حمى الدين

الأربعاء 12 يونيو 2019 - 14:46 بتوقيت طهران
حمى الدين

المجاهد الشهيد ابراهيم همت
عنوان هذه الحلقة: حمى الدين
مستلة من كتاب (معلم فراري) ، أي : المعلم الهارب
اتخذ قراره ولن يتراجع هذه المرة...
منذ شهور، وقلبه ينازعه لزيارة سبط النبي (ص) الإمام الحسين (ع).. الا أنه كان يعلله بالحاصل الزراعي مرة، وبالحصاد أخرى، وبهذا وذاك من مشاغل الحياة التي لا تنتهي...
لكنه هذه المرة عقد العزم وسيبدأ من الغد، العمل على استكمال وثائق السفر...
تنهد بعمق وهو يدخل بيته... وعلى وجهه بدت علائم الإرتياح واضحة... استقبلته زوجته مرحبة، قالت وقد قرأت مشاعره:
- أرى عليك السرور... فهل تسمح بالمشاركة، أم تريد احتكاره لك وحدك؟
- سأذهب الى كربلاء! أجاب بابتسامة عريضة...
فوجئت الزوجة... نظرت لزوجها بوجه مقطب، وتساءلت بعتب:
- وحدك؟!
أجاب بإحراج:
- انت تعلمين أن حالتك لا تسمح لك بالسفر.
امتدت يدها – لا شعورياً – لتمسح بطنها، وتقول مبتسمة:
- لدي مهلة أكثر من شهرين...
بحث عن ذرائع أخرى... حاول صرفها بأكثر من أسلوب... إلا أنه لم يفلح... وأخيراً، رأى أن لا مندوحة من القبول بمرافقتها له.
المسافة الطويلة التي قطعاها بالسيارة الى العراق، والإجراءات الرسمية المعقدة على الحدود؛ مدت في عمر الرحلة ليقترب من يوم كامل...!
وببلوغهما مدينة كربلاء... أحس الرجل بتثاقل حركة زوجته، فتطلع إليها، ليشاهد ملامح وجهها المنقبضة...
أدرك أنها تعاني ألماً مبرحاً... فانتابته المخاوف من أن تكون توقعاته قد أخذت تتحقق...
فسارع لإستئجار سيارة، الى أقرب مستشفى....
نتائج الفحوصات التي أجراها الأطباء، صدمت الزوجين، فقد قيل لهما: ان الجنين في عداد الموتى... وينبغي العمل على إنقاذ حياة الأم... إذن فهما أمام دعوة للإجهاض...
رفض الإثنان اقتراح الأطباء وقال الزوج لهم: انه جاء لزيارة الحسين (ع)، وسيتوسل به الى الله في طلب سلامة زوجته وجنينها...
توجه الزوجان الى روضة ابي عبد الله السابحة بالنور، بعيون باكية... كانا مدفوعين بالشوق وحده... والآن انضمت اليه الحاجة ايضاً...
قالت الزوجة:
- سيدي أباعبدالله... إن كان لأحد ذنب، فهو ذنبي أنا، إذ لم أصغي لنصيحة زوجي... ماذا أفعل؟... لقد هيمن حبكم أهل البيت على تفكيري... ثم نشجت وهي تضيف:
- إن كان علي أن اضحي بولدي من أجل هذا الحب.. فاقبل تضحيتنا معا...!!
ثم جلست واضعة جبهتها على الواجهة الفضية للضريح... فطافت أمام عينيها صوراً عجيبة...
سيدة عظيمة القدر، يجللها النور... استقبلتها بحرارة... احتضنتها... ثم قدمت لها هدية...
يا إلهي... من تكون هذه السيدة؟... وأي هدية هذه..؟!
ما هذا؟! انه طفل جميل... ضمته الى صدرها، وهي تشعر بفرحة غامرة.
وقطع عليها تملي هذه السلسلة من الصور الجميلة أصوات الزائرين التي ارتفعت بالصلاة على محمد وآل محمد...
يا إلهي.. ما هذا؟ أتكون قد اخذتها اغفاءة قصيرة، وان ما شاهدته مجرد حلم؟!
نهضت واقفة على قدميها.. تحسست بطنها... لم تعد تحس بألم... تلفتت باحثة عن زوجها، فوجدته يقف بانتظارها...
زفت اليه بشرى الشفاء... ولكن هل تحدثه بما رأت...؟!
اعادها صوت زوجها الى الوعي...
- خير... أين كنت..؟ ...ضحكت وقالت:
- كنت في كربلاء.... ابتسم هو الآخر، وقال:
- يا لها من أيام رائعة... حافلة بالخير والعطاء الإلهي....
وبعد صمت قصير، تساءل:
- ماذا قالت لك الطبيبة؟!
- لم تأت بجديد... ظل زوجها يتطلع في وجهها، فأضافت:
- تقول ان الجنين ذكر...
تساءل بلهفة:
- ذكر؟!
ابتسمت... وراحت تحدثه عن رؤياها عند ضريح الحسين (ع).
عام ۱۹٥٤ أبصر الشهيد محمد ابراهيم همت النور في مدينة قمشة التابعة لمحافظة اصفهان، وسط ايران.
أبوه كان مزارعاً، وأمه ربة بيت... ورغم أنهما لم يؤتيا حظاً وافراً من التعليم... إلا أنهما كانا على هدى وبصيرة... وكانا شديدي الحرص على تربية ولدهما على الإيمان وحب آل الرسالة.
ونشأ الصغير في ظل هذين الوالدين الكريمين، يقلدهما عندما يقفان للصلاة، ويرفع كفيه الصغيرين معهما عندما يدعوان... ويستمد خزين الحب الذي أودعاه قلبه، لمحمد وعترته الطاهرة في ذكرى مناسباتهم...
وكبر ابراهيم... ودخل المدرسة... وراح يساعد أباه في الحقل... وأخذت مداركه تنمو؛ وتتفتح على تناقضات الحياة والمجتمع...
وشاهد بعينه، الظلم الذي يمارسه ضد الفلاحين، ملاكو الأرض الكبار، بدعم وحماية من النظام الملكي البغيض...
حتى إذا ما بدأ بالنضوج واتسع وعيه السياسي، انتظم في إطار حركة الشعب التي أخذت تتنامى بقيادة الإمام الخميني، ضد النظام الملكي...
كان ابراهيم قد أكمل لتوه دراسته في معهد المعلمين، عند ما استدعي للخدمة العسكرية الإلزامية..
وبدلاً من التوجه الى صفوف الدرس... وضع الخوذة العسكرية على رأسه، والحذاء الثقيل في قدميه، ليدخل من البوابة الكبيرة لأحد معسكرات الجيش.
بدأ النظام الملكي الحاكم في ايران آنذاك، مرحلة جديدة من عدائه السافر للإسلام والشعائر الدينية...
ومع حلول شهر رمضان، اعلنت إدارة معسكر ابراهيم، منع الجنود من صيام الشهر المبارك.
أدرك ابراهيم الذي يتولى مسؤولية إدارة مطبخ المعسكر، ان مهمته اصبحت معقدة، إذا ما عاد من الإجازة... ذلك ان اصرار اللواء ناجي رئيس المعسكر والحاكم العسكري غير المعلن للمدينة على موقفه... يعني الدخول وإياه في مواجهة...
وجاءه ليلاً صديقه الحميم، وزميله في المعسكر، ليخبره انه استطاع ترتيب اجازة له، ليقضي شهر رمضان الى جانب اسرته...
- ولماذا فعلت ذلك؟! تساءل ابراهيم...
قال الصديق ضاحكاً:
- عرفت ان غبرة المعركة ستثور بينك وبين اللواء ناجي... ولن تنجلي إلا بمقتل أحدكما...!
إبتسم ابراهيم مداراة لصديقه، وتساءل:
- كيف مر عليكم الصيام في المعسكر؟!
انتاب الصديق الخجل، وقال:
- وهل تركنا اللعين نصوم!
توهجت عينا ابراهيم، وسأل:
- ماذا تعني؟! ...أجاب مطرقاً:
- حضر اللواء الى مطعم المعسكر، ظهراً، وأمر الجنود بتناول الطعام، ومن يمتنع ... يضربه.. ثم يلقمه الطعام بيده..
- اجتاحت ابراهيم موجة عارمة من الغضب، وقال:
- حسناً فعلت، إذ أخبرتني... سأعد له طبخة لن ينسى طعمها طوال حياته!
...وفي الصباح، فاجأ ابراهيم صديقه بالحضور المبكر للمعسكر...
- خير إن شاءالله... لماذا لم تتمتع بأيام على الأقل من إجازتك؟... رد ابراهيم بألم:
- أتريدني أتمتع، وهذا اللعين، ينتهك حرمة الشهر الفضيل؟!
- وماذا ستفعل؟!
- سترى...! ...وأضاف: ما أطلبه منك، هو أن تعلن للجنود أن المطعم سيفتح لهم سحراً.
شرع ابراهيم بالعمل على الفور: قفل باب المطبخ... أخذ بمسح أرضيته بالزيت، ثم بالصابون...
وقبل جولة اللواء المعتادة لتفقد المطبخ، فتح الباب، وراح يتظاهر بتنظيف الأرضية، مطلقاً صوته بابتهال ديني...
اللواء – الذي ملأ أذنيه صوت ابراهيم الجهور – اعتبر ذلك مخالفاً للضوابط العسكرية... لذلك فقد انتزع العصا من يد أحد حراسه، مشيراً لهم بعدم الدخول... ثم تقدم على أطراف أصابعه... حتى إذا ما بلغ باب المطبخ، اندفع راكضاً بشكل أهوج...
وفي أقل من خطوتين، تشقلب مطلقاً صرخة استغاثة...
فسارع حراسه لنجدته، إلا أنهم تهاووا فوقه...
وفيما أدخل ابراهيم غرفة الإحتجاز في المعسكر... كان زملاؤه الجنود يتناولون سحورهم مغتبطين بعمله الشجاع...
سأل أحدهم متندراً:
- ألا أحد يخبرنا عن حال لوائنا الخفّاق؟
أجابه الآخر:
- لقد عصف به رمضان، فألقى به بعيداً، ولا أحسبه يعود مرفرفاً قبل حلول العيد.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم