البث المباشر

جمالية صدق الايمان بالغيب

السبت 28 سبتمبر 2019 - 10:50 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- ما رايت الا جميلا: الحلقة 11

بسم الله والحمد لله حبيب قلوب الصادقين وغاية آمال العارفين تبارك وتعالى رب العالمين والصلاة والسلام على أعلام الموقنين وشعار المؤمنين الصادق الأمين وآله الطيبين الطاهرين.
السلام عليكم أيها الأحبة ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في لقاء اليوم من هذا البرنامج..
أيها الأفاضل.. أجمل جماليات الإيمان بالله وأزكى علامات صدقه، تجليه في مواقف التضحية لله بالنفس – وهي أقصى غاية الجود - .. فكيف إذا كانت هذه التضحية مقترنة بالتسابق لها والإبتهاج بها والإقبال عليها بروح مطمئنة وقلب واثق وبصيرة ثاقبة آمنت بالحق وأيقنت به فأتبعته بروح ملؤها الإفتخار والثقة بالله تبارك وتعالى؟
هذه الجماليات هي بعض ما تدعونا الصديقة الطاهرة زينب الكبرى سلام الله عليها لإستكشافه في ملحمة عاشوراء حيث قالت عما رأته فيها تلك الكلمة المروية: ما رأيت إلا جميلا.
مستمعينا الأكارم، نبدأ مشاهد هذه الحلقة بجمالية إغتنام فرص الخير والبصيرة الإيمانية التي تجلت في موقف الحسيني الغيور عبدالله بن عمير الكلبي، نقرأ في تأريخ الطبري:
قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب، قال: كان منا ردل يدعى عبدالله بن عمير، من بني عليم، كان قد نزل الكوفة، واتخذ عند بئر الجعد من همدان دارا، وكانت معه إمرأة له من بني النمر بن ساقط يقال لها: أم وهب بنت عبد؛ فرأى القوم – يعني عساكر بني أمية – بالنخيلة يعرضون ليسرحوا الى الحسين، قال: فسأل عنهم، فقيل له:
يسرحون الى قتال حسين بن فاطمة بنت رسول الله – صلى الله عليه وآله – فقال: والله لقد كنت على جهاد أهل الشرك حريصاً، وإني لأرجو ألا يكون جهاد هؤلاء الذين يغزون ابن بنت نبيهم أيسر ثواباً عند الله من ثوابه إياي في جهاد المشركين؛ فدخل الى إمرأته فأخبرها بما سمع، وأعلمها بما يريد، فقالت: أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك، افعل واخرجني معك. قال: فخرج بها ليلاً حتى أتى حسيناً، فأقام معه.
أيها الأخوة والأخوات، ونلمح في تتمة الرواية جمالية الحكمة الحسينية وهو يعز هذا الناصر الموقن بأن يختاره مبارزاً لزبده فرسان عساكر البغي الأموي، جاء في تتمة الرواية:
لما دنا عمر بن سعد من معسكر الحسين – عليه السلام – ومى بسهم ارتمى الناس، فلما ارتموا خرج يسار مولى زياد بن أبي سفيان، وسالم مولى عبيد الله بن زياد، فقالا: من يبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم، قال: فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن حضير، فقال لهما حسين: إجلسا؛ فقام عبدالله بن عمير الكلبي فقال: أباعبدالله، رحمك الله! ائذن لي فلأخرج إليهما، فقال الحسين: إني لأحسبه للأقران قتالا، اخرج إن شئت، قال: فخرج إليهما، فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير بن القين، أو حبيب بن مظاهر، أو برير بن حضير، ويسار مولى زياد يتبختر أمام سالم، فقال له الكلبي: ويحك وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس، وما يخرج إليك أحد من الناس إلا وهو خير منك؛ ثم شد عليه فضربه بسيفه فإنه لمشتغل به يضربه بسيفه إذ شد عليه سالم، فناداه محذر له: قد رهقك العبد؛ فلم يأبه له حتى غشيه فبدره الضربة، فاتقاه الكلبي بيده اليسرى، فأطار أصابع كفه اليسرى، ثم مال عليه الكلبي فضربه حتى قتله، وأقبل الكلبي مرتجزاً وهو يقول، وقد قتلهما جميعاً:

إني امرؤ ذومرة وعصب

ولست بالخوار عند النكب

إني زعيم لك أم وهب

بالطعن فيهم مقدما والضرب

ضرب غلام مؤمن بالرب


فأخذت أم وهب امرأته عمودا، ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي وأمي! قاتل دون الطيبين ذرية محمد، فأقبل إليها يردها نحو السماء فأخذت تجاذب ثوبه، ثم قالت: إني لن أدعك دون أن أموت معك، فناداها حسين، فقال: جزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي رحمك الله الى النساء فاجلسي معهن، فإنه ليس على النساء قتال؛ فانصرفت إليهن.
نعم أحباءنا، هذا الإعتقاد بالغيب يتجلى جماله في الإسراع الى الشهادة، لأنها (أي الشهادة) في سبيل الله قائمة بكل دقائقها على الإيمان بالغيب وما أعد الله تعالى للشهداء من أجر ومقام ونعيم.
فعندما يتسارع الإنسان الى الشهادة، فهذا يدل على أنه في أعلى درجات الإيمان بالغيب.
ولذلك عندما تحدث القرآن عن صفات المتقين، جعل الإيمان بالغيب أول صفاتهم، كما جاء في الآيات الأولى من سورة البقرة.
ولكونهم من أصحاب اليقين فقد تسارعوا الى الشهادة لنيل ما أعد الله تعالى لهم.
هذه الصورة الجميلة أظهرتها عاشوراء بأحسن وجه حينما صلى الحسين عليه السلام بمن بقي من أصحابه صلاة الخوف، ولما فرغ عليه السلام قال لأصحابه:
"يا كرام! هذه الجنة قد فتحت أبوابها واتصلت أنهارها وأينعت ثمارها، وهذا رسول الله، والشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، يتوقعون قدومكم ويتباشرون بكم، فحاموا عن دينه، ودين نبيه، وذبوا عن حرم الرسول".
فقالوا: نفوسنا لنفسك الفداء ودماؤنا لدمك الوقاء، فوالله لا يصل إليك والى حرمك سوء، وفينا عرق يضرب.
فكان مشهداً من مشاهد الإيمان بالغيب تجلى فيه جمال الإستبشار بالعاقبة حين لبى هؤلاء المتقون دعوة الحق في يوم عاشوراء.
أيها الأفاضل، وبعد نقل المشهد المتقدم نقل سماحة السيد نبيل الحسيني في كتابه (الجمال في عاشوراء) مشهداً أشد جمالية في تجسيد صدق الإيمان، قال عنه:
إنه مشهد آخر من مشاهد الرجولة الفذة، يتجلى فيه جمال التحدي عند النزال، حينما ينادي في جموع الرجال والصناديد عن منازل ومبارز فلا يجد أحداً على الرغم من أن الحاضرين كانوا آلافاً عديدة! وقد تجهزوا بكل لوازم القتال! إلا أنهم صامتين وكأن الأرض قد أطبقت على أنفاسهم!!
مشهد هو من حيث الغرابة يدفع بالصمت والحيرة أن تخيم على النفس؛ ومن حيث الجمال فهو يدعو الى الأنس والسرور لأن في أصحاب الحسين عليه السلام رجالاً من نوع فريد على مر التاريخ.
فها هو أحد اولئك الرجال إنه عابس بن أبي شبيب الشاكري جاء يستأذن الإمام عليه السلام بالخروج الى النزال فوقف أمامه وقال: "يا أباعبدالله أما والله ما أمسى على ظهر الأرض، قريب ولا بعيد، أعز علي، ولا أحب إلي منك، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشيء أعز علي من نفسي لفعلت، السلام عليك، أشهد أني على هداك وهدى أبيك! ومشى نحو القوم مصلتاً سيفه، وبه ضربه على جبينه.
قال أبو مخنف، قال ربيع بن نميم – وكان قد شهد يوم عاشوراء – قال: لما رأيته مقبلاً عرفته، وقد شاهدته في المغازي وكان أشجع الناس، فقلت: أيها الناس هذا أسد الأسود، هذا ابن أبي شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم.. فأخذ – عابس – ينادي: ألا رجل لرجل؟!! – فلم يجبه أحد ولم يخرج إليه رجل لأنهم فقدوا رجولتهم فأمسكوا عنه.
قال عمر بن سعد: أرضخوه بالحجارة. فرمي بالحجارة من كل جانب.
فلما رأى ذلك ألقى درعه، ومغفره، ثم شد على الناس، وأنه ليطرد أكثر من مائتين؛ ثم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل.
فتنازع ذوو عدة في رأسه، هذا يقول أنا قتلته، وهذا يقول أنا قتلته، فأتوا عمر بن سعد فقال: لا تختصموا هذا لم يقتله رجل واحد.
تقبل الله منكم أيها الإخوة والأخوات، جميل الإصغاء وحسن المتابعة لحلقة اليوم من برنامجكم ما رأيت إلا جميلا لكم دوماً خالص الدعوات من إذاعة طهران صوت الجمهورية الإسلامية في ايران، دمتم في رعاية الله سالمين والحمد لله رب العالمين.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة