إبراهيم الثائر

الأربعاء 12 يونيو 2019 - 12:37 بتوقيت طهران
إبراهيم الثائر

المجاهد الشهيد إبراهيم هادي
عنوان هذه الحلقة: إبراهيم الثائر
مستلة من كتاب (سلام بر ابراهيم) أي سلام على ابراهيم
أحبه منذ الصغر... مذ سمع أباه يحدثه عنه لأول مرة...
وراح خياله الطفولي الخصب، يرسم له ملامح تلك الشخصية التي أحبها، مجردة عن كل ما يمت لبني البشر من نسب...!
وعندما إطلع على أول صورة فوتوغرافية له، أخذته تلك الهالة النورانية المحيطة بوجهه... وقرأ بين خطوطها - رغم صغر سنه - شارات الشجاعة والرفض والإباء الحسيني...
لكن بقي فيها شيء آخر، عصي على القراءة، لا يعرف كنهه، شيء يحس أنه يلهمه الرجولة ويحفزه على الأعمال العظيمة.
وكبر إبراهيم... وكبر حبه... وكبرت تلك الصورة معه... أصبح لها معان جديدة، إضافة الى ما لها من معان...
لكنه رغم ذلك، لم يستطع أن يتخلى عن عادته أيام الطفولة... لا زال يحب إطالة التطلع الى تلك الصورة... يستبقيها بقربه يحس أنها لم تزل مصدر إلهام له...
عاد يسعى لحصر ذهنه فيما يقوله الخطيب...
يقول سابع أئمة البيت النبوي الشريف، الإمام موسى بن جعفر (ع):
(يخرج رجل من أهل قم، يدعو الناس الى الحق، يجتمع معه قوم كزبر الحديد، لاتزلهم الرياح والعواصف، ولا يملون من الحرب، ولا يجبنون، وعلى الله يتوكلون، والعاقبة للمتقين).
كانت كلمات خطيب المسجد، تنطلق بقوة وثقة وحماس، فتلهب مشاعر الجماهير التي احتشدت داخل المسجد وخارجه...
وعلت التكبيرات، وتصاعدت درجة الحماس، عندما قال الخطيب:
ليس منا من يجهل اليوم، أن هذا الرجل الذي عناه النص الشريف:
هو الإمام الخميني... وأن القوم المجتمعين معه، هم المجاهدون المضحون الأبطال من أبناء الشعب الإيراني المسلم.
لم تكن كلمات الخطيب وحدها التي سحرت الجماهير، بل شجاعته وإقدامه، وعدم رهبته الموت...
كان الجميع يعتقد أن الخطبة النارية هذه، لن تنتهي إلا بتدخل قوات أمن النظام الملكي.
وفيما كان الخطيب يتابع حديثه، أرسل أحد الشباب الناشطين في المسجد إشارة لإبراهيم الذي وقف في إحدى الزوايا يتابع الخطبة...
- خير إن شاء الله...
قال إبراهيم بعد أن شق طريقه نحو صديقه بعناء...
همس الصديق في أذنه:
- قوات الأمن بدأت تطوق المسجد، ويبدو أنها تهم باقتحامه...
توقدت عينا إبراهيم بالغضب... فيما راحت الضوضاء تتعالى حول المسجد، معلنة بدء تحرك القوات...
الهجوم الذي استهدف أولاً المحتشدين قرب المسجد، دفع الكثيرين في الداخل الى مغادرته، ليجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع قوات الأمن، التي راحت تنهال عليهم ضرباً بالهراوات، دون أن توفر طفلاً أو إمرأة أو شيخاً كبيراً...
إبراهيم الذي كان يغلي غضباً، إستغل حالة التدافع، ليقتحم صفوف القوات، موجهاً لعدد من أفرادها لكلمات دامية...
حركة إبراهيم الذكية والمباغتة، نجحت في فتح ثغرة للمحاصرين داخل المسجد... فعناصر الأمن الذين أخذو على حين غرة، إنشغل بعضهم في علاج أنفه أو وجهه الدامي، فيما راح الآخر يطارد إبراهيم الذي تمكن من الإفلات، ولكن بعد أن نال نصيباً من الضرب...
وتطور الموقف الى اشتباك واسع، كانت حصيلته عدد من الشهداء والجرحى.
التجمعات والإحتجاجات المحدودة التي كانت تحصل هنا وهناك، بدأت تتحول الى مسيرات ضخمة تجتاح الشوارع الرئيسية لمختلف المدن الإيرانية...
وفي العاصمة، أخذ تزايد الزخم الجماهيري، يشكل عبئاً نفسياً كبيراً، بل كابوساً مرعباً يقض مضاجع الملك العميل وحكومته...
ومع اقتراب ساعة انطلاق المسيرة الجديدة، لاحظ الأهالي تحشداً غير طبيعي لقوات الأمن والشرطة والجيش أيضاً...
نداءات عبر مكبرات الصوت، بدأت تسمع، معلنة حالة الطوارئ، وداعية الناس الى التفرق...
إلا أن الجماهير، ورغم ذلك، شرعت بالتحرك، هاتفة بحياة الإسلام والإمام الخميني، والموت للملك ونظامه...
وعلى وقع الهتافات الجماهيرية المدوية، تزايدت الرشقات النارية التي كانت تطلق في الهواء تحذيراً، لتصبح رمياً متواصلاً موجهاً إلى صدور المتظاهرين...
وتغدو المواجهة معركة حقيقية تدخل فيها الآليات والمروحيات...
ويتساقط الشهداء والجرحى فرادى وجماعات... ورويداً رويدا تتصاعد الأرقام الى المئات والآلاف...
معركة حقيقية... لكنها من طرف واحد... ذلك أن الجماهير كانت خالية الأيدي.
صرخ إبراهيم الذي حمل أحد الجرحى بصديقه المار بقربه على دراجة نارية...
وعلى الفور، حملا الجريح الى المستشفى... ورجعا ليعاودا الكرة ثانية وثالثة ورابعة و...
وفي طريق العودة لاحظا جريحاً ملقى على مبعدة من رجال الشرطة دون أن يتقدم أحد لنجدته...
فصاح إبراهيم بصديقه ليتوقف... إلا أن الصديق الذي بدا عليه الشك، قال محذراً:
- ألا ترى أنه تُرك هنا كفخ لإصطياد المجاهدين...!
إلتفت إليه إبراهيم، وقال وفي صوته رنة عتاب:
- لو كان أخاً لنا، أيمكن أن نتركه؟!
رد الصديق وقد شعر بالخجل:
- إذهب إذن، ولتكن في نهاية الحذر.
في لحظات ترقب الخطر... خصوصاً عندما يكون ماثلاً وشاخصاً تتابعه لحظة بلحظة، بل ثانية بثانية... تغدو أعصاب المرء مشدودة متوترة، ويتصاعد وجيب قلبه، وتهرب أنفاسه، فيأخذ باللهاث...!
كان صديق إبراهيم يتابع حركة صديقه، مذ رآه ينبطح على بطنه، ويبدأ بالزحف باتجاه الجريح...
ومع كل خطوة يتقدم فيها إبراهيم، ومع أي حركة تصدر عن أفراد الأمن، يحس الصديق وكأن دماءه قد تجمدت... فيلهج لسانه بالدعاء..
وبلغت نقطة الخطر أوجها، عندما بلغ إبراهيم الجريح، وبدأ محاولته لحمله...
كتم الصديق أنفاسه، وأصبحت عيناه معلقتين بنقطتين فقط: الأمن وإبراهيم...
وبحركة بارعة، إستطاع إبراهيم لوحده، رفع الجريح ووضعه على ظهره، ثم العودة زحفاً...
أغمض الصديق عينيه وفتحها مرات ومرات، مؤملاً أن يكون إبراهيم قد تجاوز مرحلة الخطر...
ولكن، يا إلهي... ما له يكاد لا يتحرك... تراه تعب أم أنه يراعي وضع الجريح...؟!
خف أزيز الرصاص الذي تواصل على مدى ساعات، وبقيت تسمع أصوات إطلاق نار متقطعة بعضها بعيدة... إلا أن القوات العسكرية حافظت على انتشارها، وراحت تشدد من الإجراءات القمعية التي فرضتها...
وبغير تردد العجلات والآليات العسكرية، توقفت حركة النقل بشكل تام... كما أغلقت الأسواق والمحال التجارية أبوابها...
واقترب إبراهيم... لم تبق إلا أمتار قليلة تفصله عن صاحبه... فصعق هذا إذ رآه مضمخاً بالدماء... غير أنه وما إن وضع إبراهيم حمله، حتى تبين أن مصدر الدم الجريح...!
ومع صبيحة اليوم التالي، بدأت الجماهير بالتحشد، إستعداداً لتشييع شهداء مجزرة الأمس.
ومنذ الساعات الأولى... بدا أن الحضور الجماهيري بكل ذلك الزخم، سيفوق بكثير حضور اليوم السابق...
السلطات التي بدت مربكة، لا تدري ماذا تفعل، عممت قراراً على كافة قواتها الأمنية والعسكرية، يمنع من أي إحتكاك بالمواطنين.
التقارير الأمنية المرفوعة للجهات العليا، كانت تحذر من التصدي لمسيرات التشييع، مشبهة الأوضاع باللحظات التي تسبق ثورة البركان..!
السيل الكاسح للجماهير وهي تندفع الى الأمام حاملة على أكفها أجساد الشهداء..
ووقوف قوات النظام المدججة بالسلاح عاجزة عن فعل شيء، خطّا أفق الغد بوضوح... الغد الذي ترسم إرادة الجماهير وحدها معالمه...

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم