معراج المؤمن

الأربعاء 12 يونيو 2019 - 14:39 بتوقيت طهران
معراج المؤمن

المجاهد الشهيد احمد علي نيري
عنوان هذه الحلقة: معراج المؤمن
مستلة من كتاب (عارفانه) أي رشحات عرفانية
ولد الشهيد أحمد علي نيري في قرية تابعة للضواحي الجنوبية لطهران عام ۱۹٦٥، وعاش في بحبوحة من العيش... فوالده يدير وكالة لبيع الشاي... وكان وزوجته إنسانين مؤمنين، حريصين على تربية أولادهما...
كان أحمد أصغر إخوته الثمانية... لكنه كان يكبرهم جميعاً في سماحة أخلاقه، وسمو سجاياه، وطبعه الهادئ الرصين...
ومنذ نعومة أظفاره، كان بعيداً عن الإيذاء، مجانبا للتطاول والمشاكسة، يحترم الآخرين... ويبالغ في احترام أبويه... فتراه يهب واقفاً كلما دخل أحدهما عليه.
ومذ دخل المدرسة الإبتدائية، واتسعت معرفته الإجتماعية... أخذ يتحسس آلام الفقراء، ويسعى الى إعانتهم بما تسير له من مصروف يومي يمنحه إياه أبوه...
وكم يسعد عندما يبتاع بعض زملائه المعوزين شيئاً مما يحبون من حانوت المدرسة، بما يقدمه لهم من مال؛ وإن عاد هو طاوياً الى البيت...
ولم يتوان لحظة، وهو يجد أحدهم ينزوي عن مشاركة زملائه لعبة كرة القدم، بسبب تهرئ حذائه؛ عن إهدائه حذاءه الرياضية الثمينة...
وفي ظهيرة أحد الأيام، يعود الأب من المسجد، وما ان يدخل البيت حتى يسمع النقاش محتدماً بين أبنائه... فيتوارى خلف الباب، ويبدأ بالتنصت..
ارتفع صوت أحد أبناءه بنبرة تشوبها سورة الغضب:
- ما لنا وبقية الناس.. كل إنسان مسؤول عن نفسه...
رد أحمد بهدوء وأدب:
- إذن... فالأمر كما تقول: كل إنسان مسؤول عن نفسه... ولذا فأنا لم أطلب من أحد الإمتناع عن تناوله...!
دخل الأب ملقياً التحية... فنهض أحمد إحتراماً لأبيه... فيما واصل البقية تناول الطعام.
سأل الأب مستغرباً:
- خير إن شاء الله... أرى السجال ساخناً... هل حدث ما يدعو لكل هذا الصياح...؟!
أطرق أحمد، فيما أجابت أخته:
- رفض أحمد أن يتناول غداءه...
تساءل الأب، وهو ينظر لأحمد:
- ولماذا؟!
ردت الأخت، محاولة إبعاد نفسها عن ساحة النزاع:
- يقول أن الجيران وأبناء المحلة، غير قادرين على إعداد مثل هذه الوجبة الدسمة، فكيف يسيغ لنا تناول الدسم من الطعام، فيما لا يجد آخرون البلغة منه؟!
فوجئ الأب بهذا الكلام الذي يسمعه لأول مرة... تأمل قليلاً وهو ينظر الى أحمد، قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة، وكأنما بعث في نفسه صدى عميقاً.
مع انطلاق أولى تكبيرات أذان الظهر، ظهر معاون المدرسة في باب الصف، ليعلن: أن الدرس الآتي سيخصص لإمتحان درس الرياضيات...
المعاون الذي اختار بدء الفرصة زمناً لإعلانه هذا، اتبع ذلك بجملة توصيات روتينية، مخاطباً الطلبة:
- إذا سمعتم الجرس يقرع، أدخلوا الصف... خذوا مقاعدكم ...حافظوا على الهدوء التام ، الى حين فراغ الأستاذ، من طباعة الأسئلة الإمتحانية.
وفيما بدأ الطلاب التفرق في الساحة، إتجه احمد الى مسجد المدرسة... فتبعه صديقه، وقال معترضاً:
- ألم تسمع ما قاله المعاون؟!
رد أحمد بشيء من العجلة، دون أن يتوقف:
- لن أتأخر إن شاء الله...
توقف الصديق ليقول:
- أنت تعرف مدى تشدد أستاذ الرياضيات.
إكتفى أحمد الذي ابتعد شيئاً ما، بالتلويح بيده...
امتعض الصديق، وقال مع نفسه: صحيح إن المحافظة على أداء الصلاة في وقتها أمر جيد... لكنها لا تعني الإستهانة بموعد الإمتحان... وكمن يعلم النتيجة سلفا؛ هز رأسه وقال:
- مما يؤسف له أن يحرم مثل أحمد الطالب المتفوق أداء الإمتحان..
بدأ الطلاب بالتوافد على الصف، وهم يسمعون القرع المتواصل للجرس... بيدَ أن الصديق تباطأ، املا بالتحاق أحمد ، وإن كان يعرف أن ذلك أمر بعيد... فصلاة أحمد إذا ما شرعت، لن تنتهي من غير قائمة من المستحبات والتعقيبات..
جلوسه قرب أحدى النوافذ المطلة على الساحة، أتاح له التطلع باستمرار صوب المسجد... ولكن ها قد مضى عشرون دقيقة، دون أن يأتي أحمد...
قلقه على صديقه أغفله عن الإنتباه الى أن الأستاذ قد تأخر هو الآخر... ولا مرة أحس بتأوهات الطلاب من حوله دليلاً على شعورهم بالضجر...
لكن سرعان ما انفتح الباب بقوة، واندفع الأستاذ الى الداخل، وهو يلعن جهاز الطبع الذي تسبب بكل ذلك التأخير...
أمر الأستاذ المراقب بتوزيع أوراق الأسئلة، فيما انشغل هو بإلقاء ونظرة أخيرة عليها...
حبس الصديق أنفاسه متوجساً، وهو يسمع الطرقات التي توالت على الباب... إنه أحمد من غير شك... ترى، كيف سيتعامل الأستاذ مع الموقف؟!
إلا أن الأستاذ الذي بدأ مستغرق الذهن، قال دون أن يرفع عينيه عن الأوراق..
- تفضل...!
دخل أحمد، ليستقر في مكانه... فيما بقي الصديق دهشاً فاغر الفم.
إنه يحس أنه ينشد إليه بكل كيانه، وهو يراه في وقفته الخاضعة المستسلمة تلك بين يدي ربه ...
هو يصلي أيضاً... لكن دون أن يخامره أي إحساس يدعوه لأن يتحرر من عالمه الثقيل هذا، كما يحصل له هو!
إنه ليشعرك وأنت تنظر إليه، كما لو أنه يحلق في عالم آخر...
عالم يحفل بمباهج لا يمكن أن توزن الواحدة منها بمباهج الدنيا كلها...
وتخيله قريبا منه، فأنشأ يقول:
أراك يا أحمد تعرف الله معرفة لا تشبه معرفتنا... وتعبده عبادة لا تمر بخاطر لنا أو لعلنا لا نطيقها...!
وعاد يناجي نفسه: انني أصلي للخروج من دائرة الحساب والعقاب، أما هو فصلاته لشيء آخر...
يتلفظ كلماتها، فتحسبه يمضغها مضغاً... يتذوقها... يديرها في فمه، ليستشعر المزيد من لذتها... قبل أن يتمثلها ويعيشها...!
وأي إنسان لا يعجب كعجبي، إذا ما عرف انني اتحدث عن فتى لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره...
أجل... ولهذا لم أطق صبراً... قابلته يوماً وجهاً لوجه وسألته:
- أحمد...! تعلم إننا أصدقاء جمعتنا أيام الطفولة، وكنا معاً على الدوام... في المسجد... في المدرسة... فما هذا الذي يغامرك لتصبح شخصاً مختلفاً إذ تقف للصلاة، أو ترفع كف الضراعة لله؟!
سعى الى التهرب من الرد... حاول تغيير وجهة الحديث... إلا انني حاصرته، ورحت ألح وألح...
فرد كمن أكره على الجواب، قائلاً:
- إن لذلك حكاية يا صديقي.... تنفس الصعداء، ثم قال:
- ذهبت يوماً بمعية حشد من رواد المسجد في سفرة قريبة شملت بعض الحقول ضواحي المدينة...
- وفيما انشغل الأصحاب بلعب الكرة، طلب إلي منظم السفرة أن أجلب الماء ليصنع الشاي...
ناولني إناءاً، وقال:
- ها هو النهر أمامك...
حملت الإناء، وتوجهت الى المكان الذي أشار إليه...
كانت ضفة النهر القريبة مغروسة بسياج من الأشجار والشجيرات المتشابكة...
رحت أبحث عن ثغرة لبلوغ النهر، فلم أجد... أطللت من فجوة هناك، فراعني ما رأيت... فجلست وأنا أرتجف... ثم وبعد أن عاد إلي روعي، عدت أدراجي...
سأل الصديق بنفاد صبر:
- وماذا رأيت؟
رد أحمد مطرق الرأس:
- كان يمكن لي أن ارتكب معصية كبيرة، وأنا جالس في مكاني ذاك... فقد كانت هناك عدة فتيات يسبحن في النهر....
رفع رأسه قليلاً، وقد إغرورقت عيناه بالدموع، وقال:
- لقد خاطبت ربي قائلاً: إلهي إنك تعلم أنني قادر على ممارسة هذه المعصية، لكني سأتركها من أجلك... فتول أنت تربيتي، واصرف عني كيد الشيطان...!
- أحسست وأنا أعود أن انقلاباً كبيراً قد حدث في داخلي.. لم أعرف كنهه... لكني أحسه.. أشعر به تماماً...
ومن ذلك اليوم... بدأت أحس بطعم آخر للصلاة والدعاء... ومن يومها أيضاً، عرفت انه وما لم يحس المصلي بحالة من العروج، فإنه لن يدرك حقيقة العبودية..! أجل فـ "الصلاة معراج المؤمن".
كنت أستمع إليه وهو يتحدث، وكأن الكلام يهبط عليّ من عالم علوي، يفيض بالنور والطهر... وترفرف في سمائه الملائكة بأجنحتها... لكنه توقف فجأة، ونظر إلي نظرة عميقة أفزعتني، وقال بنبرة كأنها لصوت ينبعث من مكان بعيد: إسمع أيها الصديق، كل هذا الكلام، إنما قلته لتدرك أن ترك الذنب، يفتح أمام الإنسان آفاقاً روحية عالية...
وقف على قدميه، ثم أقامني معه، وهو يشد على يدي ويقول: عليك أن تتعهد بعدم البوح بما سمعت، ما دمت أنا حياً... قال ذلك، ثم ودعني عجلاً وانصرف.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم