشعب الخيالي، ويُبرز أهمية هذه المفاهيم الثلاثة في اختراع الشعب اليهودي.

فمن وجهة نظره، فإن التيه، العزلة، والخيال هي الثلاثية الحاسمة التي يُركّز عليها في هذا الجزء من الكتاب لوصف شعب اخترعه الصهاينة.

أما تاريخ اليهودية، فهو يزخر بالكثير من الحقائق المسكوت عنها والغياب المتعمد في بعض محطاته المهمة.

من أبرز الفترات التاريخية التي تحرص "إسرائيل" اليوم على تجاهلها بالكامل ومنع أي بحث أو تحقيق بشأنها، مملكة حِمْيَر في اليمن المعاصر. وهناك موضوع آخر تعرّض أيضًا لنسيانٍ مقصودٍ وممنهج، وهو متعلق بـ يهود منطقة الخزر.

لقد أهملت الرواية التاريخية الصهيونية في فترات معينة الحديث عن مملكة حِمْيَر إهمالًا واضحًا ، وفي أحيان أخرى تجاهلتها تمامًا دون أي ذكر.

مملكة حِمْيَر هي إحدى الممالك التاريخية التي نشأت في اليمن، وبدأ عهد ازدهارها وسيطرتها منذ عام 110 قبل الميلاد واستمر حتى عام 520 ميلادي. وقد اعتنق الحِمْيَريون اليهودية في فترة من التاريخ، لكن مع انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية، دخل أغلبهم في الإسلام على نطاق واسع.

يقول شلومو ساند إن الفصل الخاص بالحِمْيَريين الذين تهوّدوا قد تم إقصاؤه من الذاكرة التاريخية التي تُدرَّس في المنظومة التعليمية الإسرائيلية، حيث لا يعرف خريجو المدارس الثانوية في إسرائيل شيئًا عن هذا الموضوع.

ويضيف أن مملكة حِمْيَر القوية أصبحت في يومنا هذا ذات مصيرٍ حزين، إذ لم يعد أحفادها يفتخرون بها، بينما يخشى كثيرون حتى من ذكر وجودها.

وخلال حديثه عن هذه المملكة، يشير ساند أيضا إلى يهود شمال إفريقيا، الذين تم طمس تاريخهم وإقصاؤهم عن الذاكرة التاريخية بفعل قوى ذات نوايا خبيثة تعمّدت إخفاءهم بين طيّات السرديات الرسمية.

وكذلك يوضح ساند أنه بعد النصف الأول من القرن الثالث عشر، توقفت الرواية التاريخية اليهودية عن الإشارة إلى "مملكة الخزر"، ويقول:

"لقد سقطت هذه المملكة في غياهب النسيان التاريخي."

في أحد فصول كتابه "اختراع الشعب اليهودي"، يشير ساند إلى سبعينيات القرن العشرين، حين دخلت إسرائيل في مرحلة توسع استعماري، ووجدت نفسها بلا سندٍ توراتي صريح أو حتى بخلفية "تاريخية" مستندة إلى أسطورة "نفي الشعب اليهودي"،

ولذلك لم تجد أي مبرر حقيقي لضم القدس الشرقية، أو إقامة المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان، وحتى شبه جزيرة سيناء.

في تعليقه على تلك الحقبة، يقول ساند إن الصهيونية التي انغمست تمامًا في أسطورة زَمَنٍ قوميٍّ أبديّ، لم تكن تتصور أن صهاينة عام 1967 سيُشبهون في ردودهم الوحشية أصحاب الفكرة الستالينية".

السؤال الذي يطرحه ساند في بداية هذا الفصل من كتابه، والذي يبدو أن الإجابة عليه تتخفى في مفاهيم الفصل نفسه، هو:

"لقد استمرت المسيحية عبر التاريخ بانتصاراتها أكثر من معظم الأنظمة السياسية، ومن الإسلام كذلك. فلماذا لم تكن اليهودية كذلك؟"

الإجابة المحتملة على هذا التساؤل، تكمن في إقصاءٍ متعمّد لتاريخ ممالك يهودية حقيقية مثل مملكة حِمْيَر في اليمن، ويهود الخزر، وذلك لأن وجودها يتعارض مع السردية الصهيونية القومية التي تقوم على أسطورة "الشعب اليهودي" والمنفى والعودة إلى "أرض الميعاد".

فـ المملكة اليهودية القوية في حِمْيَر، وكذلك يهود منطقة الخزر، كانوا يجسدون حضورا حقيقيا في التاريخ اليهودي، لكن تم إبعادهم عمدًا خلال العقود الماضية من السردية الرسمية، لأسباب أيديولوجية.

يسخر ساند من هذا التهميش في تساؤل ساخر يقول فيه: "هل ضاعت أيام الحِمْيَريين والبربر والخَزَريين، ولم يعد بالإمكان العثور عليها؟"

يرى ساند أن مملكة حِمْيَر اليهودية، ويهود الخزر، يشكلان لغزين تاريخيين مهمّين، كان لهما مقام وقيمة، أما اليوم، فإن الكتابة أو البحث عنهما أصبح أمرًا مذمومًا أو محظورًا. ويبدو أن "إسرائيل" تحاول أن تُسقط مفهوم الوراثة والدم اليهودي على هذه البقع المعتمة من تاريخها، لتعيد تفسيرها وفق منطقها القومي والعرقي الخاص.

أما الفصل الخامس والأخير من الكتاب، فهو بعنوان:

«التمييز: سياسة الهوية في إسرائيل» ولا يقتصر الحديث فيه على القومية اليهودية أوالهوية الدينية فحسب، بل يتوسع ليشمل مفهومي الوراثة والدم اليهودي. وعموما في الحرب العالمية الأولى، حين بلغ المدّ القومي ذروته في أوروبا، بادر اليهود إلى الدفاع عن أوطانهم الجديدة.

ويبيّن شلومو ساند أن الصهيونية، حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، كانت حركة ضعيفة وهامشية في أوساط المجتمعات اليهودية حول العالم. وقبل أن يدخل في نقاش مسألة "الصهيونية والوراثة"، يقول ساند إن لربط الهوية اليهودية الهشة اللادينية

لم يكن مجرد كتابة "تاريخ اليهود" أمرا كافيًا ليوجد فيه التنوع الثقافي . إن هذه الهوية اليهودية وفقا لساند علمانية هشة وفيها إشكاليات وبعثرة كبيرة في التقويم . وعليه وبحسب تفسيره، اضطرت الصهيونية إلى الاستنجاد بحقل معرفي آخر وهو علم الأحياء لتدعيم أسس الشعب اليهودي القديم من خلال التركيز على الوراثة والدم، لا على الدين أو الثقافة.

وفي واحدة من أكثر العبارات اللاذعة التي يوردها شلومو ساند في هذا السياق، يقول:

"في زمن العقلانية الحديثة الخالية من التعصب، تم استبدال الإيمان اليهودي القديم المليء بالتعصب والتحامل، بعِلمٍ يهوديٍّ نقيٍّ."

عندما يتحدث شلومو ساند عن الأبحاث والدراسات البيولوجية الصهيونية حول "الدم اليهودي"، يقول:

«لم يسأل أحد لماذا تُنفق أموال طائلة على أبحاث بيولوجية تبحث في طبقة دينية موروثة.»

لأنه، بحسب رأيه، ورغم كل الجهود العلمية المكلفة، فلا يمكن تعريف الفرد اليهودي وفق أي معيار بيولوجي. ويرى ساند أن مفهوم الوراثة استُخدم فقط لتبرير ادعاء "إسرائيل" بحقها في فلسطين، ولهذا فإن الهدف من البيولوجيا اليهودية لم يكن الإبادة أو "تطهيرالآخرين فعليًا، بل تعزيز العزلة والانفصال عنهم.

يُحلل ساند مسألة "الدم اليهودي" بقوله إن أقصى درجات الانعزال الذاتي، والزواج الداخلي، والعيش لفترات طويلة في أحياء مغلقة خاصة باليهود، أدّت إلى نشوء يهود من نوع خاص.

ويضيف:

«الحياة الاجتماعية المنعزلة أثّرت على سلوك اليهود، بل وحتى على ملامح وجوههم. ولم يكن للوراثة أو الدم أي علاقة بهذا. بل إن هذه الحياة الاجتماعية والمهن الخاصة لم يخترها اليهود بحرية، وإنما فُرضت عليهم في العصور الوسطى.»

في جوابه عن السؤال الجوهري في الفصل الخامس من كتابه "ما هو الشعب اليهودي؟ أو من هو اليهودي؟"، يقول شلومو ساند:

«في عام 1970، وتحت ضغط التيار الديني، تم تعديل "قانون العودة"، وأخيرًا تم تقديم تعريف دقيق وواضح لِمن يُعد عضوًا أصيلًا في شعب إسرائيل: "اليهودي هو من وُلِد لأم يهودية، أو اعتنق الديانة اليهودية، ولا ينتمي إلى ديانة أخرى."»

وبحسب ساند، فإن هذا التعريف أظهر أنه بعد سنوات طويلة من الشك والجدل، أصبح التحالف بين الدين الحاخامي والقومية راسخًا وفعّالًا بالفعل.

ويُختتم هذا الكتاب بعبارة ساخرة تصف ما يُعرف بـ "علم الوراثة اليهودي"، والذي يبدو -بحسب ساند– كأحد الاختراعات الصهيونية الجديدة. فيكتب:

«المفهوم الصهيوني للشعب أو العرق اليهودي ظهر على هيئة علم بيولوجي أساسي، وولِد فرع جديد: "علم الوراثة اليهودي". فما الذي يمكن أن يكون أكثر إقناعًا من نشر مقالات في المجلات العلمية المرموقة في العالم الأنجلوساكسوني؟»

«لقد فُتحت أبواب العلم الرسمي الغربي –وخاصة في الولايات المتحدة– أمام الباحثين الإسرائيليين الطموحين، الذين راحوا بشكل دوري يمزجون الأساطير التاريخية والافتراضات السوسيولوجية بنتائج جينية مشكوك فيها وضعيفة.»

حسنًا أصدقاؤنا الأعزاء، وصلنا إلى نهاية بودكاست "اختراع الشعب اليهودي". وفي ختام هذه الحلقة، نود أن نشكركم على مرافقتكم لنا حتى النهاية.

في هذا البودكاست، حاولنا من خلال الاعتماد على كتاب شلومو ساند (Shlomo Sand)، أن نشكك في واحدة من أبرز الروايات التي صنعها الصهاينة، وهي فكرة أن "الشعب اليهودي" له وجود تاريخي حقيقي.

كما استعرضنا الأسباب التي تجعل من مفهوم "القومية اليهودية" مفهومًا مصطنعًا، وبيّنا كيف سعى المشروع الصهيوني، عبر العبرنة، واختراع قومية خيالية، وتزوير التاريخ، وغيرها من الوسائل، إلى خلق هوية قومية موحّدة لليهود.

نأمل أن تكونوا قد استمتعتم بالاستماع إلى هذه الحلقة. كما يسعدنا أن ترافقونا في بودكاستاتنا القادمة، وإن أعجبكم محتوى هذه الحلقة، لا تترددوا في مشاركته مع أصدقائكم.

إلى اللقاء،

ودمتم في أمان الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة