الحب وسط اللهيب

الأربعاء 12 يونيو 2019 - 14:42 بتوقيت طهران
الحب وسط اللهيب

المجاهد الشهيد احمد علي نيري
عنوان هذه الحلقة: الحب وسط اللهيب
مستلة من كتاب (عارفانه) أي رشحات عرفانية
ماذا يفعل؟ إن المسؤولين يصرون على بقائه في المقر الرئيس في العاصمة، وهو يريد الذهاب الى الجبهة...إنه ليحس أن الجبهة، هي المكان الوحيد الذي يستكمل فيه مشواره الروحي..!
إن قلبه ليحدثه: ان أشواقه المتطلعة الى الأفق المشرق الرحب... الى كنف الرحمة المطلقة السابحة في لجة النور؛ لن تتحقق إلا هناك...!
ماذا يفعل؟.. لم يبق أمامه إلا أن يقدم إستقالته من العمل... لم يكن يريد ذلك... لكن ليس في اليد حيلة... إنه خياره الأخير...
...وهكذا فعل أحمد... قدم استقالته من حرس الثورة الإسلامية ليتخلص من أسر العمل داخل المقر، وينظم الى صفوف قوات التعبئة...
وصدم الأصدقاء، عندما جاءهم مودعاً... قال لهم صراحة: إنه اللقاء الأخير... وإنهم لن يرونه بعد ذلك.
لم يعطهم مهلة كيما يردوا عليه... أو لعلهم ذهلوا عن الرد... وما عساهم أن يقولوا أو يفعلوا أمام إصراره على الإلتحاق بالجبهة.
وهناك... حيث تتأجج نيران الحرب... تتساقط القذائف هنا وهناك، زارعة الموت والدمار... يقتل أناس فيموتون ويقتل آخرون فيحيون..!! ..؛ هناك وجد أحمد بغيته...!
وجدها كما توقعها: ((الجبهة مكان لصنع الإنسان... هي مكان جيد جداً لمن يفيد منه... وسيء لمن لا يستطيع الإفادة منه)).
هكذا كتب لصديقه من على أرض الجبهة...
...أجل... ها هي الجبهة أرضها مكشوفة لسمائها... ليس فيها مكان للتواري، أو مجال للمخاتلة واللعب...
هنا يقف العبد وجهاً لوجه أمام ربه... وإنه ليقف دائماً موقفاً كهذا... لكن وقوفه هنا، من غير شواغل... من غير دنيا... من غير لهاث وراء الحاجة هذه أو تلك...
هنا يترصد الموت الإنسان... تخالسه المنية بين لحظة وأخرى ونفس وثان... وعندها يصحو، فيرى الأشياء على حقيقتها... بأحجامها الواقعية من غير ألوان ولا تزويق.
أجل... هذا هو عالمنا نحن... أما أحمد، فهو من عالم آخر... انه يبحث عن الشهادة، لأنه موقن انها الطريق الى الحياة عند الله...
حرص أحمد على الإنضمام لأحد الأفواج الجديدة... حيث لا صديق ولا أحد يعرفه... أراد أن يتفرغ لبرنامجه العبادي بشكل تام...
ثلاثة أشهر مرت على وجوده في الجبهة، قبل أن يأتي الإيعاز لفوجه بالتحرك نحو خطوط القتال...
لم يتم تسجيل هذا الحدث... بيدَ أن آمر الفوج كتب ملاحظة عابرة جاء فيها:
((كنا على رأس القافلة العسكرية، نتحرك بسرعة بين الهور والهضبة... وعندما أصبحنا على مقربة من الساتر الترابي ومواضعنا الدفاعية، سقطت قذيفة هاون بالقرب مني، فأصابت بشضية منها أحد مقاتلينا، وهو شاب لا يتجاوز العشرين من عمره... وقد اخترقت الشضية خاصرته ونفذت الى القلب...
وقد طلب مني المقاتل الذي بدى صلباً شجاعاً، أن أساعده على النهوض... وبصعوبة شديدة وقف على قدميه...
أجال طرفه فيما حوله، ثم أقبل بوجهه على كربلاء، واضعاً يده على صدره، وهو يقول: السلام عليك يا أبا عبد الله...
ثم مالت رقبته الى جانب، وتهاوى على الأرض.
وضعت يدي على صدره، فعرفت أنه قد استشهد...
لمحت على بطاقته العسكرية هذه العبارة: أحمد علي نيري متطوع من طهران.
أثار استغرابه وربما حسده، الإطراء المنقطع النظير الذي سمعه عنه... من هو أحمد هذا، حتى يضج الناس بالحديث عنه...
قرر أن يبحث عن الجذور، عن الخيوط الأولى لهذه القصة العجيبة الغريبة... يريد أن يستكشف القضية بنفسه...
سيسأل ويناقش ويتحرى، ليقف على تفاصيلها... فيعرف حدود الحقيقة من الوهم، والواقع من الخيال والمبالغة...
ترجل من السيارة أمام القرية التي عرف أنها مسقط رأسه...
راح ينقل خطواته بتؤدة، وهو يتطلع في وجوه الناس، وواجهات البيوت، وكل ما يصادفه في الطريق...
هم أن يبدأ مهمته الإستكشافية... جيد ليسأل هذا الشاب المقبل... إنه ليبدو في عمر أحمد...
تردد... لا...لا... الأفضل ان يسأل رجلاً كبيراً... فكبار السن يمثلون السجل التأريخي للقرية، وأرشيفها الوقائعي...
وحسم موقفه أخيراً...
- السلام عليكم يا عم... أردت – إن سمحت لي – أن أسألك عن الشهيد أحمد نيري، فهل تعرفه؟!
فوجئ العجوز... غير أنه قال:
- لا بأس عليك يا ولدي!... الحقيقة أن الشهيد أحمد رحمه الله، ولد هنا... إلا أنه انتقل مع أسرته الى طهران... صحيح أنه كان يعاود زيارة القرية صيفاً... لكننا لم نعد نراه خلال السنوات الأخيرة، إلا قليلا...
توقف عن الكلام، ثم نظر الى الأفق ساهماً، وقال:
- يا إلهي... أي إنسان عظيم كان هذا الشاب... لا أبالغ إذا ما قلت: إنك لا تضيع فضيلة أو سمة طيبة، إلا ووجدتها فيه...
...إنسان عظيم؟! يا لها من كلمة... لو قالها شاب، لقلت أنه طبع الشباب الميال الى الكلام الإستعراضي والمبالغات وتضخيم الأمور... ولكن...
توقف الشيخ عن الكلام ثانية، وابتسم... فقد عرف اني ذهبت بعيداً عن أجواء الحديث...
شعرت بشيء من الإحراج... إلا أنه بادرني، وهو يشير بيده قائلاً:
- أنظر...! ...أترى ذلك الرجل الذي يجلس تحت الشجرة وقربه إمرأة... إنها زوجته...
التفت حيث أشار، ثم هززت رأسي... تابع يقول:
- إنه أحد قدماء المنطقة، ومن ملاكيها الكبار... اذهب اليه واسأله... فإنه سيجيبك عن كل صغيرة وكبيرة، مما خطر في بالك أو لم يخطر...!
ودعت صاحبي العجوز، وقصدت الآخر.
نظر إليّ الرجل متعجباً، وأنا أعيد على مسامعه السؤال نفسه، ثم قال:
- تقصد: أحمد علي؟!
- نعم..! رددت وقد سرني انه يعرفه..
نظر إلي طويلاً يتأملني، وقد اغرورقت عيناه بالدموع... وراح يكرر مع نفسه: أحمد... أحمد... ثم انفجر بالبكاء...
شعرت بالخجل... حسبت الشهيد من ذويه... وقد أثار سؤالي أحزانه من جديد... أردت الإعتذار، إلا أنه قال بصوت تقطعه العبرات:
- سألت عن شاب يا ولدي... لم يكن يعرفه أحد على حقيقته... لا أنا... ولا أهالي القرية... ولا أي أحد... سوى الله.
ثم توتر صوته قليلا، وهو يضيف:
- أجل... الله وحده الذي عرفه!
أطلق أنه عميقة، وسكت... فظننت أنه أضرب عن الكلام... غير أنه عاد ليقول:
- لقد كان أحمد ملاكاً في اهاب انسان... جاء الى القرية ليهبها النور... ليهدي فتيانها وأهلها الى الله، ثم يعود من حيث أتى!
سالت الدموع من عينيه ثانية، وهو يتابع:
- عندما كان يأتي الى هنا... يجمع فتيان القرية حوله... ثم يأخذهم الى المسجد... وهناك يتحدث إليهم... يعلمهم القرآن والأحكام الإسلامية، يلعب معهم...
كان غالبية فتيان القرية، أكبر منه سناً... إلا أنهم يلتفون حوله مسحورين بأدبه وحديثه...
لا يمكن أن أصف لك، مدى تعلق فتيان القرية به... شيء لا يصدق انهم يلازمونه، ما ان ينزل بينهم، ولا يتركونه حتى آخر ساعات عودته...
مسح دموعه، وهز رأسه مرات وتابع:
- لقد كان على صغر سنه، أستاذاً ماهراً... عرف كيف يخاطب الفتيان والشباب، ويستقطبهم الى الله، والدين والمسجد... وكثير هم الشباب الذين تربو على يديه... ومنهم من تبعه لينظم الى قافلة الشهداء...
التفت إليّ ليواجهني تماماً، وليقول:
- لا ينبغي أن تفهم قولي: ان نجاحه مع الشباب، يعني ان تأثيره اقتصر عليهم... كلا... كلا... لقد وقعنا نحن الكبار أيضاً تحت تأثير سلوكه وحديثه... وتمهل وهو يقول:
- لا تدري أي معدن نفيس أضعناه..!... واردف:
- هل تصدق، إذا ما قلت انه، كان يمر بين أزقة القرية وحدائقها، فتخال: الأبواب والجدران والأشجار تبتسم له تحييه....!!
قال ذلك، ثم عاد الى البكاء...
تدخلت زوجته للمرة الأولى، وخاطبته متعجبة:
- ما الذي دهاك يا حاج؟! ...ثم التفت نحوي، قائلة:
- لقد عشت معه خمسين عاماً... فلم أره يبكي هكذا...!
وأضافت متساءلة، وهي تزحف نحوي:
- ما الذي قلته فأبكيت الحاج؟!
حملقت في وجهي، ثم اشاحت بوجهها خجلاً، وقد رأت عينيّ تسح الدموع، هي الأخرى.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم