ماذا أعطينا للحسين عليه السلام؟!

الأحد 6 سبتمبر 2020 - 17:08 بتوقيت طهران
ماذا أعطينا للحسين عليه السلام؟!

في كلّ موسم من مواسم عاشوراء، لا بدّ للإنسان في بدايته ونهايته من أن يقف وقفة تأمُّل مع النفس، ليحاول أن يستعيد حالته في عاشوراء الماضية، في فكره فيما يشتمل عليه من أفكار، وفي قلبه فيما يخفق به من عواطف، وفي علاقاته بالنّاس، وفي مواقفه أمام الأحداث وأمام التحدّي.

 

 

كيف كنّا في العام الماضي؟ وكيف نحن الآن؟ هل تغيَّر شيء فينا خلال الذّكرى؟ هل استطعنا أن نقترب من الحسين (ع) في معنى إمامته التي تمثّل القيادة الإسلاميّة الشرعيّة الأصيلة؟ أو أنّنا لا نزال "نخوض مع الخائضين"، وننطلق مع التيّارات التي تفرض نفسها على مجتمعنا، سواء كانت هذه التيّارات تيّاراتٍ اجتماعيّة فيما يعيشه المجتمع من عادات وتقاليد، أو تياراتٍ سياسية أو أخلاقية وما إلى ذلك.

 

محاسبة النّفس أوّلاً

 

لا بدَّ للإنسان أن يحاسب نفسه حتّى لا يكون عمره عمراً غبيّاً، وحتّى لا تكون سنته سنة ضائعة، لأنَّ كلّ سنة من سني حياتنا هي جزء من عمرنا، والله سيسألك عن كلّ أيّام هذه السنة ولياليها، عمّا عملته فيها، وعما أنتجته، وعمّا أسلفت من خير أو شرّ.. فإذا رأيت فيها حسناً استزدت الله منه، وإذا رأيت شرّاً فيها استغفرت الله منه، حتّى تكون داعياً لحركتك، وهذا ما يعبّر عنه القرآن الكريم بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ}[الحشر: 18].

 

والمسألة ليست هي في نهاية العمر، بل أن ندرس في كلّ سنة من سنيك، بل في كلّ يوم من أيّامك، ماذا قدَّمت لغدك، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً}[آل عمران: 30]. ثمّ بعد أن تعرف رصيدك وما قدّمته، وتعرف كلّ النتائج، اتَّقِ الله من جديد فيما بقي من عمرك، وفيما تقدّمه في مستقبل عمرك. فهناك تقوى ترصد الماضي، وهناك تقوى تحرّك الحاضر نحو المستقبل. وهكذا نجد في الحديث: "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا".

 

ولعلَّ هذا هو الذي يجعلنا نكتشف أمراضنا الفكريّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة، حتّى لا يتجذَّر المرض في داخلنا، فلا ينفع العلاج.

 

ماذا أعطينا الحسين (ع)؟!

 

لذلك، ونحن ننظر إلى عاشوراء الماضية حتّى الآن، علينا أن نفكِّر كيف كان إخلاصنا للإسلام الذي ضحَّى الإمام الحسين (ع) في سبيله؟ هل انفتحنا على قضايا الإسلام في العالَم؟ هل انفتحنا على قضايا الإسلام في بلد كلّ واحدٍ منّا؟ هل درسنا مع أنفسنا ما هي ثقافتنا الإسلاميّة؟ ما هو وعينا للإسلام؟ هل يكفي في الإنسان المسلم أن ينتمي إلى الإسلام ويشهد الشّهادتين، دون أن يعرف ماذا في الإسلام من عقائد ومن مفاهيم وشرائع ومناهج للحياة؟

 

ما الذي أعطيته للحسين (ع) من نفسك؟ إنَّ الحسين (ع) عندما انطلق، أراد من الناس أن يعطوه، لا عطاءً لنفسه، لأنّه لم يتحرَّك لنفسه، ولكن أن يعطوه عطاءً لرسالته، ولقضيّته في الإصلاح في أُمَّة جدّه (ص)، وللمعروف الذي يُراد إقامته، والمنكر الذي يُراد هدمه.

 

قد نقول: لقد أعطيناه دموعنا، أو أعطيناه ـ كما يقول من يضرب رأسه بالسّيف ـ أعطيناه دماءنا، وأعطيناه آلام ظهورنا وصدورنا، عندما لطمنا وضربنا ظهرنا بالسّلاسل.. هل هذا ما يطلبه الحسين (ع) منّا؟ هل إنّ الحسين (ع) ثار من أجل أن نبكي عليه؟ البكاء نتيجة المأساة، وليس هدف المأساة. نحن نقول إنَّ البكاء عاطفةٌ إنسانيّةٌ، وهو دليل رقّة القلب والمحبّة، لكنّها تنطلق من خلال إحساسك بفظاعة المأساة، وليست هدف القضيّة ولا الأساس فيها.

 

حتّى إنّ أهل البيت (ع) عندما أرادوا لنا أن نركّز الحزن في مجالسنا في عاشوراء، لم يريدوا ذلك ليعتبروا البكاء هدفاً والحزن هدفاً، ولكن باعتبار أنّ البكاء يفتح قلبك على المأساة، وإذا انفتح قلبك عليها، انفتح عقلك على القضيّة، لتعرف أنَّ القضيّة الكبرى هي التي جعلت الإمام الحسين (ع) يدخل في قلب المأساة، ويضحّي تلك التضحية.

 

هذا العطاء الذي نعطيه للإمام الحسين (ع)، ليس له علاقة بالهدف الذي استهدفه الإمام الحسين (ع)، وإنْ كانت نتائجه طيّبة، من خلال أنّه يزيدنا ارتباطاً بالإمام الحسين (ع). لكنَّ الإمام الحسين (ع) لا يريدنا أن نرتبط بشخصه، بل يريدنا أن نرتبط برسالته، ونحن عندما ننفتح على الحسين الشّخص، فلأنه يجسّد الرّسالة، لأنَّ الإمام الحسين (ع) معصومٌ أذهب الله عنه الرّجس وطهّره تطهيراً، فكان القرآن الناطق، فهو رسالة تتجسَّد، كما أنّ الرّسالة تمثّل حركةً في خطّه.

 

مسؤوليّتنا تجاه الإسلام

 

ماذا أعطينا من أنفسنا للحسين الرّسالة؟ ونحن لا نريد أن نبكي على الرّسالة لنقول: لقد مات الإسلام، ونبكي ونقول: لقد ضعف الإسلام، ونبكي حتّى نكون مجتمع البكاء الذي يبكي أمام أيّ حالة ضعف ليزيد نفسه ضعفاً..

 

بعض الناس عندما تسمع أحاديثهم عن المشاكل التي يعيشها الإسلام والمسلمون، فإنّك تجد أنّهم يتحدّثون بطريقة بكائيّة، كما لو كانوا لا يريدون أن يتقدَّموا بقوّة في سبيل أن يقوّوا هذا الضّعف، أو يزيدوا نقاط القوّة في حياتهم، حتّى إنّني أعتبر أنَّ القصائد التي تستنهض الإمام الحجّة (عج) لأنَّ الدين مات وضعف، هذه قصائد لا توحي بأسلوب يحترم نفسه، لأنّه صحيح أنَّنا ننتظره (عج) ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظُلْماً وجوراً، ولكنّنا قبل ظهوره مسؤولون أن نعمل، مسؤولون إذا ضعف الإسلام أن نقوّيه، ومسؤولون إذا انهزم الواقع الإسلامي أن نحوّله إلى نصر، وأن نحمي الشّريعة. وإذا كانت الشريعة في بعدها الواسع تنتظره، فليس معنى ذلك أن نجلس في بيوتنا، ونسهر على القصص الطّويلة أو القصيرة، وننتظر متى يأتي الفرج في نهاية العالم.. فيجب أن نعمل أن يأتي الفرج القليل منّا "كلُّكُم راعٍ وكُلُّكم مسؤولٌ عن رعِيَّته"، {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}[آل عمران: 104]، والله لم يقل هذه الآية لآخر الزمان، بل في كلّ جيل وفي كلّ مكان.

 

ولنتحملْ مسؤوليّتنا الإسلاميّة في كلّ مواقعنا.. مَن منّا جلس مع أهل بيته وأولاده ودعاهم إلى الله؟ إنَّ أولادنا ينشأون تماماً كما ينشأ الفطر في الصّحراء، قد نكون قد علَّمناهم الصلاة والصوم، ولكنّنا لا نعلِّمهم كيف تتحرّك الصّلاة لتكون ناهية عن الفحشاء والمنكر، لأنَّنا لم نتعلَّم ذلك، وكيف يتحرّك الصّوم ليكون وسيلة للتقوى، وكيف يتحرَّك الحجّ من أجل أن يجعل الإنسان أقرب إلى الله.

 

الإصلاح مهمّة الجميع

 

والإصلاح ليس مهمّة العلماء فقط، فلكلّ واحدٍ منّا إمكانات يمكن أن يحرّكها، وعلى كلّ واحد أن ينمّي إمكاناته؛ والعلماء عندما انطلقوا إلى الحياة، كانت لديهم قابليّات، فحاولوا أن ينمّوها، ثمّ انطلقوا، وهكذا في المهن والقضايا الاجتماعيّة وما إلى ذلك.

 

لذلك، نحن نستطيع أن نتعلَّم، وأن نُصلِح، وأن نتحرَّك في كلّ حياتنا على أساس المسؤوليّة في التوعية الفكرية والاجتماعية والسياسية؛ بأن نشعر في أيّ بلد من بلداننا بأنَّ علينا أن نعمل من أجل أن يعي الناس مشاكلهم، لأنَّ بعض الناس لا يشعرون بوجود المشكلة، كالكثيرين الذين لا يشعرون بوجود المرض في أجسادهم حتّى يستفحل فيهم. علينا أن نفهم مشاكلنا في كلّ بلد من بلداننا، وأن نعرف قضايانا العامّة، إضافةً إلى القضايا الخاصّة، ومن الذي خلق لنا المشاكل، وكيف نستطيع أن نعالجها؟

 

ليست المسألة أنّني أدعو الناس إلى أن يتحرَّكوا بالعنف، فإنَّ الإسلام لا يريد لنا أن نبدأ بالعنف، وإنّما يكون العنف آخر الدّواء، عندما يصل الحدّ بالمرض إلى العمليّة الجراحيّة أو يموت المريض. ففي الحالات العاديّة، يقول الله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[الإسراء: 53]، {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[النّحل: 125]، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}[فصّلت: 34].. أن ننطلق بالحكمة والموعظة الحَسَنَة والنّصيحة، حتّى إذا تطوَّرت الأمور إلى الخطر، فعند ذلك، لا بدَّ للإنسان أن يتدبَّر أمره في طاقاته، وكيف يمكن له أن يواجه الموقف، بحسب طبيعة الظّروف الموضوعيّة التي تحيط به.

 

من كتاب "حديث عاشوراء" للسيد محمد حسين فضل الله

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم