شفاء .. رقية

الأحد 13 يناير 2019 - 12:46 بتوقيت طهران

الحلقة 33

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرون وكثيرون جداً الذين فازوا ويفوزون في الشعائر الحسينية بالشفاء من امراض عجز الأطباء الحاذقين. وكثير منهم فازوا بالشفاء وهم في حالة غفلة عن امراضهم، اذ اعتصرت ارواحهم نظراتهم القلبية الى مصائب اهل بيت النبوة (صلوات الله عليهم) فأنستهم امراضهم والتفكير فيها، فامتدت اليهم - وهم في اوج التعبير عن مشاعر المواساة لنبيهم وائمتهم- ايدي الرأفة الالهية وعافتهم من الأمراض التي نسوها ونسوا آذاها في لحظات بكاء المواساة.
القصة التي اخترناها لهذا اللقاء اعزاءنا نشرت اصلها مجلة زائر الايرانية ‌في عددها الثامن الصادر في تشرين الثاني سنة ۱۹۹٤ وسلام على شهيدة الحقد اليزيدي، رقية بنت الحسين (عليهما السلام) عنوان قصة هذا اللقاء هو:

شفاء... رقية


الليل شامل... وأفراد الأسرة نائمون بعد معاناة كدح النهار.
وليالي الصيف الرائقة في «تبريز» تضيف الى النوم مزيداً من الراحة والهناء.
ربما كانت أسرة «الناصري» الكادحة تقدر اكثر من غيرها قدر هذه اللحظات وتعرف قيمة نعمة النوم. الصمت هو السائد... يسمح فيه حس كل حركة او نأمة صوت، حتى لو كانت آتية من بعيد.
نوم... وصمت. وفجأةً انبعثت من «رقية» صرخة مفزعة طيرت النوم من عيون افراد الأسرة، وحتى من عيون الجيران! أضيء مصباح الغرفة، وراح سكنة البيت يثبون من فرشهم.
رقية الشابة قاعدة على فراشها بعيون يبرق فيها الرعب. وما هي الا لحظات حتى أغمي عليها. اخذت تتلوى، والزبد طافح على شفتيها. شعر افراد الأسرة بالخيبة والاندحار، وهم يتحلقون حول رقية وينظرون اليها بفزع واشفاق. انها كارثة مباغتة قد نزلت منهم على الرأس!
فعلوا كل ما يقدرون على فعله: انفقوا ما كان لديهم من أجل شفاء رقية.
اقترضوا من هنا وهناك. باعوا ما يمكن بيعه من محتويات البيت. حملوها الى العديد من الاطباء المتخصصين بالأعصاب والأمراض النفسية. اما وضعها فكان يزداد تردياً يوماً بعد يوم. صارت هذه النوبات تعتريها ثماني مرات في اليوم. كلهم كانوا يرمقون وجه رقية بالقلق والحزن والتأسف العميق، ولا يملكون الا ان يهزوا رؤوسهم او يضربوا كفاً بكف. وبتوجيه من هذا او تلك... اخذوا البنية الى «كاتب للأحراز» كان يقيم في داخل أزقة ضيقة ملتوية، لكن التحسن كان بعيد المنال!
البنت تذوي امام عيون اعزائها، وكانت اسرتها في مأتم مستمر. ان كدح الأهل في تنشئة ابنتهم قد وصل بها الى هذه السن التي تتهيأ فيها للزواج وتكوين الأسرة وبلوغ الآمال... فاذا بها تهوي فجأةً الى هذا المصير! ما الذي ينبغي عمله؟! يا الهي.. ما هذا البلاء الذي لطمنا على الوجه؟!
الأقارب والجيران.. كل يقدم تفسيراً للواقعة: بعضهم يرى ان البنت مصابة بالعين، وغيرهم يقول انها قد تلبس بها الجن. ولم يكن للأسرة من ملجاً غير التوسل الى الله، والدعاء الباكي بدموع تنضح من القلب.
كانت نظرات رقية نظرات جنونيةً معتمة. تحملق هنا وهناك، وتحدق تحديقاً مخيفاً! كلما ارادت ان تنام كأنما كان يتحدث معها، قبل نومها، اشخاص يسكنون في عالم الخفاء، فيضج رأسها بكلام مختلط غريب! في كل لحظة يتجسد امام عينيها شكل ما او شخص تعرفه هي! وفي الواقع كانت رقية اعجز من تحمل هذا العبء المخيف. يستبد بها الغضب والعجز وتتكسر الكلمات في حنجرتها وتتحول الى رغوة تطفح من فمها. تتقبض اطرافها، وتصاب بالارتعاش، ثم تقع مغمي عليها. تنقلب رقية من صبية لطيفة مرحة الى بنت مبتئسة صفراء الوجه قد صرعها الجنون.
ولا شك ان يرق لها من يعرفها ويشفق عليها، ويعجب لهذا الانقلاب المباغت الذي نزل بها.
فيلجاً الى الهمس بالاستغفار: اللهم... اعف عنا!
