فضة جارية الزهراء عليها السلام والرباب زوجة الحسين عليه السلام

الأربعاء 18 سبتمبر 2019 - 12:22 بتوقيت طهران

السلام عليكم أيها الإخوة والأخوات ورحمة الله. على بركة الله نلتقيكم أيها الأكارم في الحلقة العشرين من هذا البرنامج ونحن نحييكم في مطلعها بتحية الإيمان والسلام؛ السلام عليكم ورحمة الله.
في حلقة اليوم نتابع رحلتنا المعنوية مع ركب الأسارى المحمديين وهم يغادرون دمشق في طريق عودتهم الى المدينة، وقد أجبرت ملاحمهم الخالدة وخطبهم – عليهم السلام – في دمشق الى إجبار الطاغية يزيد على الإسراع في إخراجهم من دمشق وإرحاعهم الى المدينة بعد افتضاح عظمة الجنايات التي ارتكبها بحق أهل البيت النبوي – عليهم أفضل الصلاة والسلام -.
فستكون لنا في هذا اللقاء وقفة قصيرة في رحاب شهيدة السبي أمة الله الصالحة فضة جارية الزهراء – عليها السلام –.
ثم إشارة الى إثنين من شهداء السبي من آل الحسين – عليه السلام – إستشهدا في طريق العودة في منزل المدائن. ووقفة في رحاب شهيدة السبي زوج الحسين الوفية وأم رضيعه الشهيد مولاتنا السيدة الرباب بنت أمرئ القيس عليها سلام الله.
مستمعينا الأفاضل، نص المؤرخون والرحالة على أن قبر السيدة الجليلة فضة النبوية خادمة الصديقة الزهراء – عليها السلام – يقع في مقبرة الباب الصغير في دمشق بالقرب من قبر بلال الحبشي وقبور عدة لنساء من أهل البيت – عليهم السلام – .
۲ وهذا ما صرح به الرحالة الشهير أبو الحسن علي بن أبي بكر الهروي في كتاب الإشارات في معرفة الزيارات، وغيره من الرحالة والمؤرخين الذين أورد أسماءهم الباحث الباكستاني المتتبع الشيخ محمد حسين السابقي في كتابه المطبوع باللغة الأردية تحت عنوان (السيدة فضة) وكذلك في كتابه المطبوع بالعربية عن مرقد السيدة زينب – عليها السلام –.
۱: وقد صرح الشيخ محمد صادق الكرباسي في الجزء الثالث من موسوعة دائرة المعارف الحسينية باتفاق المؤرخين على أن قبر السيدة فضة – سلام الله عليه – هو المعروف بمقبرة الباب الصغير في دمشق ولم يذكروا لها قبراً غيره.
والى جانب ذلك فقد ثبت حضورها – عليها السلام – واقعة عاشوراء وملازمتها مولاتها ومولاتنا الحوراء زينب الكبرى في مسيرة السبي الى الشام، كما أشار لذلك الأستاذ أيوب الحائري في كتابه (بلاد الشام أرض المقدسات).
بل وقد نقل ثقة الإسلام الكليني في الجزء الثامن من كتابه (الكافي) والمعروف بإسم (روضة الكافي)، الرواية المعتبرة المفصلة التي تبين دور السيدة فضة في حفظ أجساد شهداء كربلاء من تمر عليها وتمحو آثارها بالكامل خيول عساكر البغي الأموي في اليوم الحادي عشر من المحرم وحوارها مع الحوراء زينب الكبرى – عليها السلام – بهذا الخصوص، وهي رواية تشتمل على الكرامة الإلهية المشهورة التي حفظ الله فيها أجساد الشهداء وسيدهم الحسين – عليه وعليهم السلام – في واقعة إستقدام الأسد الشهيرة.
وقد خلد الوجدان الإيماني الشعبي دور سيدتنا الولائية الزكية فضة في هذه الكرامة بأن سمّى المقام الذي أقيم منذ زمن طويل في موضع ظهور هذه الكرامة بمقام السيدة فضة خادمة الزهراء – عليها السلام – وهو مقام مشهور في أحد الأزقة المتفرعة عن شارع العباس – عليه السلام – في كربلاء يزوروه المؤمنون ويصلون لله فيه صلاة الشكر على إظهار هذه الكرامة.
ومع ثبوت حضور هذه الأمة الصالحة واقعة كربلاء ومرافقتها ركب السبايا الفاطميات – عليهن السلام – يترجح بقوة استشهادها في الشام قبل خروج السبايا منها في طريق العودة الى المدينة المنورة، وهذا ما يعضده عدم ذكر المؤرخين لأي خبر عن عودتها للشام بعد محنة السبي.
وبذلك تكون هذه الأمة الولائية الصالحة من شهداء قضت نحبها بسبب الجراحات التي أصيبت بها يوم عاشوراء خلال الهجوم على الخيام الحسينية بعد مصرع سيد الشهداء ثم جراحات رحلة السبي المفجعة وما اشتملت عليه من سرعة سوق السبايا وهن على الأقتاب المؤذية دون غطاء ولا وطاء موثقات بالأصفاد.
ولا ريب أن تحمل كل هذه الجراحات أمر شاق لهذه السيدة الجليلة التي كانت يومذاك في عقدها الثامن أي في سن الشيخوخة وهذا شاهد آخر يرجح إستشهادها – سلام الله عليها – قبل عودة ركب السبايا الى كربلاء المقدسة ثم المدينة المنورة.
أيها الإخوة والأخوات، ضمن حديثه عن مزارات مدينة المدائن الشهيرة قال الرحالة الهروي في كتاب (الإشارات): (وبها.. إيوان كسرى فيه كف علي بن أبي طالب... ومشهد الصبيان أحمد والقاسم أولاد الحسين رضي الله عنه).
وهذا النص يرجع الى القرن الهجري السابع لأن وفاة أبي الحسن الهروي كانت سنة ٦۱۱ للهجرة، والمشهد كان معروفاً بهذه النسبة الى أولاد الحسين – عليهم السلام – منذ يومذاك، وقد ذكره ياقوت الحموي في معجم الأدباء عند ترجمته للنقيب الطاهر والعالم الأديب السيد أبي الغنائم أحمد نقيب نقباء الطالبيين الذي توفي ببغداد سنة ٥٦۹ للهجرة كوديعة ثم نقل – بوصية منه – الى المدائن ليدفن في مشهد أولاد الحسين – عليه السلام – فيها.
وهذا يشير الى أهمية هذا المهشد المقدس ومعروفيته منذ ذلك العصر أي القرن الهجري السادس؛ وبملاحظة وصف السائح الهروي بأنه لصبيان من ولد الحسين – عليه السلام – وكذلك بملاحظة أن مدينة (المدائن) تقع على طريق عودة ركب السبايا الى كربلاء فهي أهم حاضرة في الطريق المعروف بطريق (بني عقيل)؛ من هنا يترجح أن أن هذين الصبيين هما – عليهما السلام – من شهداء السبي قضيا نحبهما بسبب تراكم جراحات السبي في طريق العودة.
ولعل مما يقوي هذا الإحتمال ذكر كثير من كتب الأنساب لولد للإمام الحسين – عليه السلام – إسمه محمد حضر واقعة كربلاء؛ فلعله هو أحد صاحبي هذا المشهد فيما يكون الثاني ولد آخر للحسين أو لشهيد آخر نسب للحسين – عليه السلام – بسبب عدم التعرف الى هويته نتيجة شدة التكتم السلطوي على أخبار شهداء السبي عليهم السلام.
وعلى أي فإن النص المتقدم يفتح الباب أمام خدمة الحسين وقيم قيامه المقدس – عليهم السلام – للمزيد من التحقيق بشأن هذا المشهد المبارك وصاحبيه لجميل آثار ذلك في حفظ منارات القيام الحسيني ومنها مشاهد شهداء السبي.
المزيد من التوضيح لهذه الحقيقة نستمع له من أخينا الحاج عباس باقري في الدقائق التالية:
باقري: بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم أيها الأطائب ورحمة الله وبركاته. مما لاشك فيه أن قضية السبايا وقضية رحلة السبايا وملاحم السبايا تشكل في الواقع ركناً أساسياً في القيام الحسيني المقدس فكما أن الله تبارك وتعالى شاء أن يرى الحسين قتيلاً لحكمة في تدبير شؤون عباده كذلك شاء الله أن يراهن سبايا، هذا ما صرحت به النصوص الشريفة. حديث الامام الحسين لأخيه محمد بن الحنفية المروي في كتاب اللهوف او الملهوف للسيد إبن طاووس رضوان الله عليه تصريح واضح بذلك. لذلك من الطبيعي أن تكون هنالك هجمة شديدة للتكتم على اخبار ملحمة السبي بصورة مؤكدة وبصورة خاصة وهذا الأمر تقدم الحديث عنه مراراً في حلقات هذا البرنامج لذلك من ذكر في هذا البرنامج من شهداء السبي على كثرتهم ربما لايكون العدد الحقيقي بل أن شهداء السبي أكثر وأن عملية البحث عن هذا الأمر ينبغي أن تستمر وهي عملية ضرورية بإعتبار أن الإهتمام بمشاهد شهداء السبي هو تطبيق وإستجابة للحكمة الإلهية من هذا الأمر، لماذا؟ لأن مشاهد شهداء السبي سلام الله عليهم هي منارات القيام الحسيني المقدس في جميع تفصيلاته، تحمل قيم المظلومية، قيم إستهداف أعداء الله تبارك وتعالى لأهل بيت النبوة فهي ترسخ الولاء لأهل بيت النبوة، للإسلام المحمدي النقي والأصيل، ترسخ روح العزة والكرامة التي جسدها سيد الشهداء سلام الله عليه بقيامه المقدس وقيامه أساساً منطلق من هيهات من الذلة، رفض الذلة ورفض جميع أشكال الخضوع للظالمين رغم جميع الصعوبات. هذا الأمر في الواقع تشتمل عليه خطبة الصديقة الصغرى زينب الكبرى سلام الله عليها في قصر يزيد، يعني عندما تحيا مشاهد شهداء السبي ويتحدث عنهم وتذكر مظلومتهم في الواقع هو تصديق لما قالته السيدة زينب سلام الله عليها وهي تخاطب يزيد "فكد كيدك وناصب جهدك فو الله لاتمحو ذكرنا" هذه هي من منارات الذكر الإلهي الحق، منارات الاسلام المحمدي الحق "ولاتميت وحينا" في الحقيقة هذه هي المنطلقات الأساسية لطواغيت بني امية وجذورهم وأتباعهم ومن سرى على منهجهم بصور مختلفة سواء طواغيت بني العباس او غيرهم الى يومنا هذا. الهدف الأساسي من ذلك وكل ذلك هو إمحاء الاسلام المحمدي النقي، في البداية حاولوا قطع اسم النبي الأكرم ومحوه بالكامل "ألا هدماً هدماً" يعني معاوية في الرواية المشهورة أراد أن يقطع اسم النبي صلى الله عليه وآله من الأذان، يوم عاشوراء أرادوا الإجهاز على جميع أهل البيت سلام الله عليهم وأن لايبقوا لأهل البيت باقية، عجزوا عن ذلك. عندما عجزوا عن ذلك بدأت محاولات التحريف للاسلام المحمدي النقي. مما يبقي وحي الاسلام المحمدي ويبقي ذكر أهل بيت النبوة سلام الله عليهم وبأقوى صورة تشتمل على الموالاة والولاية والبراءة من أعداء الله في آن واحد هي مشاهد شهداء السبي والتعرف على ما جرى عليهم ففي ذلك منطلق أساسي للولاء الحق من جهة وللبراءة ممن سبب لهم هذه المآسي وسعى الى إبادتهم وقطع وحيهم. 
نشكر أخانا الحاج عباس باقري على هذه التوضيحات وننتقل للحديث عن شهيدة جليلة من شهداء السبي يكفينا في بيان سمو مقامها حب الإمام المعصوم لها، وهو حب يشير الى تحليها بمراتب سامية من الفضل والقرب من الله تبارك وتعالى.
إنها مولاتنا السيدة الرباب بنت أمرئ القيس زوجة الإمام الحسين التي قال – عليه السلام – فيها وفي إبنتها زوجة القاسم بن الحسن العروس الأسيرة والمستغرقة في الله السيدة سكينة بنت الحسين – عليهم جميعاً سلام الله -:

لعمرك إنني أحب داراً

تحل بها سكينة والرباب


وقد نص المؤرخون بل وأجمعوا على حضورها واقعة كربلاء وتحملها لجراحاتها ومنها مصرع وليدها الرضيع الظامئ عبدالله بن الحسين – عليهما السلام – فقد ذبحه سهم حرملة وهي تنظر إليه كما صرح بذلك العلامة السماوي في كتاب (إبصار العين في أنصار الحسين).
واتفق المؤرخون على أخذها أسيرة مع العيالات الحسينية وكان لها موقفاً من الطاغية من إبن زياد عندما أخذ لعنة الله بنكث رأس الحسين – عليه السلام – وكسر ثناياه وإهانته، فقد قامت – عليه السلام – متحدية الطاغية فأخذت الرأس المقدس فوضعته في حجرها وقبلته وقالت:

واحسيناً فلا نسيت حسيناً

أقصدته أسنة الأعداء

غادروه بكربلاء صريعاً

لا سقى الله جانبي كربلاء


وفي البيت الثاني تحد شديد لإبن زياد وطاغيته يزيد حيث دعت عليهما بنزول العذاب الإلهي، إذ أن معنى جانبي كربلاء من فيها من أشياع آل أبي سفيان وقتلة الحسين – عليه السلام – في الكوفة والشام.
وكان من مواقفها – سلام الله عليها – ردها العنيف لمن خطبها من أشراف قريش بعد إستشهاد الحسين – عليه السلام – وفي بعض الروايات أن أول من خطبها يزيد نفسها، فقالت من قصيدة ترثي به الحسين – عليه السلام -:

قد كنت لي جبلاً صعباً ألوذ به

وكنت تصحبنا بالرحم والدين

والله لا أبتغي صهراً بصهركم

حتى أغيب بين الرمل والطين


وبقيت سلام الله عليها سنة بعد استشهاد الحسين – عليه السلام – تقيم مآتمه وتأبى أن يظلها سقف حتى ماتت أسفاً عليه – كما نص على ذلك المؤرخون – كإبن الأثير وابن كثير وابن الجوزي وغيرهم، لتكون أول شهداء ركب السبايا بعد عودتهم من زيارة الأربعين.
قال أحد أدباء الولاء في رثاء هذه الشهيدة الوفية والمظلومة من شهداء السبي:

جراحات وسبي واكتئاب

تلقتها بمحنتها الرباب

فجرح للرضيع أتاه سهم

يمزق نحره وبه تصاب

رضيع عن ظما سالت دماه

وقلب الأم منصدع مذاب

وصوت السبط يعلو مستغيثاً

فلا غوث أتاه ولا جواب

وجرح للحسين وقد رأته

وفيض النحر للمولى خضاب

وجسم العز قد أمسى سليباً

تقطعه الأسنة والحراب

رأت رأس الحبيب على قناة

علاه لأجل ضيعتها اكتئاب

فقد كان المعز لها حماه

وصدر صار ملحفه التراب

على الدنيا العفا قالت وأهوت

تلوذ به وقد جل المصاب

تودعه الخفيرة وهي تسبى

وسائقها الأراذل والذئاب

وجرح ثم جرح في سباها

ونَوح ثم نَوح والتهاب

على الأقتاب تنذب في اشتياق

لمولى بعده الدنيا عذاب

غدت بعد الحسين بلا غطاء

فلا سقف يظل ولا سحاب

ولا عين يروق لها منام

ولا أُكُلٌ يطيب ولا شراب

فتدعو ربها والدمع يجري

دعاءً لم يخالِطْه عتاب

دعاءً للحاق بخير حامٍ

دعاها والدعا منها يجاب

لأزكى الفتح في لقيا حبيب

سما طهراً وقد شهد الكتاب

مضت زوج الحبيب الى لقاه

لداع للشهادة، والخطاب:

لعمرك إنني لأحب داراً

تحل بها سكينة والرباب


ختاماً تقبلوا منا أيها الأكارم جميل الشكر على طيب متابعتكم للحلقة العشرين من برنامج شهداء السبي قدمناها لكم من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران.. دمتم في أمان الله.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم