البث المباشر

ارجوزات ابي الفضل العباس عليه السلام يوم عاشوراء- القسم ۲

الإثنين 23 سبتمبر 2019 - 14:40 بتوقيت طهران

إذاعة طهران- هدير الملاحم: الحلقة 6

قال مولانا بدر الشمس الحسينية ملك الفرات أبي الفضل العباس – عليه السلام، وقد إمتنع على الرغم من شدة عطشه من شرب الماء وهو يملأ القربة...

يا نفس من بعد الحسين هوني

وبعده لاكنت أن تكوني

هذا حسين وارد المنون

و تشربين بارد المعين

هيهات ماهذا فعال ديني

ولا فعال صادق اليقين


وقال – عليه السلام –:

لا أرهب الموت إذا الموت زقا

حتى أوارى في المصاليت لقى

نفسي لسبط المصطفى الطهر وقا

إني أنا العباس أغدو بالسقا

ولا أخاف الشر عند الملتقى


وقال – سلام الله عليه –:

والله إن قطعتم يميني

إني أحامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين

نجل النبي الطاهر الأمين


أيها الإخوة المؤمنون... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، اجركم الله وآجرنا بالمصاب الجلل الذي دوّى في كربلاء، ومازال يعتصر قلوب المؤمنين الموالين حزناً وأسى لما أصاب أسرة رسول الله صلى الله عليه وآله من القتل والتثميل بالأجساد الطاهرة، وسبي العيال، وهتك حرمات الرسالة والنبّوة والإمامة. ومع تلك الآلام التي أمضت، فقد تركت لنا كربلاء المعلّاة تراثا كبيراً دوّنته ألواح المجد والفخر والشموخ، وسطّرته أقلام التاريخ على صحائف العزّ والإباء والكرامة. كيف لا وأحد أبطال يوم عاشوراء هو قمر بني هاشم وباسلهم: أبوالفضل العباس بن عليّ أمير المؤمنين ابن شيخ الأباطح أبي طالب سلام الله عليهم وعلى أرواحهم الزكية الطاهرة أجل... أبوالفضل، ذلك الضيغم، الذي توهّج غيرة وشهامة ودفاعا عن حرمة الإسلام، حتّى عبّرت عنه الزيارة الشريفة بهذه العبارات البليغة الواصفة لبعض حقائقه: "أشهد لقد نصحت لله ولرسوله، ولأخيك، فنعم الأخ المواسي،فلعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمّة ظلمتك ولعن الله أمّة استحلت منك المحارم وانتهكت حرمة الإسلام. فنعم الصّابر المجاهد المحامي الناصر، والأخ الدافع عن أخيه، المجيب إلى طاعة ربّه".


فأيّ مقام ذلك الذي بلغه أبوالفضل العباس عليه السلام حتى صار قتله استحلالاً لمحارم الله، وانتهاكاً لحرمة الإسلام. أجل – أيها الإخوة الأكارم – لأنّه المجاهد على بصيرة، والمحامي الناصر للإسلام، والمدافع عن إمام زمانه، بل و مفديه، ومواسيه، والبالغ فيه غاية الوفاء، وغاية الإيثار والتضحية والفداء...حتّى لم تمل نفسه المقدّسة إلى تناول جرعة ماء، على شدة الظمأ وجهد القتال، والحاجة لمواصلة النزال، فخاطبها بلحن الأرجوزة الأبية:

يا نفس من بعد الحسين هوني

وبعده لا كنت أو تكوني

لماذا يا تري... هذا جوابه سلام الله عليه:

هذا الحسين وارد المنون

وتشربين بارد المعين؟!

لا والله...هيهات، هكذا قالها صلوات الله عليه:

هيهات ماهذا فعال ديني

ولا فعال صادق اليقين


أجل والله إنه العباس، ودينه دين الوفاء للإمامة والإمام، و دين التضحية حتّى الشهادة من أجل حرمات الإسلام، وهل يهنأ أبوالفضل أو يرتوي بالماء وأخوه الحسين في حرّ الهجير ظام،وعيال الحسين ملهوفة تتلظّى للماء أطفالاً وصبيةً ونساءا ؟! لا والله، إنّ نفسه الأبية الشريفة لا تهنأ بذلك، بل لا تستطيع ذلك، فملأ القربة وجلّ همّه إيصال الماء إلى الأكباد الحرّى، نعم... ركب جواده و توجّه نحو المخيم،فقطع عليه الطريق، فجعل يضرب في اللّؤماء حتى أكثر فيهم القتل، وكشفهم عن الطريق مرّة أخرى، والقوم يسمعونه يرتجز بأرجوزة عزّ وإصرار وبسالة:

لا أرهب الموت إذا الموت زقا

حتى أوارى في المصاليت لقى

نفسي لسبط المصطفى الطهر وقا

إنّي أنا العباس أغدو بالسقا

ولا أخاف الشرّ عند الملتقى


فآيس أعداءه أن يهدّدوه بالقتل، وأعلمهم أنّه مواصل قتاله حتّى الشهادة، وأنّ غايته النبيلة أن يقي إمامه و يحميه بروحه ونفسه وبدنه، نعم هو العباس الذي قابل المئات أمواجا بشرية، وأفواجا كالذئاب الوحشية، لم يكن جلّ همّه المقاتلة، بل كان همّه إيصال الماء الى الظامئين الحيارى في المخيم، فلهذا اخترق فلول جيش العدوّ يفرّقها عن مشرعة الفرات، فترك العشرات منهم مقطعين على رمضاء كربلاء، ذهاباً وإياباً، وكاد أن يبلغ مناه ذاك، ولكنّ غدر القوم حال دون ذلك!
أجل... حال الغدر بين أبي الفضل العباس عليه السلام وبين ماكان يطلبه ويتمنّاه أن يوصل الماء ليطفئ به لهفة الظمايا،ويدخل الابتهاج على الحسين وعيالات الحسين، لكن خبيثا كمن له خلف نخلة فضربه على يمناه فبراها، فكان جوابه عليه السلام في أرجوزة فاضت ولاء لإمامه، وتحدّياً لأعدائه والغدرة من أولئك المنافقين الذين سمعوه يقول لهم:

والله إن قطعتم يميني

إنّي أحامي أبدا عن ديني

وعن إمام صادق اليقين

نجل النبيّ الطاهر الأمين


أيّ ثبات ذاك، وأيّ صبر وإصرار، وأيّ دفاع غيور عن الإمام نجل رسول الله ذلك؟! إنّه تسنّى للعباس أبي الفضل كلّ هذه المواهب الكريمة إذ صدق ما عاهد الله عليه في أرجوزته السابقة التي فاضت ولاء وعقيدة راسخة صادقة:

أقسمت بالله الأعزّ الأعظم

ليخضبن اليوم جسمي بدمي

دون الحسين ذي الفخار الأقدم

إمام أهل الفضل والتكرم


إنه ابن عليّ العلي، وحفيد أبي طالب ذي العزّ الأسمي، وقد جمع إلى الشجاعة بصيرة، وإلى المنعة والإباء اعتقاداً ثابتاً، فتقدم عليه السلام لا يأبه بأحد من الكفرة الغدرة، ولا يعبأ بتكاثرهم عليه، وإن قطعت اليمنى ثمّ لحقتها اليسرى وذلك بغدرة أخرى... فما كان من أبي الفضل إلّا أن يتماسك نفسا وقلبا وبدنا، فقال أرجوزته المودّعة للحياة، أجل... أخذ يودع الحياة ونفسه طيبة بلقاء الله تعالى، وقد أبلى بلاءه الحسن الأحسن، ووفى لإمامه غاية وفائه حتى قطعت يداه، ومازال ينتظر لقاء الأحبّة عند إفاضة الروح، بعد الهجمة الأخيرة من الجبناء الذين تكاثروا عليه بعد وقوعه على الأرض وعيناه آسفتان على إراقة الماء، فكان يقول:

يا نفس لا تخشي من الكفار

وأبشري برحمة الجبار

مع النبي السيد المختار

مع جملة السادات والأطهار

قد قطعوا ببغيهم يساري

وقد طغى فينا ولاة العار

فأصلهم يا ربّ حرّ النار


مستمعينا الأفاضل، وهنا نلخص أبرز القيم التي تضمنتها تلك الأشعار الخالدة وهي: أولاً: عمق الحب والوفاء للإمام الحق – عليه السلام – وشدة التفاني في الذب عنه، وهذه أهم خصال الأنصار الحقيقين. ثانياً: المجاهد المؤمن لا يخشى إلا الله عزوجل ولا يرهب من الناس مهما جمعوا وجندوا لمحاربته. ثالثاً: الدفاع عن الدين الحق يبقى هم المؤمن الحقيقي الى آخر لحظات حياته. رابعاً: إن صدق اليقين الإيماني بالعقائد الحقة هو الحصن الذي يحمي المجاهد من الأنهيار مهما إشتدت الصعاب، ويعينه على الإستقامة والثبات على مبادئه. نشكر لكم إخوتنا مستمعي إذاعة طهران طيب الإستماع لهذه الحلقة من برنامج هدير الملاحم. تقبل الله أعمالكم والسلام عليكم.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم

جميع الحقوق محفوظة