يمر شهر المحرم وبمراسيم عزاء الامام ابي عبد الله الحسين (عليه السلام).. وبهموم رقية ايضاً. كان ابواها يبكيان على «رقية» بنت الامام الحسين (عليه السلام)، وعلى سميتها رقية ابنتهما. شاركا في المأتم يلدمان الصدر. وفي ليالي المحرم تضرعا الى الله لشفائها متوسلين بحرمة دم الحسين (عليه السلام). وفي يوم اربعين امامهما الشهيد.. رفعا اكفهما ايضاً، بمنتهي الفقر والمسكنة، طلباً لعافية ابنتهما المريضة.
وجاءت أواخر ايام شهر صفر... حيث ذكرى رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله).
كانت مواكب العزاء تمضي من تبريز تلقاء مشهد الرضا (عليه السلام) للمشاركة في مراسيم هذه الفاجعة الكبيرة. وكانت اسرة رقية - ومعها رقية- في ضمن الموكب الذي قصد مشهد الامام الرضا (عليه السلام).
كان الزائرون والمجاورون في داخل الحرم... في الصحون والأروقة، وفي داخل الروضة ايضاً.
انه يوم مناسبة رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) واستشهاد سبطه الامام الحسن (عليه السلام).
المواكب المتعاقبة تقيم هنا في الصحن مراسيم العزاء.
مواكب لدم الصدور، ومواكب السلاسل الصغيرة تضرب على الظهر... في ايقاع جليل مفعم بالأسي والحزن.
والشعر الذي ينشده الراثون يتألق في الجو حزناً روحانياً شفيفاً.
الموكب الذي رافقته الأسرة من تبريز يواصل مراسيم الفاجعة ضرب السلاسل بحرارة وأسىً عميق يتغلغل ايقاعه الى كل خلية في الجسم ويغور في اقاصي الروح. كان الحاضرون قد تجمهروا حول الموكب وهم مأخوذون بهذا الاخلاص والوجد والحزن المتجلي في الأجواء.
كانت رقية ومعها النساء الأخريات يشهدن هذا المشهد المليء بالجلال الآسر. رقية تتطلع الى ما يجري.
يشتد بها الوجد، وتحملها احزان اهل البيت الى عالم في العلاء.
رقية تحسس ان قدميها لا تحملانها. تتهاوى... في اغماء.
تهتاج النسوة اللائي احطن بها. تحملها النسوة، مغطاة بعباءتها، ويضعنها في وسط موكب ضرب السلاسل.
تنبه رجال الموكب التبريزي الى حالة رقية... المريضة الممددة في بؤس وسط المكان. ازدادت حماسة الرجال وهم يضربون على الظهور. اشتد ايقاع الطبل، وتعالى صوت الصناجة.
من عمق قلوبهم المحترقة كان الرجال يضربون.
السلاسل الصغيرة تتصاعد في أيدي الرجال الى الأعلى... ثم تهوي في ايقاع واحد، كأنها حمائم تعلو وتهبط.
تتعالى مع هبوطها اصوات الرجال: يا حسين!
تضرعاً لشفاء رقية.
انهم حزانى قادمون من مسافات بعيدة... يريدون ليعبروا عن اساهم لرحيل النبي (صلى الله عليه وآله).
اولم يكن النبي طبيب الامم الدوار بطبه... والذي يقطر من اصابع كفه الطاهرة الهدى والشفاء لكل العالمين؟! أيمكن لهم ان يعودوا من عتبة ابن النبي - هذه القدسية المباركة- خائبين؟! ان صيحات «يا محمد... يا حسن.... يا حسين» بلسم لضنى القلوب المكلومة، وعافية لكل الجروح والأسقام.
رجال الموكب لا يفتأون يذكرون بنبرة منتظمة مجلجلة ذكر «يا حسين»، وهم يدورون حول رقية المطروحة وسط موكبهم على الأرض: «يا حسين.. يا حسين».
أما رقية فكانت في عالمها كوليد يولد في هذه اللحظة.
انسربت على مهل من عالم الغشية الى الالهام. انها الآن على مشارف الغيب الذي يقطر عذوبةً وصفاء. انها الآن امام رجل فارع الطول، يعتمر عمامةً خضراء بلون الحب. ومحياه الوضيء.. كأنه شمس رائقة متألقة بالنور والبهاء. أحست أن الرجل البهي سلطان من الغيب قادر في غاية القدرة، رؤوف في غاية الرأفة.
دنا منها رجل الغيب الالهي. وضع يده على رأسها.
خاطبها بحنان غامر: قومي يا ابنتي.
فقامت رقية. رقية واقفةً الآن على‌ قدميها بمرأى من الذين يدورون من حولها! غرقت مآقيهم بالدموع. اشتدوا في ضرب السلاسل وقرع الصناجات والطبول، وتصاعدت هتافاتهم برفيع الأصوات: يا حسين... يا حسين...
ورقية كالمذهولة تبكي.. وتبكي. لقد فازت في لحظة بأعز ما كانت تحلم به وتتمناه، وقد امتلأت كينونتها بهتاف سماوي كأنه قادم من أغوار الأبدية: يا حسين... يا حسين!

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم