البث المباشر

اختراع الشعب اليهودي (6)

السبت 10 يناير 2026 - 10:04 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- بودكاست: الحلقة السادسة- في هذه الحلقة نسلط الضوء على نقاط جديدة حول تزوير تاريخ الشعب اليهودي.

إن قضية نفي الشعب اليهودي وتهجيره من الأرض المقدسة مبنية على جهل تاريخي ناتج عن أكاذيب عدائية من آباء الكنيسة المسيحية الذين أرادوا أن يروجوا لفكرة أن الله عاقب اليهود لصلبهم عيسى.

مرحباً..

أنتم تستمعون إلى الحلقة السادسة من البودكاست "اختراع الشعب اليهودي". بودكاست مبني على كتاب "اختراع الشعب اليهودي" لشلومو ساند، الأستاذ في جامعة تل أبيب.

إنما جعلنا نراجع هذا الكتاب هو أنه يتحدى الأسس والمزاعم التاريخية للصهاينة في إنشاء دولة وهمية في فلسطين المحتلة.

إن عدوان الكيان الصهيوني على غزة وقتل الفلسطينيين واغتيال القادة الفلسطينيين واقع أدى إلى يتركز انتباه الرأي العام العالمي على التاريخ المزيف لإسرائيل. فقد حاول الصهاينة على مدى العقود القليلة الماضية، تبرير احتلال الشعب الفلسطيني وارتكاب المجازر بحقه من خلال تحريف التاريخ وتصويره كضحية.

إن عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وبعد 17 عاماً من الحصار والمقاطعة بحق قطاع غزة، والرد الإسرائيلي الانتقامي وغير المتكافئ على هذه العملية، كشفت للرأي العام العالمي حقيقة نشوء إسرائيل وكذب الصهاينة وخداعهم في احتلال فلسطين.

في هذه المرحلة الحرجة، يجدر بنا أن نعيد قراءة كتاب "اختراع الشعب اليهودي" الذي كتبه أحد أساتذة جامعة تل أبيب.

 حسنا دعنا ننتقل إلى الحلقة السادسة من بودكاست "اختراع الشعب اليهودي"، والتي تسلط الضوء على نقاط جديدة حول تزوير تاريخ الشعب اليهودي.

قلنا في الحلقات السابقة إن الصهاينة فبركوا رواية بعض أساتذة التاريخ اليهود في الجامعات الأوروبية والأمريكية لصالح إسرائيل من أجل شرعنة احتلال فلسطين وإبادة شعبها.

في هذه الأثناء، كشف بعض العلماء اليهود عن حقيقة التاريخ المزيف لإسرائيل. شلومو ساند، أستاذ مادة التاريخ في جامعة تل أبيب، هو أحد هؤلاء المؤرخين. بحسب رأيه، فإن "الشعب اليهودي" هو مفهوم تجريدي وأسطوري ليس له أي خلفية تاريخية على مرور الزمن (باستثناء أدلة ظهرت في العصر الحالي).

وبحسب ساند، فإن "كل النخب الفكرية" في السنوات الأولى من تشكيل دولة إسرائيل شاركت في تنمية الثالوث (الكتاب المقدس، والأمة، والأرض). ومن بين الأمثلة على الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية لتعزيز الخطاب المطلوب:

"إجبار الموظفين الحكوميين على تغيير أسمائهم إلى أسماء عبرية، والتي عادة ما يتم اختيارها من الكتاب المقدس، أو تسمية جميع المستوطنات الجديدة تقريبًا بأسماء عبرية قديمة".

إن تفسير شلوموساند لهذه الإجراءات التي اتخذها الكيان الصهيوني هو أن هذا الكيان لديه هدف مزدوج: الأول هو القضاء على الأسماء العربية المحلية والثاني هو التخلص من "النفي" الطويل الذي انتهى بإنشاء دولة إسرائيل.

يقول شلومو ساند:

"لا يوجد في الوثائق الرومانية العديدة أي إشارة إلى نفي اليهود ". ولم تكن الدولة اليهودية القديمة والتاريخية مملكة عظيمة ورائعة قط. كما أن الكتاب المقدس أيضًا هو مجال نقاش وشك كبيرين، لأنه ليس من الواضح متى كُتب.

لقد ذكرنا في الحلقة السابقة، فإن كتاب العهد القديم المهم الذي كتبه العديد من المؤلفين وتم تصحيحه من قبل آخرين على مدى سنوات عديدة، هو كتاب مليء بالتناقضات. ونقطة أخرى مهمة ذكرها شلومو ساند في كتابه حول هذا الموضوع تتعلق بسِفر أستير. إذ يقول:

"إن زمن كتابة هذا الكتاب غير محدد أيضًا في الكتاب المقدس".

وكما يقول ساند ، فإن الصهاينة لا يستطيعون أبداً أن يتصالحوا مع الحقيقة المزعجة المتمثلة في أنه لم تكن هناك أبداً ثقافة تسمى ثقافة الشعب اليهودي، بل كانت هناك فقط ثقافة يديشية مشتركة، تشبه ثقافة جيرانها أكثر بكثير من تشابهها مع ثقافة المجتمعات اليهودية في غرب أو شمال أوروبا.

وبحسب مؤلف كتاب "اختراع الشعب اليهودي"، فإن غياب الأبحاث الاجتماعية واللغوية والإثنوغرافية حول أساليب الحياة القديمة في المستوطنات البولندية والليتوانية ليس من قبيل المصادفة.

ويبدو أيضًا أن هذا الإغفال كان متعمدًا ومدروسًا، ويجب البحث عن جذوره في الدوافع وراء إنشاء تاريخ يهودي زائف.

في الحلقة السابقة، ذكرنا أن فكرة الصهيونية ولدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أوروبا الوسطى والشرقية، في الأراضي الواقعة بين فيينا وأوديسا.

وفقًا لتفسيرشلومو ساند المتذبذب إلى حد ما فقد نشأت هذه الفكرة على هامش القومية الألمانية، ثم وصلت إلى الأسواق الثقافية النابضة بالحياة بين السكان اليديشيين.

وفيما يتعلق بالنزعة القومية لهذه الحركة، يرى ساند أنها على الرغم من تهميشها، إلا أنها كانت جزءاً من موجة الصحوة الوطنية الأخيرة في أوروبا، وتزامنت مع ظهور أيديولوجيات أخرى لبناء الهوية في القارة.

يعتقد شلومو ساند أن المؤسسين الأيديولوجيين للصهيونية ينتمون إلى الثقافة الألمانية بشكل أو بأخر. وبشكل عام، فإن النقطة الأساسية التي يطرحها شلومو ساند بشأن الصهيونية والدولة اليهودية هي الحديث عن ثقافة متميزة، وليس عن دين؛ وكانت هذه الثقافة هي التي مهدت الطريق لظهور القومية اليهودية، ومن ثم الصهيونية.

إن كتابة التاريخ الوطني من قبل المثقفين والممارسين للثقافة اليهودية (الصهيونية) لم تكن تهدف إلى اكتشاف الحضارات الماضية والبحث عن المكانة الأصلية لأتباع موسى (عليه السلام)، على حد تعبير شلومو ساند إن هدفها الرئيس حتى الآن هو بناء هوية متعالية وتعزيز الوضع الراهن سياسياً.

وفي هذا السياق، يقول إنه كلما ابتعدنا عن المعايير الدينية وركزنا على البحث في مختلف الأنشطة اليومية، اكتشفنا أنه لم يكن هناك قط جانب عرقي غير ديني مشترك بين المؤمنين اليهود في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

لقد كان المجتمع اليهودي في العالم دائمًا ثقافة دينية عظيمة. ورغم أنها كانت تتألف من عناصر مختلفة، إلا أنها لم تكن أمة غريبة أو نازحة. وخلاصة الأمر هي أنه "لم يحدث في التاريخ كله أن تطرد أمة أو عرق ملعون من الأرض المقدسة لقتلها المسيح ولستقر دون دعوة بين "أمم" أخرى.

من التحليلات المثيرة للاهتمام التي قدمها شلومو ساند للنهج القومي الصهيوني، والتي ذكرناها في الحلقة السابقة، استغلال الكراهية القديمة والاستياء لدى المسيحيين تجاه اليهود بسبب اتهامهم لقتل المسيح.

يقول ساند:

"كان من الممكن دمج اليهود المنبوذين في الهوية الجديدة في البلدان التي سادت فيها القومية المدنية والسياسية".

وفي هذا السياق، كان دستور الولايات المتحدة، والثورة الفرنسية، وقوانين بريطانيا العظمى، متقبلة تماماً لهذا الأمر. وبالنتيجة أصبح اليهود في هذه البلدان وغيرها جزءاً لا يتجزأ من الأمة.

وفي نفس البحث يذكر شلومو ساند أيضًا قضية دريفوس في عام 1894 ويصفها بأنها مثيرة للاهتمام وخلاصتها هي أن ضابطًا يهوديًا في الجيش الفرنسي اتُّهم بالتجسس لصالح ألمانيا وحكم عليه بالنفي، ولكن بعد سنوات ثبتت براءته.

يقول ساند في عرضه لهذا الحدث التاريخي إن أنصار الهوية القومية والإثنو-دينية (في أوروبا) لم يختفوا (بل عادوا للظهور بعد سنوات خلال الحقبة النازية، ولا يزال بعضهم موجوداً حتى يومنا هذا.

كان الصهاينة بحاجة إلى هذه الكراهية التي كانت موجودة في المجتمعات الأوروبية تجاه اليهود. يواصل ساند تحليله المثير للاهتمام، ليقول عن طبيعة الصهيونية وتراثها:

"اشتملت الصهيونية على سمات الشعبوية الألمانية، في حين حدّدت سمات القومية الرومانسية البولندية طابع الكثير من خطابها. لكن هذه السمات لم تكن مجرد تقليد".

ولتحقيق أهدافهم أضطر الصهاينة إلى محو السياقات العرقية القائمة، ونسيان تواريخ محددة، والعودة إلى ماضٍ أسطوري وديني قديم. وهكذا، وفي جولة واحدة، عدنا إلى مناقشة ضرورة تدوين مقاطع من الكتاب المقدس والتاريخ اليهودي المزيف.

كانت الصهيونية منذ البداية حركةً قوميةً عرقيةً مركزية، حيث بنت سدا منيعًا حول الشعب التاريخي الذي اخترعته، ومنعت دخول أي مدني طوعي إلى الأمة التي بدأ البرنامج الصهيوني في تصميمها.

تشكلت أسطورة نفي اليهود حول التقليد الذي كان لدى المسيحيين عن أتباع موسى (عليه السلام).

"إن المفهوم المسيحي القديم للنفي الأبدي لليهود" يشير إلى الاعتقاد المسيحي بشأن عقوبة قتل المسيح (عليه السلام). ويمكن أن نمر على المفهوم المتطور والموسع لهذا النقاش في الفصل الثالث من كتاب "اختراع الشعب اليهودي" المعنون بـ"اختراع المنفى: و تتهود كثير من شعوب الأرض ".

يقول ساند إن مفردات مثل الاقتلاع والنفي هي مفاهيم متأصلة في التقاليد اليهودية بكل أشكالها.

لقد نظرت اليهودية إلى الماضي من منظور النزوح والاقتلاع والعودة، وساعدت هذه الذاكرة الدينية الأدبية في تشكيل المشاعر الدينية اليهودية في العصور اللاحقة. في الفصل الثالث من كتابه، يخلص شلومو ساند إلى أن أسطورة الاقتلاع والنفي تطورت في التقاليد المسيحية، في وقت كان فيه الوعي التاريخي الوطني عبارة عن مجموعة ملونة من الأحداث غير المتجانسة والعناصر التقليدية.

من الوثائق والنصوص التاريخية عن تزوير حادثة النفي وعودة اليهود والتي يوردها ساند في كتابه ، وقد ذكرناها أيضاً في الحلقة السابقة، هي الإشارة إلى سبي سنة 70م حيث يقول: "لم يطرد الرومان جميع القبائل ".

لم تتبع الإمبراطورية الرومانية سياسة النفي الفعالة، السياسة التي مارستها الإمبراطوريتان الآشورية والبابلية في وقت لاحق. يرى هذا الباحث الإسرائيلي أن المصدر الوحيد للحديث عن المنفى هو مؤرخ ثورة الغيورين عام 66 م فلافيوس يوسيفوس،وهو يشير أيضا إلى المبالغة في روايته.

تحدث يوسيفوس عن مذبحة قتل فيها 1.1 مليون إنسان في القدس وأسر 97 ألفاً منهم، بينما يقول شلومو ساند إن التقدير الحذر يشير إلى أن القدس في ذلك الوقت ربما كان عدد سكانها يتراوح بين 60 ألفاً و70 ألف نسمة. وفي معرض إشارته إلى هذه النقطة، يشير ساند إلى الوثائق التاريخية الرومانية ويقول: "في الوثائق الرومانية العديدة، لا يوجد أي ذكر للنفي اليهودي في أي مكان".

بحسب هذا الأستاذ في التاريخ بجامعة تل أبيب، فإن أرض كنعان بأكملها كانت في القرن الثامن الميلادي تابعة لمملكة إسرائيل القوية ومملكة يهوذا الصغيرة. إن الدولة اليهودية القديمة والتاريخية لم تكن مملكة كبيرة ورائعة أبدًا.

من بين تلميحات ساند المهمة في كتاب "اختراع الشعب اليهودي": هو عندما يناقش إحصائيات فلافيوس جوزيفوس الخيالية حول عدد الوفيات أو المنفيين اليهود في عام 70 م: "يبدو دائمًا أنه يجب طرح صفر من الأرقام التي يستخدمها المؤرخون القدماء".

ولكن النقطة المهمة والجديرة بالملاحظة هي أن ساند عندما يسخر من رواية يوسيفوس التاريخية ويكتب عن عدم واقعيتها، فإنه يشير أيضاً إلى أن هذه الرواية غير الواقعية لا تحتوي على أي ذكر لإنكار نفي اليهود.

ومن أهم الملاحظات في هذا الصدد ما ذكره المؤرخ حاييم ميليفسكي حيث يرى أنه في القرنين الثاني والثالث الميلاديين كانت كلمة النفي galut) ) تستخدم بمعنى الخضوع السياسي وليس النفي، ولم يكن هذان المعنيان مرتبطين بالضرورة.

بناء على ذلك ، فمن الناحية المعجمية، من المحتمل أيضاً أن تكون كلمة "النفي" قد خضعت لتغيير في طبيعتها على مدى فترات تاريخية، وتم تحريفها من قبل الصهاينة في العقود الأخيرة. يعتقد شلومو ساند أن أسطورة النفي تم إبداعها أولاً من قبل المسيحيين وآمن بها اليهود لاحقا.

يقول شلومو ساند في الصفحة 213 من كتابه:

"لقد تبنى اليهود شيئا فشيئا أسطورة النفي باعتبارها أسطورة خاصة بهم وأدرجوها ضمن التقاليد اليهودية".

وقد جاء في هامش هذه الصفحة أن "هذه القضية مبنية على جهل بالتاريخ الناتج عن الأكاذيب العدائية لآباء الكنيسة المسيحية الذين أرادوا إظهار أن الله عاقب اليهود لصلبهم المسيح".

ومع انتصار المسيحية في أوائل القرن الرابع الميلادي، عندما أصبح الدين إمبراطورية، آمن اليهود المؤمنون في نقاط أخرى من العالم تدريجيا بمفهوم النفي باعتباره عقابا إلهيا.

ومنذ ذلك الحين، اكتسب مفهوم النفي معنى ميتافيزيقيا صريحا دخل ضمن التقاليد اليهودية، والذي تجاوز مفهوم النفي عن الوطن إلى حد كبير.

ولذلك فإننا نستطيع أن نشهد سياق التصديق لكذبة تاريخية حول تهجير اليهود وإبعادهم عن وطنهم. وكما سنرى في الصفحات التالية من هذا الكتاب، أن ساند يحدد هدف كل المصاعب والمعاناة الناجمة عن النفي والابتعاد عن الأرض المقدسة كان زيادة جماعة المؤمنين اليهود وتقويتهم.

من بين القضايا التي أثارت دهشة شلومو ساند في هذا الكتاب أن المؤرخين الصهاينة لم يتطرقوا إلى الحديث عن عملية الطرد بعد تدمير المعبد. ويستشهد ساند بالعديد من الأمثلة من أعمال المؤرخين، فيشير إلى إسحاق كوفمان وكتابه " منفى وأرض أجنبية".

وبحسب ساند، فإن كوفمان لديه الكثير ليقوله عن المنفى والأمة، لكنه لا يملك أي شيء عن النفي و الطرد. وأحيانًا يذكر كوفمان في هذا الكتاب بني إسرائيل الذين تم نفيهم وتشتيتهم من بلادهم، لكنه لا يذكر متى حدث هذا و كيف و لماذا و أين تم تشتيت بني إسرائيل.

حسنًا، أصدقائي، إذا كنتم تستمعون إلى هذا الجزء، فهذا يعني أنكم استمعتم إلى الحلقة السادسة من بودكاست "اختراع الشعب اليهودي"، حيث أشرنا إلى أن الصهيونية حاولت على مر السنين خلق هوية عرقية لليهود من خلال إجراءات مثل عبرنة اليهود، واختراع القومية الوهمية، وتزوير التاريخ، وما إلى ذلك.

ومن بين هذه الحالات أسطورة نفي اليهود وطردهم من الأرض المقدسة، التي يشير إليها شلومو ساند أنها في الأساس، مفهوم من ابتكارالمسيحيين، وقد آمن بها اليهود لاحقا، ثم تبنوها بالتدريج كصفة خاصة بهم وأدرجوها في التقاليد اليهودية.

لكن هذه القضية مبنية على الجهل بالتاريخ الناتج عن الأكاذيب العدائية التي ساقها آباء الكنيسة المسيحية الذين أرادوا أن يظهروا أن الله عاقب اليهود لصلبهم المسيح.

أصدقائي، نأمل أن تكونوا قد استمتعتم بهذه الحلقة.

سنعود إليكم وسنتحدث أكثر عن كيفية اختراع الشعب اليهودي.

شكرا جزيلا على دعمكم.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة