درس في الشجاعة

الأربعاء 12 يونيو 2019 - 15:07 بتوقيت طهران
درس في الشجاعة

المجاهد الشهيد ابراهيم همت
عنوان هذه الحلقة: درس في الشجاعة
مستلة من كتاب (معلم فراري) ، أي : المعلم الهارب
ناول المخابر همت الحاكية وهو يقول:
- هناك من يطلبك...
وانفجرت قذيفة غير بعيد عن المكان محدثة إنفجاراً مدوياً... فانبطح المخابر على الأرض... فيما واصل همت حديثه...
ودوت قذيفة أخرى ففزع المخابر وابتسم همت وهو يعيد الحاكية الى مكانها... ثم لوح للمخابر مداعباً...... نهض المخابر وقال مخاطباً قائد الفرقة:
- ماذا أفعل، ليس الأمر بيدي... ثم تأمل قليلاً وأضاف: في الحقيقة... إنني أروم أن اسألك... لماذا لا ينتابك الخوف كما ينتابني؟ ...... إبتسم همت وقال:
- لقد كنت مثلك تماماً، بل إنني أخاف من أشياء كثيرة... إلى أن تعلمت ألّا أخاف... ثم ابتسم وهو يردف: لقد تعلمت على يد أستاذ قدير...
تنهد المخابر كمن قد وجد بغيته وسأل عجلاً:
- ومن هو الأستاذ ذاك؟
ضحك الحاج همت وقد عرف أن صاحبه قد ذهب مذهباً آخر وقال:
- القائد!
تطلع المخابر في وجه الحاج غير مصدق، وقال:
- تعني قائد الثورة؟!
- أجل... كنا في زيارة له يوماً... وأثناء حديثه إلينا... ارتطم شيء ثقيل بنافذة الغرفة، فتحطم زجاجها... ففزع جميع الحاضرين، إلا هو... التفت بهدوء ليلقي نظرة على النافذة... دون أن يقطع حديثه... وبعد لحظات ارتفع صوت الأذان لصلاة الظهر... فقطع القائد حديثه ونهض لأداء الصلاة... وعندها عرفت أن القائد يخاف هو الآخر، الخوف حالة أصيلة في الإنسان... لكنه خوف يختلف عما عندنا... إنه خوف من الله... لكن من يخاف الله، لا يخاف سواه... (ومن خاف الله أخاف الله منه كل شيء).
لعل هدوءه وطيبته وحبه للآخرين، هي الأسباب التي حببته إليه في البداية...
لكنه ومع كل يوم يمر يكتشف فيه بعداً سامياً جديداً في إيمانه وتدينه وأخلاقه العالية...
لم ير فيه أي حب للتظاهر والتفاخر طيلة معايشته له... فطبيعة عمله كمخابر تفرض أن يكون ملازماً له باعتباره قائد فرقة، في حله وترحاله...
سأله مرة عن عمله قبل أن ينتمي لقوات حرس الثورة الإسلامية، ويتولى مسؤولية أحد مقرات الحرس غربي البلاد...
فقال: كنت أمارس التعليم... وإن شئت كنت أساعد أبي في الحقل أيضاً أجاب بذلك بأريحية وبساطة ودون تكلف...
وما أن اقترب إليه أكثر وأكثر حتى عرف أن هذا الظاهر الذي يتعامل به الرجل ليس سوى قشرة وسطح ليس غير... أما اللباب والأعماق، فهي مالم يسبر غورها بعد... ولن ينس تلك اللحظات إذ فاجأه أحد الأيام وقد اشتد القصف...
تيقن تماماً أن الخطة التي زوده بها أستاذه القديم قد آتت أكلها...
لم يبق له إلا تطبيق المرحلة الأخيرة... سيخرج بعد منتصف الليل ليجرب نفسه...
وعاد يتخيل لقاءه بأستاذه خلال الإجازة الأخيرة... وشكواه له من حالة الفزع التي تنتابه نتيجة سماع صوت الإنفجارات قال له الأستاذ: عليك كمرحلة أولى أن لا تتهرب من سماعها... ثم أن تتعرض لها بحضور الآخرين....
ثم وكمرحلة أخيرة يجب أن تتعرض لها وحدك...
ولكن أي ليلة هذه التي اختارها موعداً لتنفيذ مهمته المفزعة... إن القصف ليبدو اليوم أشد من كل يوم...
توقف قليلاً، إلا أنه عرف أن هذه حيلة نفسية لتثبيطه... فنهض وقد عزم على الخروج أياً كانت الظروف... تحرك بهدوء خشية من إيقاظ الحاج الذي حسب أنه في فراشه.
ابتعد قليلاً عن موضعه العسكري.. كانت السماء ورغم ظلام الليل الدامس تتوهج بالقنابل الضوئية والحرائق... وكان دوي القصف متصلاً دون انقطاع...
استجمع شجاعته وتقدم أكثر الى الأمام... ثم توقف... راوده شك انه سمع صوت.. ترى، هل أن هناك صوتا أم إنه يتخيل... اختفى الصوت... أراد أن يتراجع إلا انه أنه زجر نفسه وقال: لأي شيء أخاف.. تقدم أكثر فأكثر...
وظهر الصوت ثانية أوضح مما سبق.. أجل.. إنه صوت إنسان يبكي... ولكن أي بكاء هذا... بكاء من الأعماق يخالطه الأنين...
يا إلهي... أيكون أحد لمقاتلين قد خرج لحاجة له وحيداً وقد جرح... أسرع في خطوه... فوجئ برجل يصلي على مبعدة خطوات منه... تسمر في مكانه.
نبرات الصوت المفعمة بالمحبة هذه ليست غريبة عليه... بل يبدو له انه كثيراً ما يسمعها...
اصاخ السمع أكثر ألا يبدو صوت الحاج همت هذا... أجل هو... بل هو بعينه!
عجيب... ما الذي أتى بالحاج الى هنا.. ألم يكن الموضع مكاناً آمناً للصلاة...
ألا ترهبه كل هذه القذائف وهذا الموت الذي يدور بكل اتجاه... تراجع خطوات.. أحس كما أنه يكدر على صاحبه هذه الخلوة الفريدة مع ربه...
واصل تراجعه... حتى إذا ما بلغ الموضع... اتجهت عيناه الى فراش الحاج فكان خالياً...
انقضى أسبوع كامل على العمليات العسكرية الواسعة التي نفذتها قوات الجمهورية الإسلامية في جزائر مجنون... خسارة قوات النظام المقبور في العراق، موقعاً نفطياً استراتيجياً أثار جنون قيادة هذا النظام مما دفعها لتركيز جهدها المدفعي على هذه المنطقة...
فغدت الأرض تهتز كأنها جان من شدة القصف... فيما غطت الحرائق والدخان مساحات غير قليلة نتيجة اشتعال بعض الحقول النفطية... وبعد أسبوع من التعب والسهر تهاوى الحاج ابراهيم كخيمة تساقطت أعمدتها...
انتهى الطبيب من ربط المغذي الى جسم الحاج وهز رأسه وقال: لا فائدة من ذلك.. لابد من نقله الى المستشفى.
كان همت مضطجعاً، عاجزاً عن الوقوف أو الجلوس... أو حتى الإمساك بحاكية جهاز المخابرة... كانت شفاهه تتحرك... دون أن يسمع له صوت، ذلك انها تيبست كما زوت عيناه...
ألقى الطبيب بالسماعة وقال:
- لقد نضب ماء جسمه ولم يعد فيه من طاقة على الإستمرار، خرج المساعد عن صمته ليقول:
- ماذا نفعل انه يرفض نقله الى الخلف.
رد الطبيب بشيء من الإنفعال:
- بهذه الطريقة فإنه يدفع بنفسه الى الموت لا محالة.
أجاب المساعد بيأس ليس في اليد حيلة.
تطلع الطبيب اليه باستغراب... انه لا يفهم هذه اللغة وقال...
- انقلوه رغماً عنه فهو ليس في وضع يسمح له بالمقاومة.
- هذا لا يمكن... فقد ابلغنا بوضوح: إن من ينقله الى خلف الجبهة وفيه عرق ينضب... فلن يرضى عنه بحال، وسيكون مسؤولاً أمام الله يوم القيامة.
كف الطبيب عن محاولة اقناع المساعد... فأقبل عليه الآخر ملتمساً بلطف... أليس من الأفضل إعطائه مغذ ثان...
قلب الطبيب شفتيه، وشرع بانجاز ما طلب منه بغير قناعة... وبعد قليل بدا وكأن شيئاً من التحسن قد طرأ على حال المريض... فابتسم المساعد ارتياحاً... فيما لم يفصح وجه الطبيب عن أي مشاعر بالرضا.
استمرت حالة التحسن لدى الحاج... واستطاع الجلوس في فراشه فابتهج المساعد، وعرض عليه الأكل، فرفض وقال: لا وقت لدي، يجب أن أذهب.
استغرب المساعد وقال:
الى أين؟
- الى الخط... أجاب وهو لا يزال يعاني ضعفا واضحاً...
رد المساعد بانفعال:
- لا حاجة لذهابك... أنا أذهب بدلاً عنك!
- كلا لابد من ذهابي...
انتزع المغذي من يده ثم نهض واقفاً على قدميه... فصاح المساعد..
- أذهب أنا...
ابتسم الحاج إبتسامة يعتصرها الألم وقال:
- لابد أن أذهب، فقد طلبني ربي... قال ذلك ثم خرج من الموضع.
ذهل المساعد لحظة لسماع هذه الكلمات... غير أنه هرول خلف الحاج قائلاً:
- لن أتركك وحدك... لنذهب معاً!
وقف الطبيب يشيع الحاج همت ورفيقه بنظراته... فيما اصطبغ الأفق بحمرة المغيب.
ركب الإثنان دراجة نارية... دار محركها قبل أن تنطلق بهما بسرعة صوب الخط...
وفي ثانية واحدة... تطاير حطام الدراجة وثارت سحابة من الغبار وسط انفجار مدوي.
وصل الطبيب الى المكان وهو يركض حاملاً عدته الطبية... لكنه سرعان ما طوح بها بعيداً وجلس جاهشاً بالبكاء.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم