الجندي الصغير

الأربعاء 12 يونيو 2019 - 15:20 بتوقيت طهران
الجندي الصغير

المجاهد الشهيد محمد بروجردي
عنوان هذه الحلقة: الجندي الصغير
مستلة من كتاب (تكه اى از آسمان) ، أي : قطعة من السماء
عاد محمد من مدرسته المسائية الى البيت ليجد زوج خالته بانتظاره... نهض الأستاذ رضا مستقبلاً محمد، وهو يقول:
- كنت طوال الوقت أنتظرك يا محمد... وأردف: هل تستطيع المرور علي الى الحانوت غداً صباحاً...
- أجاب محمد وقد سر لهذا الطلب:
- نعم أستطيع... ولكن، هل حدث شيء ما؟!
- لا... أبداً... هناك عمل صغير أود أن تنجزه لي...
بات الصغير محمد ليلته مفكراً... ترى ما هو العمل الذي سيكلفه به الأستاذ رضا... إنه يحبه ويحترمه... وينظر له كأبيه... وهل ينسى كيف احتضن الأستاذ رضا أسرته، عندما غادروا قريتهم في بروجرد لآخر مرة قبل سبعة أعوام لينزلو عليهم في بيتهم بطهران... لقد تولى شؤونهم وترتيب حياتهم منذ البداية... دفع الأولاد الى العمل، إستأجر لهم بعد مضي بعض الوقت بيتاً وظل يتفقدهم ويتواصل معهم باستمرار...
وفوجئ الأستاذ رضا صباحاً بمحمد يقف بانتظاره عند باب الحانوت...
فألقى عليه تحية الصباح، وقال:
- كيف أوضاع العمل؟!
أجاب محمد مستعجلاً معرفة مهمته:
- جيدة... الحمد لله... عاد الأستاذ ليقول:
- وعندما تعود متعباً من العمل، كيف يمكنك التحضير لدروسك؟
رد محمد مختصراً الجواب:
- أستطيع... ليست المسألة بتلك الدرجة من الصعوبة!
إبتسم أستاذ رضا وقال:
- أعرف أنك فتى ذكي وشجاع... وتابع: أردت أن أكلفك بإيصال رزمة صغيرة الى مكان قريب.
- وماذا تحتوي الرزمة، والى أي مكان تريد إيصالها...؟ تساءل محمد:
- مجموعة أشرطة كاسيت تحتوي خطابات.. والعنوان مسجد الرحمن.
أخذ محمد يدقق أكثر فسأل:
- ولماذا لا توصلها أنت؟!
ضحك أستاذ رضا، وقال:
- يبدو أنني أثرت شكوك رجال الأمن، وأخشى أن يتابعوني.
- ولكن لم تقل، لمن هذه الخطابات؟
ضحك أستاذ رضا ثانية، وسكت قليلاً، ثم قال:
- سأقول لك، شريطة أن لا تقول لأي أحد... حتى لأمك، إتفقنا؟
- إتفقنا!
- الخطابات للإمام الخميني...!
إرتجف محمد، كمن لامسه تيار كهربائي... وقال غير مصدق:
- تقول انها للإمام الخميني؟
- أجل... هل أنت مستعد لإيصالها؟ قال أستاذ رضا وهو يحدق في عيني محمد...
أجاب محمد، جذلاً:
- وكيف لا؟!
اختطف الرزمة وانطلق لا يلوي على شيء...
كان محمد يعدو، وهو يكاد يموت فرحاً بمهمته الصغيرة.. دون أن يعلم حجم المهام التي خبأها له المستقبل...!
محمد بروجردي... ولد في قرية تابعة لمدينة بروجرد وسط ايران تقريباً، عام ۱۹٥٥.
فقد أباه وهو لم يتم الخامسة من عمره بعد...
وكان فقدان العائلة لأبيها، سبباً كافياً لإثارة طمع أحد إقطاعي المنطقة الكبار، ليستولي على قطعة الأرض الزراعية الصغيرة التي تملكها العائلة.
وإذ لم يعد هناك ما يربطها بالقرية، فقد قررت الرحيل... فاستأجروا سيارة شحن صغيرة وحشروا أنفسهم فيها: الأم وأبناءها الخمسة الى جانب وسائلهم البيتية القليلة، متجهين الى طهران.
كانت الأم تعول - بعد توكلها على الله – على شقيقتها التي تزوجت الأستاذ رضا وسكنت العاصمة... فلعلهما يستطيعان أن يأخذا بيدها وأيدي صغارها، ليشقوا طريقهم في الحياة.
وبمساعدة الأستاذ رضا ومساعيه التحق محمد وأخوه الأكبر بأحد المعامل التي تنتج أفرشته النوم...
كان صاحب العمل متردداً في قبول محمد لصغر سنه... لكن وبعد فترة قصيرة، أثبت جدارته في العمل... ثم وبمضي شهور قليلة نجح المعمل بسببه في التعاقد مع عدد من فنادق الدرجة الأولى لتزويدها بمنتجاته.
لكن... لا العمل الشاق، ولا المدرسة التي يؤوب إليها بعد مشوار العمل، بقادرة على إشباع طموح محمد للحركة والإبداع والإرتواء من الأفكار الجديدة التي فتح له بابها الأستاذ رضا...
كان يسمعها في البداية وتعجبه ويتيه بها عقله... دون أن يفهمها، إلا أنه وبالتدريج أخذ يستوعبها ويتفاعل معها... بل ويدعو لها بوعي وإيمان وإصرار...
ومع بدايات الشباب، أخذت الدائرة تتسع حول محمد، وبدأ يكسب المزيد من الأنصار للأفكار الخطرة التي يبشر بها...: لماذا يعمل الإمام الخميني من أجل الإطاحة بالملك... مدى تدخل أميركا في ايران، وهيمنتها على قرار الحكومة، وتصرفها غير المشروع بخيرات البلاد...
محمد الذي اتسع نشاطه ليشمل توزيع خطابات الإمام والمنشورات السرية أحس بالحاجة الى من يعينه في مهمته، فتولدت لديه فكرة تشكيل شبكة من الشباب، لتغطي بنشاطها مساحة أوسع... قبل أن تتطور الفكرة لديه الى العمل السري المسلح ضد النظام.
وقبل دخوله ميدان العمل المسلح، تجرع محمد تجربة الإعتقال والتعذيب وذاق لذع السياط اللاهبة والتدلي بشكل مقلوب من السقف...
وخبر أساليب التحقيق داخل معتقلات النظام.. ليتخرج من هذه الدورة "التدريبية" وهو أصلب عوداً وأنضج تجربة...
وفور خروجه من المعتقل، اجتمع محمد ببقية زملائه وإخوانه في الجهاد ليتفقوا على تشكيل مجموعتهم الجهادية التي اختاروا لها إسم: جماعة صف التوحيد...
الشيء الأساسي الذي امتازت به هذه المجموعة المسلحة على غيرها، ان نشاطها كان وقفاً على موافقة قيادة الثورة...
فهي تقوم باختيار النقطة المراد استهدافها، وتقدم تصوراتها وتوصياتها، لأحد وكلاء الإمام لمعرفة رأيه النهائي في الموضوع...
واستطاعت هذه المجموعة خلال فترة قياسية من تنفيذ عمليات نوعية أهمها:
إستهداف حانة للخمور يرتادها الأمريكيون من مستشارين وكبار عسكريين...
العملية التي أوقعت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى بين صفوف الأمريكيين خصوصاً، وجهت ضربة موجعة للمخابرات الأمريكية، واختراقاً جريئاً جهاز أمن الملك (السافاك)...
كما تلتها عمليةأخرى، طالت مروحية عسكرية، موقعة مزيد من القتلى في صفوف الأمريكيين بينهم مستشارون ومسؤولون أمنيون...
إختيار الهدف، والتخطيط الدقيق للعمليات، والنجاح الباهر في التنفيذ، أشعر النظام أن المعارضة قد أصبحت مجهزة وأن نشاطها ارتقى الى المستوى الذي أضحى يشكل تهديداً خطيراً على وجوده... هذا الى جانب رصيدها الجماهيري الآخذ بالتعاظم يوماً بعد آخر.
وفيما كان النظام يخطط لتوجيه ضربة قوية للمعارضة، نصحه مستشارون، بالتهديد بضربة معنوية، لمعرفة حجم رد الفعل لدى المعارضة، التي ستضطر الى الكشف من مراكز قوتها، عبر نزولها الى الشارع.
فوجئ الشارع الإيراني يوماً بمقال كتبته إحدى الصحف اليومية الصادرة في طهران يهاجم رمز الثورة الكبير وقائدها الإمام الخميني رضوان الله عليه...
وغلا مرجل غضب الجماهير، فاندفعت كإعصار كاسح ليدمر مقرات الصحيفة ومراكز توزيعها... وليدخل في مواجهة حقيقية مع أزلام النظام...
كانت بؤرة المواجهة مدينة قم المقدسة قبل أن تمتد الى باقي مناطق البلاد وكان محمد ورفاقه الذين انحصر نشاطهم في طهران، يسعون الى حماية الجماهير عبر النزول المسلح غير المكشوف الى الشارع...
ونتيجة للقمع الوحشي غير المسبوق الذي تعاملت به قوات النظام تساقطت أعداد كبيرة من أبناء الشعب شهداء وجرحى....
لكن النظام وبهذه المواجهة التي فتحها على نفسه، حفر قبره بيديه... إذ أنها لم تنته كما تصور بجولة واحدة أو إثنتين أو ثلاث، بل امتدت كأمواج التسونامي العاتية لتطبق المحيط الإيراني كله...
فقد هدرت جماهير تبريز بمناسبة أربعينية شهداء مدينة قم... تلاها تحرك الجماهير في يزد بمناسبة أربعينية شهداء مدينة تبريز، وهكذا راحت المسيرات الإحتجاجية العارمة تدور في مختلف أنحاء البلاد، لتدير معها رؤوس مسؤولي النظام، الذين لم يعودوا يستطيعوا الوقوف بوجه هذا السيل الجارف...
وما هي الا شهور أربعة وأيام حتى تهاوى النظام وارتفعت راية الإسلام الخفاقة بيد قائد الثورة الكبير الإمام الخميني وشجاعة وتضحيات المحمديين من أبناء هذا الشعب المجاهد.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم